زواج بالقدر الجزء الثاني
طيف الماضي ونداء الواجب
بقلم سارة العمري
عاد "عمر" إلى مدينته الكبرى، تاركاً خلفه واحة "الهدوء" بكل ما فيها من سحر وبساطة. كان قلبه يعتصره مزيج من الحنين والشوق إلى "ليلى"، خطيبته، وإلى الأيام التي قضوها معاً قبل الخطبة. كانت علاقتهما تتميز بالاحترام المتبادل، وبالتفاهم الهادئ، فقد تعلما أن الحب الحقيقي يبنى على أسس متينة من القبول والصبر.
كان "عمر" رجل أعمال ناجح، يمتلك شركة مقاولات كبرى، ويدير أملاكه بعناية فائقة. لكن برغم انشغاله الدائم، كان يخصص وقتاً لـ"ليلى" وعائلتها. كان يرى في "ليلى" الزوجة المثالية، الفتاة ذات الدين والخلق، والتي يمكن أن تكون سنداً له في حياته، وشريكة له في تربية أبنائه المستقبليين.
في هذه الرحلة، كان يفكر كثيراً في لقائه الأخير بوالد "ليلى"، الشيخ "عبد الرحمن". كان لقاءً يحمل الكثير من الأمل، فقد أخبره الشيخ بتدهور صحته، وبحاجته إلى علاج مكثف في الخارج. كان الشيخ "عبد الرحمن" يرفض بشدة فكرة إثقال كاهل عائلته، خاصة "عمر" الذي كان ينظر إليه كابن.
"يا عمر، صحتي ليست على ما يرام، والأطباء هنا في الواحة لم يتمكنوا من تشخيص حالتي بدقة. أحتاج للسفر إلى الخارج، إلى مستشفى متخصص. لكن تكاليف العلاج باهظة، ولا أملك ما يكفي لضمان علاجي". قال الشيخ بصوت ضعيف، وعيناه تعكسان قلقاً عميقاً.
"يا شيخ عبد الرحمن، لا تفكر في هذا الأمر أبداً. أنا هنا لأجلك. أنت والد خطيبتي، وأنا أعتبر نفسي فرداً من عائلتك. سأتكفل بكل تكاليف علاجك، من الألف إلى الياء. لا تقلق أبداً، فقط ركز على شفائك. أدعو الله أن يمن عليك بالصحة والعافية". قال "عمر" بحزم، وكان يشعر بصدق كلماته.
نظر إليه الشيخ "عبد الرحمن" بامتنان، ودعا له بالخير. كان "عمر" يرى في الشيخ "عبد الرحمن" قدوة، وكان يشعر بمسؤولية كبيرة تجاهه.
في نفس الوقت، كانت "ليلى" في الواحة، تعيش حالة من التوتر الممزوج بالغموض. بعد لقائها بجدتها، شعرت بفضول متزايد تجاه الصندوق القديم. كانت تعود إليه كل يوم، تحاول فك رموزه، وتبحث عن أي دليل قد يساعدها. وجدت بعض المخطوطات القديمة في مكتبة جدتها، تحمل نقوشاً مشابهة. بدأت تقارن بينها، وبين الرموز على الصندوق، وبينما هي كذلك، بدأت ترى خيوطاً متشابكة.
في أحد الأيام، وبينما كانت "ليلى" تبحث في أوراق جدتها، وجدت رسالة قديمة، مكتوبة بخط يد أنيق، لكنه كان غريباً بعض الشيء. الرسالة كانت من جدها الأكبر، موجهة إلى زوجته الراحلة. قرأتها "ليلى" ببطء، وفي كل كلمة كانت تشعر بأنها تقترب من كشف الحقيقة.
"إلى حبيبتي الغالية... لقد طويتِ صفحة الحياة، وتركتِني وحيداً في هذا العالم. لم أستطع أن أحميكِ من تلك اللعنة التي أحاطت بكِ. لقد كان حبنا أقوى من أي سحر، لكنه لم يكن أقوى من الحسد والضغينة. تركتُ لكِ بعض الذكريات في هذا الصندوق، ليس ليكون شاهداً على حبنا، بل ليكون مفتاحاً لعدم الوقوع في الفخ نفسه مرة أخرى. احذري ممن يظهر لكِ الود، وهو يخفي لكِ السم. إن رمز 'الحياة' المخفي في النقوش هو مفتاحكِ. ابحثي عنه. ودعاء الله هو درعكِ الأقوى".
"رمز الحياة؟" تمتمت "ليلى" لنفسها. بدأت تعود بنظرها إلى نقوش الصندوق، تبحث عن هذا الرمز. بعد تفكير عميق، وجدت شكلاً يشبه شجرة ذات فروع ممتدة، وبجانبها طائر صغير. "هذا هو رمز الحياة!" هتفت "ليلى".
لكن كيف يمكن لهذا الرمز أن يكون مفتاحاً؟ هل هو مفتاح مادي، أم مجازي؟
في تلك الأثناء، كانت "ليلى" تشعر ببعض الارتباك. لقد بدأت مشاعرها تجاه "عمر" تتغير. لقد كانت ترى فيه الرجل الصالح، الذي أراده لها والداها. لكنها لم تشعر تجاهه بذلك الحب العميق الذي كانت تقرأ عنه في الروايات. أما "خالد"، فما زالت كلماته تتردد في أذنيها. لقد كان طيب القلب، وصادقاً، وكان يعبر عن مشاعر حقيقية.
كانت "ليلى" في مفترق طرق. واجبها تجاه خطيبها "عمر"، ومشاعرها المتنامية تجاه "خالد"، واللغز الذي وجدته في صندوق جدها الأكبر. كل هذه الأمور كانت تلقي بظلالها على حياتها الهادئة.
في يوم من الأيام، وبينما كانت "ليلى" في زيارة لوالدها في المستشفى الصغير بالواحة، جاءها الخبر. كان والدها بحاجة إلى علاج مكثف في الخارج، وكان بحاجة إلى مبلغ كبير من المال. شعرت "ليلى" باليأس. لم يكن لديها ما يكفي من المال، ولم تكن تريد أن تثقل كاهل "عمر" بأكثر مما هو عليه.
"لا تقلقي يا ابنتي"، قال والدها وهو يحاول أن يبدو قوياً. "لقد تحدثت مع عمر. وسيتكفل بكل شيء. إنه رجل طيب، ولن يتخلى عني".
كانت "ليلى" تشعر بالامتنان لـ"عمر"، لكنها كانت تشعر أيضاً بشيء من الحرج. لقد كانت تخطط لمستقبلها مع "عمر"، لكنها لم تكن تشعر بالحب العميق الذي كان يجب أن يكون موجوداً.
وفي خضم هذه المشاغل، كانت "ليلى" تواصل البحث في أسرار الصندوق. لقد استنتجت أن رمز "الحياة" ليس مجرد رمز، بل هو جزء من آلية فتح الصندوق. بدأت تبحث عن معنى هذا الرمز في سياق اللغة القديمة التي وجدتها.
"يا جدتي"، قالت "ليلى" في إحدى زياراتها، "لقد اكتشفت شيئاً مهماً. رمز 'الحياة' هو مفتاح. أعتقد أن الصندوق يحتاج إلى حركة معينة، أو إلى ضغطة في المكان الصحيح، مرتبطة بهذا الرمز".
"هذا رائع يا ابنتي! إنكِ تقتربين من كشف السر". قالت الجدة "أمينة" بفرح.
"لكن يا جدتي، والد جدي الأكبر، جدي إبراهيم، هل كان يعرف شيئاً عن هذا الصندوق؟" "كان يعرف أنه يحمل سراً، وكان يعلم أن زوجة ابنه كانت مرتبطة بالسحر الأسود، أو شيئاً من هذا القبيل. لكنه لم يصل إلى الحقيقة. لقد كان خائفاً من أن يفتح الصندوق، ربما لأنه يعتقد أنه يحمل لعنة".
"لعنة؟" ترددت "ليلى". بدأت تشعر بالخوف. لكن فضولها كان أقوى من خوفها. "نعم يا ابنتي. لقد كانت زوجة جدي الكبير امرأة غريبة الأطوار. يقال إنها كانت تمارس طقوساً غير مفهومة. ربما لهذا السبب ماتت".
شعرت "ليلى" بقشعريرة. هل كانت حياتها معرضة للخطر؟ هل كان يجب عليها أن تتوقف عن هذا البحث؟ لكنها كانت تعلم أن والدها بحاجة إلى علاج، وأنها بحاجة إلى المال. ربما كان في الصندوق شيء سيساعدها.
في هذه اللحظة، تلقت "ليلى" مكالمة من "خالد". كان صوته مطمئناً، وشعرت براحة غريبة عندما تحدثت إليه. "كيف حالك يا ليلى؟ سمعت عن مرض الوالد. هل هناك أي شيء يمكنني تقديمه؟" سأل "خالد" بصوت يحمل تعاطفاً صادقاً. "شكراً لك يا خالد. لقد علمت أن عمر سيساعدنا. لكن الأمور لا تزال معقدة". "أتفهم. ولكن إذا احتجتِ لأي مساعدة، مهما كانت، فلا تترددي في إخباري. أنا هنا".
كانت كلمات "خالد" تمنحها بعض الراحة. كان يشعر بأنها تقترب من شيء، شيء قد يغير حياتها. وبينما كانت "ليلى" تفكر في كل هذه الأمور، لم تدرك أنها كانت على وشك الغوص في أعماق تاريخ عائلتها، وأنها كانت تقترب من اكتشاف حقيقة قد تكون مدمرة، أو قد تكون المنقذ.