حب في الظلام الجزء الثالث

المواجهة الأولى وخيوط الماضي

بقلم سارة العمري

أشرقتْ الشمسُ في صباحِ يومٍ مشمسٍ، ولكنَّ السعادةَ لم تكنْ مُكتملةً في قلبِ ليلى. كانَ القلقُ يُخالطُ مشاعرَ الترقبِ، والخوفُ من المجهولِ يُغلفُ روحها. ارتدتْ ليلى ثوبًا بسيطًا وأنيقًا، يُبرزُ جمالَها الهادئ، ثمّ وضعتْ لمساتٍ خفيفةٍ من الزينة، وشعرها الأسودُ الكثيفُ ينسدلُ كشلالٍ على كتفيها. تفقدتْ حجابها بعناية، ثمّ استأذنتْ والدتها وخرجتْ من المنزل، متجهةً نحو المكانِ الذي حددهُ عمر في رسالته: مقهى صغيرٌ وهادئٌ يقعُ على أطرافِ المدينة، بالقربِ من حديقةٍ قديمةٍ تُعرفُ بأشجارها المعمرة.

كانَ المقهى يعجُّ بالروادِ في هذا الوقتِ المبكر، ولكنَّ ليلى وجدتْ طاولةً فارغةً في زاويةٍ معزولة، وجلستْ تنتظر. كانَ قلبها يخفقُ بقوةٍ، وتتخيلُ ملامحَ عمر، الرجلَ الذي تعرفهُ من الصورِ القديمةِ لذكرياتِ أبيها. كيفَ سيبدو الآنَ بعدَ مرورِ كلِّ هذهِ السنوات؟ هل سيعرفها؟ بعدَ دقائقَ قليلة، اقتربَ منها رجلٌ ذو شاربٍ أبيضَ كثيف، وعينينِ عميقتينِ تُخفيانِ الكثير. بدا عليهِ التعبُ والتجاعيدُ التي حفرتها الأيامُ على وجههِ، ولكنهُ كانَ يحملُ في مشيتهِ هيبةً ما، وقارًا ملحوظًا. "ليلى؟" سألَ الرجلُ بصوتٍ أجشٍ، يحملُ شيئًا من الشك. "نعم، أنا ليلى." أجابتْ ليلى، وصوتها يرتعشُ قليلًا. ابتسمَ الرجلُ ابتسامةً باهتة. "أنا عمر. لقد مرتْ سنواتٌ طويلةٌ جدًا." جلستْ ليلى أمامهُ، وشعرتْ بأنّ الزمنَ قد عادَ بها إلى الوراء. "أتذكرُ والدي، الحاجَّ القاسم. كانَ يتحدثُ عنكَ دائمًا." "لقد كانَ صديقًا عزيزًا. خسارتهُ كانتْ فادحةً لي." قالَ عمر، وبدتْ في عينيهِ ذكرياتٌ أليمة. "أنا آسفٌ جدًا على اختفائي المفاجئ. كانَ لديّ بعضُ الأمورِ التي اضطررتُ للاهلُ بها." "أتفهم." قالتْ ليلى، تحاولُ أنْ تُخفيَ فضولها. "ولكنَّ رسالتكَ... لقد أثارتْ لديّ الكثيرَ من التساؤلات." "أعلم. وأنا هنا لأُجيبَ على كلِّ أسئلتكِ. ولكنْ أولًا، دعنا نطلبُ بعضَ القهوة." طلبَ عمرُ قهوةً لهُ وليلى، وبعدَ أنْ قدمَ لهما النادلُ الطلب، استجمعَ عمرُ أنفاسهُ، وبدأَ حديثهُ. "ليلى، قصتي معَ والدكِ، ومعَ عائلتكِ، طويلةٌ ومعقدة. لقد كنتُ شاهدًا على أحداثٍ كثيرةٍ، ولكنَّ الظروفَ أجبرتني على الصمتِ والاختفاء." "ما هيَ هذهِ الأحداث؟" سألتْ ليلى بلهفة. "تتعلقُ ببعضِ الأمورِ الماليةِ لوالدكِ، والتي كانتْ مُعقدةً جدًا في تلكَ الفترة. لقد كانَ والدكِ رجلًا طيبًا، ولكنَّه لم يكنْ يمتلكُ خبرةً كافيةً في التعاملِ معَ بعضِ الأشخاص. وكانَ هناكَ من استغلَّ طيبتهُ." "من؟" سألتْ ليلى، قلبها يبدأُ في الشعورِ بالخوف. "شخصٌ كنا نعرفهُ جميعًا. شخصٌ وثقَ بهِ والدكِ ثقةً عمياء، وكانَ لهُ دورٌ كبيرٌ في جعلهِ يواجهُ بعضَ المصاعبِ المالية." "هل تقصدُ...؟" قالتْ ليلى، وتذكرتْ حديثَ والدتها عن شخصٍ ما كانَ يدبرُ لوالدها المكائد. "نعم، "سعيد". والدُ أحمد." قالَ عمرُ بصوتٍ هادئٍ ولكنهُ قوي. اتسعتْ عينا ليلى بصدمة. لم تتوقعْ أبدًا أنْ يكونَ سعيدٌ متورطًا في شيءٍ من هذا القبيل. "لكن... كيفَ؟ لم أفهم." "كانَ سعيدٌ يعملُ معَ والدكِ في بعضِ المشاريعِ التجاريةِ قبلَ سنواتٍ طويلة. ولكنَّ لديهِ طموحاتٍ جامحة، ورغبةً لا تُشبعُ في جمعِ المالِ بأيِّ ثمن. لقد قامَ بتوريطِ والدكِ في بعضِ الصفقاتِ المشبوهة، واستولى على جزءٍ كبيرٍ من أموالهِ. وعندما حاولَ والدكِ مواجهتهُ، هددهُ سعيدٌ بالإضرارِ بسمعتهُ وعائلتهُ." "وهذا هوَ السببُ في اختفاءِ والدي عن الساحةِ لفترةٍ طويلة؟" "لم يكنْ اختفاءً، بل كانَ اضطرارًا. والدكِ لم يستطعْ تحملَ العبءَ وحده. وكانَ سعيدٌ يُمارسُ عليهِ ضغوطًا شديدة. أنا حاولتُ مساعدتهُ، ولكنَّ سعيدًا كانَ ذكيًا وماكرًا، وكانَ لديهِ رجالٌ أقوياءٌ يُنفذون أوامرهُ. عندما حاولتُ كشفَ الحقيقة، شعرتُ بالخطرِ يحيطُ بي، ولذلكَ اضطررتُ للمغادرةِ والاختباءِ لفترةٍ لحينِ تتغيرُ الظروف." "وهل لديكَ دليلٌ على كلامكَ هذا؟" سألتْ ليلى، صوتها يرتجفُ من هولِ ما تسمعه. "نعم. لقد احتفظتُ ببعضِ الوثائقِ الهامة، ورسائلَ بيني وبينَ والدكِ، تُثبتُ تورطَ سعيد. ولكنَّ الأهمَّ من ذلك، هوَ أنَّ سعيدًا لم يتوقفْ عندَ هذا الحد. إنهُ يخططُ لشيءٍ أكبر، شيءٌ قد يُضرُّ بـ"أحمد" أيضًا." "ما هوَ هذا الشيء؟" سألتْ ليلى، وهي تشعرُ بالبرودةِ تسري في عروقها. "حاولَ سعيدٌ أنْ يُقنعَ أحمدَ بالدخولِ في شراكةٍ معه، ولكنَّ أحمدَ رفضَ. لقد بدأتْ عيني أحمدَ تفتحانِ على حقيقةِ سعيد، وهوَ ما يُثيرُ غضبَ سعيدٍ بشدة. وهوَ الآنَ يُفكرُ في طريقةٍ للتخلصِ من أحمد، أو على الأقلِّ لإبعادهُ عن طريقهِ، ليستوليَ على كلِّ شيءٍ. وهوَ يستخدمُ أساليبَ قديمةً، تعرفها عائلةُ والدكِ جيدًا." "ما هيَ هذهِ الأساليب؟" "لقد سمعتُ أنَّ سعيدًا بدأَ يُرددُ شائعاتٍ حولَ "ليلى"، وخاصةً علاقتها بـ"أحمد". يحاولُ تشويهَ سمعتها، وخلقَ فتنةٍ بينَ العائلتين، لكي يُعيقَ زواجكما، ويُضعفَ موقفَ أحمد." صُدمتْ ليلى. لم تستطعْ أنْ تُصدقَ أنَّ سعيدًا بهذهِ القسوةِ والخبث. "ولكنَّ لماذا؟ لماذا يفعلُ هذا؟" "ليسَ لديهِ ضمير. كلُّ ما يُهمه هوَ المالُ والسلطة. ولديهِ مخاوفٌ من أنْ يُصبحَ أحمدُ قوةً تُهددهُ في المستقبل. فهوَ يرى في زواجكما، واتحادَ العائلتين، خطرًا كبيرًا على مصالحه." "هذا مروع." تمتمتْ ليلى. "وهنا يكمنُ دوركِ يا ليلى. يجبُ أنْ تعلمي أحمدَ بكلِّ شيء. يجبُ أنْ تكونا على أهبةِ الاستعداد. سعيدٌ لن يتوقفَ عندَ هذا الحد. ولديهِ رجالٌ مستعدون لفعلِ أيِّ شيءٍ من أجله. أنا هنا لأُساعدكما، ولكنْ في الخفاء. لقد فقدتُ الكثيرَ من الثقةِ في الآخرين، ولا أستطيعُ الظهورَ علنًا. ولكنْ يمكنني أنْ أُقدمَ لكِ الأدلةَ التي تُثبتُ كلَّ ما قلتُهُ."

جلسَ عمرُ، وأخرجَ من جيبهِ مظروفًا سميكًا. "هذا يحتوي على صورِ بعضِ الوثائق، ورسائلَ قديمة. إنها دليلٌ على تورطِ سعيدٍ في مشاكلِ والدكِ المالية. وأيضًا، هناكَ بعضُ المعلوماتِ التي تُشيرُ إلى تحركاته الأخيرة، والتي قد تكونُ خطيرة." تناولتْ ليلى المظروفَ بيدينِ مرتعشتين. شعرتْ بثقلِ هذهِ المعلوماتِ على عاتقها. "شكرًا لكَ يا عمر. أنا مدينٌ لكَ." "لا شكرَ على واجب. لقد كنتُ صديقًا لوالدكِ، ولن أسمحَ لهُ بأنْ يُظلمَ مرةً أخرى. ولا أريدُ أنْ يتعرضَ أحمدُ لخطرٍ بسببي أو بسببِ أخطاءِ الماضي." "هل هناكَ أيُّ شيءٍ آخرَ يجبُ أنْ أعرفهُ؟" سألتْ ليلى، وهي تشعرُ بأنّ رأسها يكادُ ينفجرُ من كمِّ المعلومات. "نعم. سعيدٌ لديهِ بعضُ الأشخاصِ الذينَ يُراقبونني، وأنا متأكدٌ أنَّه سيُدركُ قريبًا أنني بدأتُ بالتواصلِ معكم. لذلكَ يجبُ أنْ تكوني حذرةً جدًا. ولا تخبري أحدًا بالقصةِ كاملةً إلا أحمد. وأيضًا، احذري من أيِّ محاولاتٍ لتشويهِ سمعتكِ أو سمعةِ أحمد. سعيدٌ قد يلجأُ إلى أساليبَ رخيصة." "سأكونُ حذرةً." وعدتْ ليلى. "الآنَ، يجبُ أنْ أذهب. ولا تتواصلي معي إلا في الضرورةِ القصوى، ومن خلالَ رموزٍ سريةٍ سنُحددها لاحقًا. سأُرسلُ لكِ رسائلَ من عناوينَ مختلفة. كوني حذرةً جدًا." نهضَ عمرُ، وألقى نظرةً أخيرةً على ليلى. "أتمنى لكِ كلَّ التوفيق. ولا تنسي، الحذرَ ثمَّ الحذر." انصرفَ عمرُ، تاركًا ليلى وحدها، غارقةً في بحرٍ من الأفكارِ والمشاعر. كانتْ الشمسُ ما زالتْ ساطعةً، ولكنَّ عالمها قد انقلبَ رأسًا على عقب. لم تعدْ الأمورُ كما كانت. لقد اكتشفتْ سرًّا قديمًا، سرًّا مُظلمًا، سرًّا يُهددُ مستقبلها وحبها لأحمد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%