زواج بالقدر الجزء الثاني
رياح التغيير العاتية
بقلم سارة العمري
كانت نسمات المساء تحمل معها عبير الياسمين المتسرب من بساتين القصر، ممزوجة بلمسة خفيفة من ملح البحر، تداعب وجوه الساكنين. في شرفة غرفة "ليلى"، وقفت تتأمل أضواء المدينة البعيدة المتلألئة كنجوم ساقطة على بساط الليل. لم تكن الأضواء وحدها ما يثير تأملها، بل كان ما يختلج في صدرها من مشاعر متضاربة. منذ أن عادت "فاطمة" والدة "أحمد" إلى المنزل، وشيء ما قد تبدل. لم يكن تغيراً ظاهراً في تعاملها مع "ليلى" بشكل مباشر، بل كان ذلك الصمت المطبق الذي يلف حديثها عن "أحمد"، والعبارات المقتضبة التي تخرج منها، وكأنها تخفي سراً ثقيلاً.
تذكرت "ليلى" تلك الليلة التي سمعت فيها همسات والدة "أحمد" في الهاتف، حينما قالت بصوت خفيض: "لا أعرف كيف سأخبره. الأمر ليس بهذه البساطة. هو لديه حياته، وأنا لدي مسؤولياتي". لم تفهم "ليلى" حينها شيئاً، لكن الكلمات لازمتها، تخيفها وتؤرقها. هل كان ذلك يعني أن "أحمد" متورط في أمر ما لا تعلم به؟ هل يمكن أن يكون هذا الزواج، الذي بدأ بوفاق شرعي ودعوات خالصة، معرضاً لخطر لم تكن تتوقعه؟
في هذه الأثناء، كان "أحمد" يجلس في مكتبه، والغرق في أوراق العمل، لكن عقله كان شارد الذهن. كانت "فاطمة" قد طلبت منه لقاءً عاجلاً في وقت متأخر من تلك الليلة، وهو ما أثار قلقه. والدته كانت دائماً صريحة معه، ولم يعتد منها هذا النوع من الدعوات التي تحمل طابعاً غامضاً. اقترب منها، وألقى نظرة على وجهها الشاحب وهو يراها تفرك صدغيها بأصابعها المرتجفة.
"أمي، هل كل شيء على ما يرام؟" سأل "أحمد" وهو يجلس قبالتها، وقد ترك هاتفه جانباً.
تنظرت "فاطمة" إليه، وفي عينيها حزن عميق. "أحمد، يا بني. لدي أمر مهم يجب أن أخبرك به، وأخشى أن يؤثر عليك."
بدأ قلب "أحمد" يخفق بقوة. "ما هو، يا أمي؟ تكلمي، لا تخافي."
تنهدت "فاطمة" بعمق. "أتذكر عندما كنت أتحدث معك عن عمك 'سالم' وظروفه المالية المتعثرة؟"
أومأ "أحمد" برأسه. كان يعرف أن عمته "ليلى" وزوجها "سالم" قد مروا بضائقة مالية كبيرة في الفترة الأخيرة، وأن عائلته كانت تقدم لهم المساعدة قدر المستطاع.
"لقد تفاقمت الأمور أكثر مما كنت أتوقع، يا أحمد. لقد استدان 'سالم' مبالغ طائلة من أشخاص لا قبل لنا بهم. وهددوه... هددوه بتعريض سمعة 'ليلى' للخطر إن لم يدفع ما عليه."
اتسعت عينا "أحمد" من الصدمة. "هل هذا حقيقي، يا أمي؟ سمعة 'ليلى'؟ أي خطر؟"
"لقد سمعت بعض الأحاديث، يا بني. يقولون إن 'سالم' كان يراهن في أماكن مشبوهة، وأن هؤلاء الأشخاص يملكون أدلة قد تسبب فضيحة كبيرة للعائلة بأكملها، ولفتاة مثل 'ليلى' بالذات."
شعر "أحمد" بأن الدم يتجمد في عروقه. "ولماذا لم تخبريني بهذا من قبل؟"
"كنت أتمنى أن يحل الأمر بنفسه. كنت أعلم أن زواجك من 'ليلى' كان أمراً قد يضع حداً لهذه المشاكل، لكن يبدو أن الأمور أصبحت أعمق."
"ماذا تقصدين، يا أمي؟"
"لقد علمت أن 'سالم' لم يخبر 'ليلى' بكل شيء. بل إن 'ليلى' نفسها لا تعلم بعمق المشكلة. وهي لا تعلم أن هذا الزواج قد يكون الحل الوحيد لإنقاذ سمعتها من براثن هؤلاء الدائنين."
وقفت "فاطمة" وذهبت إلى النافذة، وكأنها تبحث عن إجابات في ظلام الليل. "لقد حاولت مراراً وتكراراً أن أجد حلاً، لكنني لا أملك ما يكفي. وحينما علمت بتفاصيل الوضع، أدركت أن زواجك منها، الذي كان بدايته محبة وتفاهم، قد يكون الآن وسيلة لإنقاذها. إن كان 'سالم' قد استغلها، وجلب لنا هذه المشاكل، فمن حقك أن تعلم."
شعر "أحمد" بالثقل يطبق على صدره. كانت هذه المعلومات كالصاعقة. لم يتزوج "ليلى" إلا حباً ورغبة في الارتباط بها، لكن أن تكون هذه الورطة هي الدافع الخفي، أو على الأقل أحد الدوافع، وأن تكون "ليلى" نفسها غافلة عن كل هذا، كان أمراً مؤلماً.
"فاطمة" عادت وجلست، وقالت بصوت يرتجف: "أحمد، أنا خائفة. لا أريد أن تكون هذه البداية لزوجين. لا أريد أن تشعر 'ليلى' بأنها مجبرة، أو أنك تزوجتها شفقة."
"وهل هناك أي دليل على هذه الادعاءات؟" سأل "أحمد" بهدوء، لكن صوته كان يحمل نبرة قلقة.
"لدي بعض الأوراق التي وجدتها في غرفة 'سالم' أثناء زيارتي لهما. هي ليست واضحة تماماً، لكنها تشير إلى ديون كبيرة وأسماء مشبوهة. وخوف 'ليلى' من والديها، وصمتها الدائم عن أمور كثيرة، جعلني أشك بأنها تخفي أمراً."
"عليّ أن أتحدث مع 'ليلى'." قال "أحمد" بحزم.
"لا أعرف إن كان هذا هو الوقت المناسب، يا بني. هي تبدو سعيدة، ولا أريد أن أكدر صفوها. ولكن، من واجبك كزوج أن تعلم، ومن واجبي كأم أن أحميك. إذا كان هناك من يستغل 'ليلى' أو يستغل زواجها، فعليك أن تعرف."
نهض "أحمد" وهو يشعر بثقل المسؤولية. كان يشعر بالغضب تجاه "سالم"، ولعنة على الظروف التي وضعت "ليلى" في هذا الموقف. لكن الأهم الآن هو "ليلى". كيف سيواجهها؟ هل ستصدقه؟ وهل ستكون قادرة على استيعاب كل هذا؟
عاد "أحمد" إلى غرفة نومه، ووجد "ليلى" لا تزال واقفة أمام النافذة، تتأمل الليل. شعر بقلبه يرتجف. كانت جميلة، هادئة، وبريئة. هل كانت كل هذه البراءة تخفي في طياتها قصة أخرى؟
اقترب منها بهدوء. "ليلى؟"
التفتت إليه، وقد ارتسم على وجهها ابتسامة خفيفة. "أحمد، لقد تأخرت."
"نعم، كنت أتحدث مع أمي." قال وهو يقترب منها، يمد يده ليلمس خدها بلطف. "ليلى، هل أنت سعيدة؟"
توقف للحظة، ثم قالت ببساطة: "نعم، الحمد لله. وسعيدة بوجودك."
نظر في عينيها، محاولاً أن يقرأ ما فيهما. لم يرَ سوى الصدق والبراءة. لكنه تذكر كلمات والدته. كيف سيبدأ؟ كيف سيقول لها أن زواجهما قد يكون له دوافع أخرى، وأن سمعتها قد تكون على المحك؟
"ليلى، هل لي أن أسألك عن والدك؟ وعن حالته؟"
تغيرت ملامحها قليلاً، واختفت الابتسامة. "والدي؟ حالته... ليست على ما يرام. دائماً ما يواجه صعوبات."
"هل يعرف أن هذا الزواج... قد يساعده؟"
نظرت إليه بذهول. "يساعده؟ كيف؟"
كانت هذه هي اللحظة. كان عليه أن يخبرها، حتى لو كانت العواقب وخيمة.
"ليلى، والدتك... والدتك أم 'أحمد' قد علمت ببعض المشاكل المالية لوالدك. مشاكل كبيرة، قد تؤثر عليكم."
اتسعت عيناها. "مشاكل؟ أي مشاكل؟ أبي لم يخبرني شيئاً."
"هذا ما تقوله والدتي. وتقول إن هناك ديوناً كبيرة، وأن البعض يهددون. وربما... ربما سمعتك قد تكون في خطر."
انخرطت "ليلى" في البكاء. "مستحيل. أبي لم يفعل شيئاً كهذا. هو طيب."
"أعلم أنه طيب، يا حبيبتي. ولكن أحياناً، يقع الناس في مشاكل لا يستطيعون الخروج منها. والدتي قلقة عليكِ، وعلى سمعة العائلة. وهذا الزواج... ربما كان فرصة لإنقاذ الموقف."
مسحت "ليلى" دموعها بيد مرتعشة. "يعني... يعني أنت لم تتزوجني إلا لهذا؟"
تألم "أحمد" من سؤالها. "لا، ليلى، ليس لهذا السبب. أنت تعلمين أنني أحبك. ولكن، لا يمكنني أن أخفي عنك الحقيقة. إذا كانت هناك مشكلة، فعلينا أن نواجهها سوياً. وبصراحة، لو علمت والدتي بهذا الوضع، لربما اقترحت هذا الزواج."
نظرت إليه "ليلى" بعينين مليئتين بالحزن والخوف. كانت الكلمات تتصارع في صدرها. هل كان هذا هو الحقيقة؟ هل كان والدها قد ورطها بهذا الشكل؟ وهل كانت "ليلى" نفسها، ببراءتها، أداة في يد الظروف؟
"أنا... أنا لا أعرف ماذا أقول." همست "ليلى"، وكان صوتها بالكاد مسموعاً.
"حاولي أن تفهمي، يا حبيبتي. نحن الآن زوج وزوجة. وسنواجه أي شيء معاً. لكن يجب أن نعرف الحقيقة كاملة. سأتحدث مع والدي 'سالم' غداً. وعلينا أن نجد طريقة لحل هذه المشكلة."
عانقها "أحمد"، وشعر بضعفها بين ذراعيه. لم يكن هذا الزواج كما تمناه. لم يكن البداية التي تخيلها. رياح التغيير بدأت تهب، وكانت تحمل معها عواصف لم يكونا مستعدين لها. هل ستتمكن حبهم من الصمود أمام هذه التحديات؟ أم ستكون بداية النهاية؟