زواج بالقدر الجزء الثاني
همسات الريح وصخب القلب
بقلم سارة العمري
ارتسمت شمس الظهيرة الذهبية على وجوه المصلين وهم ينفضون عن ثيابهم غبار الطريق المؤدي إلى مسجد "النور" العريق. كان الهواء مثقلاً بعبق البخور الممتزج برائحة التراب الندي بعد مطر خفيف هطل قبيل صلاة الجمعة، مشكلاً لوحة حسية تبعث على السكينة. لكن سكينة "ليلى" لم تكن مكتملة، فقد اعتلت وجهها بقعة ضوء باهتة، كأنما حاولت أن تشق طريقها عبر حجاب من القلق المنسوج بعناية.
كانت "ليلى"، في ربيعها الثاني والعشرين، فتاة من طينة الأصالة، تجمع بين جمال الروح وسمو الخلق، وعليها سيماء الطاعة والاستقامة. عيناها الواسعتان، بلون العسل المخلوط بقهوة الصباح، كانت تحمل بريقاً يعكس عمق تفكيرها وحساسيتها المرهفة. وشعرها الداكن، الذي ينسدل كسرب طيور مهاجرة على كتفيها، كان دائماً ما يُخفيه تحت حجاب أنيق، لا ينم عن تزمت، بل عن تقدير لقيمة الحشمة.
بعد أن صلت، واكتملت السكينة في أرجاء المسجد، وهمست بالدعاء، نهضت "ليلى" ببطء، محاولة أن تستجمع شتات أفكارها. كانت تعيش في هذه البلدة الصغيرة، "الواحة الهادئة"، كجوهرة مخفية، بعيدة عن صخب المدن وضوضائها. ترعرعت في كنف أسرة كريمة، تحكمها قيم الدين والأخلاق، وكان والدها، الشيخ "عبد الرحمن"، مثالاً للعالم الورع، ورزقت بوالدة حانية، الحاجة "فاطمة"، نبع الحنان والدفء.
لكن في الآونة الأخيرة، بدأت همسات القدر تدق أبواب حياتها بهدوء، لكنها كانت تحمل ثقلاً يستشعر في كل نبضة قلب. والدها، الذي لطالما كان عمود العائلة وسندها، قد أصيب بمرض مفاجئ ألقى بظلاله على بيتهم. لم يكن مرضاً عضالاً، ولكنه أرهق جسده النحيل، واستنزف روحه، وترك "ليلى" في حالة من القلق العميق، تتأرجح بين الأمل واليأس.
بينما كانت تسير بخطى واثقة، وإن كانت فيها بقايا من التردد، نحو باب المسجد، رأت "خالد" ينتظرها. "خالد"، الشاب الذي يشاركه أبناء بلدتها احترامهم وتقديرهم. شاب في الخامسة والعشرين، طويل القامة، بعينين لامعتين كبريق النجوم في ليلة صحراوية، وابتسامة لا تفارق ثغره، توحي بالثقة والرجولة. كان يعمل مهندساً في شركة المقاولات الكبرى التي تشرف على مشاريع التنمية في الواحة، وكان يعرفه الجميع بجدّه واجتهاده وأخلاقه العالية.
نظرت إليه "ليلى" بحياء، وارتسمت على وجهها ابتسامة خجولة. كانت تعرف "خالد" منذ الصغر، وقد نشآ في نفس الحي، ودارت بينهما أحاديث بريئة أيام الطفولة والمراهقة. لكن منذ خطبة "عمر" لابنتهم، تغيرت الأحوال. "عمر"، رجل الأعمال الثري، ذو السمعة الطيبة في المدينة الكبرى، كان قد تقدم لخطبة "ليلى" قبل عام، بناءً على توسط بعض الأقارب، وبعد تفكير عميق، وافق والدها، لما وجده فيه من خلق ودين، ولما تمنته والدتها لابنتها من حياة كريمة ومستقرة.
"السلام عليكم يا ليلى"، قال "خالد" بصوته الرخيم، وهو يقترب منها. "وعليكم السلام يا خالد"، أجابت بصوت خافت، وما زالت نظراتها تتخفى خلف رموشها الطويلة. "كيف حالك اليوم؟ هل وجدتم شفاءً لمرض الوالد؟" سأل بقلق صادق، وكان يعرف عن مرض الشيخ "عبد الرحمن". "الحمد لله، الأمل بالله كبير. الوالد بدأ يتحسن قليلاً، دعواتكم"، قالت "ليلى" بامتنان. "الله يشفيه ويعافيه، إنه رجل صالح، وتستحق الواحة كلها أن تدعو له"، قال "خالد" بحرارة.
ثم صمت كلاهما للحظة، ساد فيها جو من التوتر الخفي. كان "خالد" يدرك أن "ليلى" مخطوبة، وكان يحترم هذه العلاقة، لكن قلبه كان يحمل شيئاً آخر، شيئاً لم يكن قادراً على كبحه. لطالما أحب "ليلى" من بعيد، منذ أن رأى فيها أول مرة تلك البراءة والتقوى التي نادراً ما تجدها في هذا الزمن. كان يرى فيها الروح التي تتوق إليها نفسه، الرفيقة التي يمكن أن تشاركه حياته في ظل طاعة الله ورضاه.
"كنت أرغب في سؤالك شيئاً يا ليلى، إذا سمحتِ"، قال "خالد" بتردد. رفعت "ليلى" عينيها إليه، مستفسرة. "كنت أفكر... أن أطلب يدكِ. ليس الآن، ولكن بعد أن تنتهي فترة خطوبتكِ، وأن تتضح الأمور. أنا... أنا أكن لكِ احتراماً كبيراً، وأرى فيكِ الزوجة الصالحة التي يبحث عنها كل رجل مسلم. بالطبع، إذا كنتِ لا تمانعين، وسأفهم تماماً إذا كان هناك ما يمنع".
شعرت "ليلى" بدوار خفيف. لم تتوقع أبداً هذا الكلام. كانت تعتقد أن "خالد" مجرد صديق قديم، شاب طيب القلب، لكن أن يصل الأمر إلى طلب يدها، وهي مخطوبة بالفعل؟ هذا كان محرجاً جداً.
"خالد... أنا... أشكرك جزيل الشكر على تقديرك. هذا شرف كبير لي. لكن... أنا مخطوبة لعمر. وقد تمت الخطبة رسمياً. لا أعتقد أنني أستطيع النظر في أي أمر آخر في هذه المرحلة. أتمنى أن تتفهم". قالت "ليلى" بصوت مرتجف قليلاً، وعينيها تبتعدان عن عينيه.
شعر "خالد" بوخزة في قلبه، لكنه حافظ على رباطة جأشه. كان يعلم أن الأمر لن يكون سهلاً، لكنه كان مصراً على طرح ما في قلبه. "أتفهم تماماً يا ليلى. وأنا أحترم قراركِ واحترامكِ لخطوبتكِ. كل ما أردتُ قوله هو أني سأظل هنا، إذا تغيرت الظروف، أو إذا احتجتِ لأي شيء. عائلتي وعائلتكِ تجمعنا بها صلات قوية، وأنا لن أتخلى عن صداقتنا أبداً".
ابتسمت "ليلى" امتناناً. كانت تشعر براحة غريبة تجاه "خالد"، وبأنه كان صادقاً في كلامه. "أنا ممتنة لك يا خالد. وشكراً جزيلاً لدعواتك لوالدي. سأذهب الآن، أمي تنتظرني".
"تفضلي. والسلام عليكم"، قال "خالد" وهو يفسح لها الطريق. "وعليكم السلام"، أجابت "ليلى"، ثم انطلقت بخطى سريعة، وقلبها يدق بعنف.
لم تكن "ليلى" تعلم أن هذه الكلمات، التي قيلت على أعتاب المسجد، هي بداية رحلة لم تكن تتخيلها. رحلة تتداخل فيها الأقدار، وتتقاطع فيها القلوب، وتُختبر فيها الإرادات، كل ذلك في إطار من الحلال، وتحت سماء الواحة الهادئة التي لا تعلم عن صخب المشاعر الكامنة تحت رمالها.
كانت "ليلى" تعتقد أن مستقبلها قد رُسم بوضوح، لكن القدر كان يخبئ لها مفاجآت لم تكن في حسبان أحد. وبينما كانت تسير باتجاه منزلها، كانت تحمل في قلبها صدى كلمات "خالد"، ولم تدرك أنها بدأت تزرع بذرة شك، أو ربما بذرة أمل، في تربة مشاعرها.
استمرت في السير، والشمس تلقي بظلالها الطويلة على دروب الواحة. كان الهواء لا يزال يحمل عبق البخور، لكنه كان ممزوجاً الآن بشيء آخر، شيء غامض، يحمل وعداً بالتغيير، وتحدياً لكل ما هو ثابت. في تلك اللحظة، كانت "ليلى" مجرد فتاة بسيطة، تشد رحال حياتها نحو مستقبل رسمته لها التقاليد والعادات، ولم تعلم أنها على وشك الانجراف في تيار القدر، الذي سيحملها إلى بر لا تعلم مداه، ولا تعرف عواقبه.
والظل الطويل الذي كان يمتد أمامها، لم يكن سوى ظل القادم، الذي لم يبدأ بعد.