الحب الأول
لقاءٌ غير متوقع
بقلم مريم الحسن
انقبض قلب ليلي وهي تسمع لحن الجيتار الذي كان أحمد يعزفه دائماً في أيامهم الجميلة. هل كان مجرد صدىً للماضي، أم أن القدر قد قرر أن يلقي بظلاله من جديد على حياتها؟ وقفتْ عند النافذة، وعيناها تبحثان عن مصدر الصوت في ظلمة الحديقة. لم يكن الصوت قوياً، ولكنه كان كافياً ليثير عاصفةً من المشاعر بداخلها.
"من هناك؟" نادتْ بصوتٍ مرتجف.
لم يأتِ ردٌ مباشر، ولكن اللحن توقف فجأة. ثم سمعتْ صوت خطواتٍ تقترب، وأشباحٌ تتراقص في الظلام.
"ليلي؟" سمعتْ صوتاً مألوفاً، صوتٌ جعل جسدها كله يرتعش. صوتٌ كان يوماً كل عالمها، والآن أصبح شبحاً مؤلماً.
"أحمد؟" همستْ، غير مصدقةٍ ما تسمعه.
خرج أحمد من الظلال، يقف تحت ضوء القمر الخافت. كان يبدو أكبر سناً، ولكن عينيه كانتا تحملان نفس البريق الذي عرفته. كان يحمل جيتاره، وكأن الزمن لم يمر.
"كيف... كيف أنت هنا؟" سألتْ ليلي، متجهةً نحو الباب، وقلبها يخفق بعنف.
"لقد... عدتُ." قال أحمد، وبدا عليه الارتباك. "كنتُ في المنطقة، وفكرتُ أن... أن ألقي نظرة."
"نظرة؟ بعد كل هذه السنوات؟" تساءلتْ ليلي، وقد بدأتْ دموعها تتجمع في عينيها.
"لقد... اشتقتُ إليكِ." اعترف أحمد، وبدا صوته محملاً بكلماتٍ لم يستطع قولها من قبل.
شعرتْ ليلي بأنها على وشك الانهيار. كان أحمد أمامها، حقيقياً، حياً. كل الذكريات، كل الآلام، كل الشوق، قد عاد ليغمرها دفعةً واحدة.
"لماذا الآن، يا أحمد؟" سألتْ، ونبرة صوتها تحمل مزيجاً من اللوم والألم. "لماذا عدتَ الآن، بعد كل ما حدث؟"
"لقد... كان لديّ أسبابٌ. أسبابٌ لم أستطع أن أشرحها لكِ حينها. ولكنني... نادم."
"نادم؟" تكررتْ ليلي الكلمة، وهي تنظر إليه بعمق. "نادمٌ على ماذا؟ على رحيلك؟ على ترككِ لي وحدي؟"
"نادمٌ على كل شيء، يا ليلي. على الطريقة التي تركتُكِ بها. على الأذى الذي سببتهُ لكِ. لقد كنتُ شاباً صغيراً، خائفاً، وضائعاً."
"خائفاً؟ وأنا؟ هل فكرتَ بي؟ هل فكرتَ بما سأشعر به؟"
"لقد فكرتُ بكِ كثيراً، يا ليلي. أكثر مما تتصورين. ولكنني كنتُ أظن أن الرحيل هو الحل الوحيد. ظننتُ أنني سأحميكِ من... من المشاكل التي كنتُ أواجهها."
"مشاكل؟ أي مشاكل يا أحمد؟"
"مشاكلٌ متعلقةٌ بالعائلة، بالديون، بالضغوطات. كنتُ أشعر بأنني غير قادرٍ على توفير حياةٍ كريمة لكِ. كنتُ أخجل من نفسي. وخفتُ أن أجلب لكِ الشقاء."
لم تستطع ليلي أن تصدق. هل كانت هذه هي الحقيقة؟ هل كان أحمد قد رحل لأنه كان يريد حمايتها؟ أم أنه كان يبحث عن الأعذار؟
"ولكنك لم تتحدث معي. لم تعطيني فرصةً لأشارككِ همومك. لقد تركتني وحدي، أواجه الظلام." قالتْ ليلي، والصوت يرتعش من الألم.
"لقد كنتُ أحمقاً، يا ليلي. غبياً. ظننتُ أنني أحميكِ بالرحيل. ولكنني في الحقيقة، كنتُ أخرب حياتي وحياتكِ."
نظرتْ ليلي إلى أحمد، ورأتْ في عينيه صدقاً يكسر حاجز الألم. شعرتْ بأن كل تلك السنوات من الحزن والألم بدأتْ تذوب أمام هذا الاعتراف.
"وماذا الآن، يا أحمد؟" سألتْ، بنبرةٍ تحمل في طياتها الكثير من التساؤلات. "لماذا عدتَ؟"
"لقد... قضيتُ سنواتٍ أحاول أن أصلح أموري. لقد استطعتُ أن أتحمل المسؤولية. والآن، أردتُ أن أعود، لأرى... لأرى ما إذا كان هناك أملٌ في استعادة ما فقدناه."
"ما فقدناه؟" كررتْ ليلي، وقلبها يخفق بسرعة. "أحمد، لقد مر وقتٌ طويل. لقد تغيرتُ، وتغيرتْ الظروف."
"أعرف. ولكن قلبي... قلبي لم ينسَكِ أبداً."
"ولكنني... أنا... أنا مخطوبة." قالتْ ليلي، بكلماتٍ بدتْ كالصاعقة.
انظر أحمد إلى ليلي بصدمة، ثم نظر إلى الأرض. "مخطوبة؟"
"نعم. آدم. رجلٌ صالح، وجيد. تقدم لخطبتي، وعائلتي سعيدةٌ بذلك."
"آدم..." تكرر أحمد الاسم، بصوتٍ خافت. "إذًا... لقد وجدتِ شخصاً آخر."
"الأمر ليس هكذا يا أحمد. الأمر أنني... لم أعد تلك الفتاة التي تركتها. لقد مررتُ بالكثير. وحاولتُ أن أبني حياتي."
"ولكنكِ لم تستطيعي؟" سأل أحمد، بعينين مليئتين بالأمل. "هل ما زلتِ تفكرين بي؟"
لم تستطع ليلي أن تكذب. "أحمد، أنتَ كنتَ الحب الأول. ولكن... الأمور معقدة."
"معقدة؟" كرر أحمد، وهو يقترب منها بخطواتٍ بطيئة. "ليلي، لقد جئتُ لأعتذر. ولأطلب فرصةً ثانية. لأبني معكِ مستقبلاً جديداً. مستقبلاً حلالاً، ومباركاً."
"مستقبلٌ حلال؟" تساءلتْ ليلي، وهي تشعر بخليطٍ من الفرح والحزن. هل كان هذا ممكناً؟ هل يمكن للماضي أن يلتقي بالمستقبل؟
"نعم، يا ليلي. أريد أن أتزوجكِ. أن أصحح كل أخطائي. أن أجعلكِ سعيدةً. أن أبدأ معكِ من جديد."
نظرتْ ليلي إلى أحمد، وإلى عينيها، ورأتْ فيهما صدقاً وأملاً. ولكنها تذكرتْ آدم، وتذكرتْ عائلتها، وتذكرتْ كل ما قالتهُ لها سارة ووالدها.
"أحمد، الأمر ليس بهذه البساطة. لديّ مسؤوليات. ولديّ... أشخاصٌ يهتمون بي."
"وأنا أيضاً يا ليلي. لقد عدتُ لأتحمل مسؤولياتي. ولأكون رجلاً يليق بكِ."
"ولكن... ماذا عن آدم؟"
"هذا هو القرار الصعب الذي يقع عليكِ. ولكن، هل قلبكِ مع آدم؟ أم أن لديكِ بقايا حبٍ لي؟" سأل أحمد، ونبرة صوته تزداد حزناً.
لم تستطع ليلي أن تجيب. كانت تقف على مفترق طرقٍ خطير. بين حبٍ قديمٍ عاد ليطرق بابها، وبين مستقبلٍ واعدٍ ينتظرها. كان إدمانها للماضي قد وجد الآن مرآةً له في أحمد. ولكن، هل كان الحب الأول هو الحق؟ أم أن الحب الجديد، المبني على الواقع والاحترام، هو الأقدر على بناء حياةٍ سعيدة؟
"أنا... لا أعرف ماذا أقول، أحمد." قالتْ ليلي، وهي تشعر بأن الدموع تبلل وجهها. "الأمر صعبٌ جداً."
"أعرف يا ليلي. ولكن، لا تدعي الخوف يمنعكِ من اختيار ما تريده روحكِ حقاً. فكري جيداً. وأنا... أنا سأنتظر. لن أرحل مرةً أخرى دون أن أعرف قراركِ."
انسحب أحمد بخطواتٍ بطيئة، تاركاً ليلي واقفةً في الظلام، تحت ضوء القمر. كانت قد واجهتْ شبح ماضيها، وجهاً لوجه. والآن، كان عليها أن تواجه قرارها، القرار الذي سيحدد مصير مستقبلها.