حب في الظلام الجزء الثالث
الفجر الجديد على أسوار الأمل
بقلم سارة العمري
كان الفجر ما يزال يلفّ صحراء الربع الخالي بحجابه الأرجواني الباهت، ولم تنبثق شمسها الذهبية بعد لتقفز فوق كثبانها الشاهقة. لكنّ صهيل حصان هائج، كأنّه وريثٌ لرعدٍ مكبوت، شقّ سكون الليل الأخير. في وسط ذلك الصخب المفاجئ، كانت "ليلى"، فتاةٌ اختارت دروب الشجاعة بدلًا من دروب الدعة، تقف بشموخٍ، وعيناها السوداوان تحملان بريقًا يشبه لمعان الفولاذ. كانت ترتدي ملابس رجلٍ بسيطة، لكنّ قوامها الرشيق ورقة ملامحها تفضحان هويتها الحقيقية.
كانت المهمة بسيطة ظاهريًا، استعادة صندوقٍ صغيرٍ ثمينٍ سرقته جماعةٌ مارقةٌ من قافلةٍ تجاريةٍ كانت تحت حماية والدها. لكنّ هذه المهمة باتت تحمل ثقلًا مضاعفًا؛ فالصندوق لم يكن يحوي مجرد كنوزٍ من ذهبٍ أو مجوهرات، بل كان يحوي وثائقٍ بالغة الأهمية لمستقبل مملكةٍ تزخر بالنخيل والماء. والدها، الشيخ "سلمان"، كان قد فوّضها بهذه المهمة قبل سفره الطارئ إلى الشمال، واثقًا في فطنتها وقدرتها على التحمل، وإن كان قلبه يتألم لفراقها، خاصةً في رحلةٍ كهذه.
"يا له من حظٍّ عاثرٍ!" تمتمت ليلى وهي تشدّ لجام حصانها "شهاب" بقوة. كان شهاب، بخوفه المفاجئ، يعكس حالة الارتباك التي بدأت تتسلل إلى نفس ليلى. لم تتوقع قطّ أن يكمن لها قطّاع الطرق في هذا المكان النائي، بعيدًا عن الطرق المعهودة. كانت المعلومات التي وصلتها من أحد جواسيس والدها تشير إلى مخبأهم بالقرب من واحة "الغمام"، لكنّ هذا الكمين كان ذكيًا، ومُعدًّا ببراعة.
ظهروا من خلف التلال الرملية كأشباحٍ يرتدون عباءاتٍ داكنة، وأسلحتهم تلمع تحت ضوء القمر الخافت. ستة رجالٍ، على أقل تقدير، يقودهم رجلٌ ضخم الجثة، ذو لحيةٍ سوداء كثيفة، وعينين تلمعان بالجشع. كان "برق" أسطورةً بين قطّاع الطرق، قيل إنّه لا يعرف الرحمة، ولا يترك أحدًا حيًا ليشهد على جرائمه.
"والآن، أيتها الفتاة الشجاعة، سلمينا ما معكِ، ولعلّنا نرحمكِ،" قال برق بصوتٍ أجش، كأنّه يشقّ الصخور.
ابتسمت ليلى ابتسامةً لم تصل إلى عينيها. "هل تظنّ أنّ امرأةً تسافر وحدها تحمل شيئًا ثمينًا بهذه السهولة؟" قالت وهي تسحب سيفها. لم يكن سيفًا كبيرًا، بل كان سيفًا رقيقًا، يشبه قامة صانعته، لكنّه كان حادًّا كالبرق.
اندلعت المعركة. تحرك شهاب برشاقةٍ، يلتفّ حول نفسه، بينما كانت ليلى تتلقى الهجمات وتصدّها بكفاءةٍ تفوق سنّها. كانت قد تدربت على المبارزة منذ صغرها، ليس كأميرةٍ مدللة، بل كمقاتلةٍ، فقد أراد والدها أن تكون مستعدةً لكلّ الاحتمالات. كان سيفها يرقص في الهواء، يتبعته لمعاتٌ فضيةٌ سريعة، بينما كان صوت احتكاكه بأسلحة المهاجمين يرتفع.
تلقّت ليلى ضربةً قويةً على ذراعها، شعرت بالألم الحارق، لكنّها لم تستسلم. استخدمت خبرتها لتطعن حصان أحد المهاجمين، فسقط أرضًا، محدثًا موجةً من الفوضى. استغلت هذه اللحظة لتنتقل إلى منازلة برق.
كان برق خصمًا عنيدًا. قوة جسده كانت هائلة، ودفعاته قويةٌ، لكنّ ليلى كانت أسرع، وأكثر مرونة. كانت تتفادى ضرباته، وتراقب تحركاته، تبحث عن الثغرة. رأت في عينيه الغضب، وخيبة الأمل، فقد كان يتوقع أن تكون المهمة أسهل.
"أنتِ لستِ مجرد فتاة،" قال برق وهو يتنفس بصعوبة، "من أنتِ؟"
"أنا ابنة الشيخ سلمان، وأنا هنا لأستعيد ما سُرق منّا،" أجابت ليلى، وصوتها يحمل مزيجًا من التحدي والإصرار.
تجمّدت أنفاس برق للحظة. اسم سلمان كان له هيبةٌ واحترامٌ في هذه المناطق. لكنّ الطمع كان أقوى من الحذر. "ابنة الشيخ؟ هذا يزيد من قيمة ما لديكِ!"
اندفع برق نحوها بقوةٍ متجددة، لكنّ ليلى كانت قد استعدت. رأتها، الثغرة التي كانت تبحث عنها. في لحظةٍ سريعة، انزلقت تحت سيفه، والتوت، ثمّ رفعت سيفها ببراعةٍ، موجّهةً ضربةً دقيقةً إلى جانبه.
صرخ برق من الألم، وسقط على ركبتيه، ممسكًا بجرحه. لم تكن الضربة قاتلة، لكنّها كانت كافيةً لكسر معنوياته. تراجع المهاجمون الآخرون، وهم يرون قائدهم مصابًا، ويسمعون اقتراب أصواتٍ أخرى في الأفق.
"هذه مجرد بداية،" قالت ليلى وهي تخفض سيفها، وعيناها لا تزالان تلتمعان. "وسوف تعيدون كلّ ما أخذتموه."
ركبت شهاب، التي استعادت هدوءها، واندفعت نحو الاتجاه الذي قيل إنّ قطّاع الطرق اختفوا فيه. كان الليل قد بدأ يفسح المجال للصباح، وشعرت ليلى بالتعب، لكنّ هناك شعورًا بالانتصار يغمرها. لقد نجحت في استعادة جزءٍ من المهمة، لكنّ الصندوق لم يكن معهم. لقد كانوا مجرد أداةٍ في يدٍ أخرى.
نظرت إلى الأفق، حيث بدأت الشمس ترسل خيوطها الذهبية الأولى، وكأنّها وعدٌ بيومٍ أفضل. لم تكن معركة اليوم نهاية المطاف، بل كانت بداية رحلةٍ أطول، رحلةٍ ستكشف عن أسرارٍ دفينة، وتتطلب منها قوةً أكبر، وشجاعةً لا تلين. كانت تعرف أنّها تسير في طريقٍ محفوفٍ بالمخاطر، لكنّها كانت مستعدةً لمواجهتها، مدفوعةً بولائها لوالدها، وحبّها لوطنها.