زواج بالقدر الجزء الثاني
شرخ في الثقة ولحظة حقيقة
بقلم سارة العمري
كانت نسمات المساء الباردة تداعب أوراق نخيل الواحة، حاملة معها عبق التراب المبلل برذاذ ماء الساقية. في بيت الشيخ "عبد الرحمن"، اجتمعت العائلة، ولكن غياب الأب عن طاولة الطعام بدا ثقيلاً. "ليلى"، بخطوات مترددة، تقدمت نحو والدتها، التي كانت تبدو شاحبة الحزن.
"أمي، هل لديكِ أخبار عن أبي؟" سألت "ليلى" بصوت خفيض، وعيناها تبحثان عن إجابة في وجه والدتها. "لم يتصل حتى الآن يا ابنتي. قلبي قلق. أخشى أن تكون هناك مشكلة في إجراءات السفر". قالت الحاجة "فاطمة" بصوت يرتجف قليلاً.
كانت "ليلى" قد استقرت مؤخراً على قرارها. بعد تفكير عميق، وبعد أن رأت تفاني "عمر" في مساعدة والدها، قررت أن تمنح علاقتها به فرصة حقيقية. لم تكن تشعر بالحب العميق الذي قرأت عنه، لكنها كانت تشعر بالتقدير والاحترام، وكانت تعلم أن "عمر" رجل صالح، وسيؤمن لها حياة كريمة. كما أن مساعدة "عمر" لوالدها كانت تثقل كاهلها بالامتنان، وتشعرها بأنها مدينة له.
لكن في قلبها، كانت بقايا تفكير "خالد" لا تزال تتردد. لقد كان صادقاً، وكان يتحدث عن مشاعر حقيقية، عكس "عمر" الذي كانت علاقته بها تبدو وكأنها واجب أكثر منها شغف.
في غمرة هذا الاضطراب الداخلي، تلقت "ليلى" اتصالاً لم تتوقعه. كان المتصل "عمر". "ليلى، حبيبتي، هل أنتِ بخير؟" سأل "عمر" بصوته الهادئ، ولكن فيه نبرة من القلق. "نعم يا عمر، أنا بخير. هل هناك أخبار عن أبي؟" "نعم، هناك أخبار، ولكنها ليست جيدة تماماً. لقد واجهت بعض العقبات في إتمام إجراءات سفره. تبين أن هناك بعض الأمور المالية المعقدة، ويبدو أن أحدهم حاول استغلال الوضع. اضطررت إلى إيقاف كل شيء مؤقتاً لإعادة ترتيب الأمور. أخشى أن تتأخر رحلته قليلاً".
شعرت "ليلى" ببرودة تسري في عروقها. "استغلال؟ عقبات؟" لم تكن تتوقع هذا. "ماذا يعني هذا يا عمر؟ هل سيتم إلغاء السفر؟" سألت بقلق. "لا، لن يتم الإلغاء، ولكن قد يتأخر. وأنا أعمل بكل جهدي لحل هذه المشكلة. أرجو أن تتفهمي. الأمر خارج عن إرادتي تماماً".
"أتفهم يا عمر. شكراً لمحاولتك. أتمنى أن تتحسن الأمور قريباً". قالت "ليلى" بصوت باهت، وهي تحاول إخفاء خيبة أملها.
بعد انتهاء المكالمة، شعرت "ليلى" بأن ثقة كبيرة قد اهتزت بداخلها. لم يكن الأمر مجرد تأخير، بل كان هناك شعور بأن هناك شيئاً ما مخفياً. لم يكن "عمر" ليبخل بالمال، وهو رجل أعمال ناجح. لماذا كل هذه العقبات؟
في تلك الليلة، وبسبب القلق الشديد على والدها، وعلى ما سمعته من "عمر"، لم تستطع "ليلى" النوم. عادت إلى غرفتها، وبدأت تبحث في أوراقها. تذكرت المخطوطات القديمة التي وجدتها في بيت جدتها، وتذكرت رسالة جدها الأكبر.
"احذري ممن يظهر لكِ الود، وهو يخفي لكِ السم". هذه الكلمات رنت في أذنيها كوقع الصاعقة. هل كان "عمر" يخفي عنها شيئاً؟ هل كان يحاول استغلال وضع والدها؟
في صباح اليوم التالي، اتخذت "ليلى" قراراً جريئاً. قررت أن تزور "خالد". لم تكن تعرف بالضبط لماذا، لكنها شعرت بأنها بحاجة إلى التحدث إليه، إلى شخص تثق به. ذهبت "ليلى" إلى مقر شركة "خالد" للمقاولات. كان المبنى حديثاً، وبدا منظماً ومرتباً. دخلت المكتب، حيث كان "خالد" مشغولاً ببعض الأوراق.
"السلام عليكم يا خالد"، قالت "ليلى" بصوت حذر. قفز "خالد" من مكانه، متعجباً. "ليلى! ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟ هل كل شيء بخير؟" "وعليكم السلام. لا، ليس كل شيء بخير. أنا بحاجة لمساعدتك".
جلست "ليلى" على كرسي أمام مكتب "خالد"، وبدأت تروي له كل ما حدث. عن مرض والدها، عن خطوبتها لـ"عمر"، وعن العقبات التي واجهت سفر والدها. وعندما وصلت إلى كلام "عمر" عن الاستغلال، شعرت "ليلى" بدموع تتجمع في عينيها.
"عمر قال إن هناك من يحاول استغلال الوضع، وأن هناك عقبات مالية. ولكني لم أصدق تماماً. شعرت بأن هناك شيئاً ما ليس على ما يرام".
استمع "خالد" إليها بانتباه شديد، وعيناه تعكسان القلق. "حسناً يا ليلى، لا تقلقي. سأحاول أن أفهم ما يحدث. أعرف بعض الأشخاص في المدينة الكبرى، ولدي اتصالات. ربما أستطيع معرفة ما إذا كانت هناك مشكلة حقيقية، أم أن هناك شيئاً آخر".
"شكراً لك يا خالد. أنت الوحيد الذي يمكنني الوثوق به الآن". قالت "ليلى" بصوت ممتن.
في تلك الأثناء، كان "عمر" يتلقى تقريراً من أحد رجاله. "سيدي، لقد تأكدت من المعلومات. شيخ عبد الرحمن يواجه مشكلة حقيقية في الحصول على تأشيرة للسفر. هناك بعض الديون القديمة التي لم يتم تسديدها، وهذا يمنعه من الحصول على التأشيرة. وقد طلبوا منه مبلغاً كبيراً كضمان".
"وماذا عن المبلغ الذي طلبته من ليلى؟" سأل "عمر" ببرود. "لقد حصلت عليه يا سيدي. إنه في حسابي الآن". "جيد. استمر في العمل. لا تدع أحداً يشك في أمرنا. خطة 'إسقاط' الشيخ عبد الرحمن تسير كما هو مخطط لها".
كان "عمر" يبتسم ببرود. لم يكن يريد أن يتزوج "ليلى" فقط، بل كان يريد أن يضعف عائلتها،