حب في الظلام الجزء الثالث

الهمس في الظلام وصراع داخلي

بقلم سارة العمري

عادتْ ليلى إلى منزلها وقلبها مثقلٌ بالأحزانِ والهموم. كانتْ الرسائلُ التي معها، والوثائقُ التي احتفظَ بها عمر، كأنها قنابلٌ موقوتةٌ في يدها. جلستْ في غرفتها، وأغلقتْ البابَ خلفها، ثمّ أخرجتْ المظروفَ وفتحتْهُ ببطء. كانتْ الصورُ والرسائلُ تُثبتُ كلَّ ما قالهُ عمر. رأى وجهَ والدها في صورٍ قديمةٍ وهوَ يبتسمُ بسذاجةٍ، ويُوقعُ على أوراقٍ لا يفهمُ معناها. ورأى رسائلَ بينَ والدهِ وعمر، يُعبّرُ فيها عن قلقهِ الشديدِ من تصرفاتِ سعيد، وعن شكوكهِ المتزايدة.

مرتْ الساعاتُ بطيئةً، وليلى تقرأُ وتُعيدُ القراءة، وكأنها تحاولُ استيعابَ حجمِ الخيانةِ والغدر. شعرتْ بالغضبِ يشتعلُ في صدرها، ثمّ يليهِ الحزنُ على والدها الذي تعرضَ لكلِّ هذا الأذى. ولكنْ، الأهمُّ والأكثرُ إلحاحًا كانَ ما يتعلقُ بـ"أحمد" وسعيد. كيفَ ستُخبرُ أحمدَ بهذا الأمر؟ وكيفَ سيتقبلُ فكرةَ أنَّ والدهُ متورطٌ في مثلِ هذهِ الأمور؟

كانَ أحمدُ رجلًا صالحًا، يُحبُّ والدهُ كثيرًا. كيفَ سيُحطمُ حلمه؟ كيفَ سيُخبرهُ بأنَّ الشخصَ الذي يتخذهُ قدوةً، هوَ في الحقيقةِ شخصٌ لا يخافُ الله؟ تذكرتْ ليلى قولَ عمر: "سعيدٌ يحاولُ تشويهَ سمعتكِ، وخلقَ فتنةٍ بينَ العائلتين". شعرتْ بالخوفِ يتسللُ إلى قلبها. لقد بدأتْ بالفعلِ تشعرُ ببعضِ التغيراتِ في سلوكِ سعيد، وبالهمساتِ التي كانتْ تسمعها عن لسانِ بعضِ الناس. هل كانَ سعيدٌ يُخططُ لشيءٍ منذُ فترةٍ طويلة؟

في تلكَ اللحظة، سمعتْ صوتَ والدتها تناديها. "ليلى، هل أنتِ بخير؟ لم تخرجي منذُ فترة." فتحتْ ليلى البابَ، وحاولتْ أنْ تُخفيَ آثارَ الحزنِ عن وجهها. "أنا بخيرٍ يا أمي. فقط أشعرُ ببعضِ التعب." "هل التقيتِ بـ"عمر"؟" سألتْ أمينة، وقد بدتْ عيناها مليئةً بالقلق. "نعم يا أمي. لقد التقيتُ به." "وماذا قالَ؟" ترددتْ ليلى. هل تُخبرُ والدتها بكلِّ شيء؟ أم تحتفظُ بالسرِّ لتقولهُ لأحمد وحده؟ قررتْ أنْ تُخبرها جزءًا من الحقيقة، لكي لا تُشعرها بالخوفِ الزائد. "لقد أكدَ لي أنَّ هناكَ بعضَ المشاكلِ الماليةِ القديمةِ التي واجهها والدي. وأنَّ "عمر" كانَ يحاولُ مساعدتهُ. ولكنَّه لم يُذكرْ أيَّ تفاصيلٍ أخرى." نظرتْ أمينة إلى ابنتها بعينينِ شاخصتين. "هل أنتِ متأكدةٌ يا ليلى؟ أشعرُ بأنّ هناكَ شيئًا تخفينه." "لا شيء يا أمي، أعدكِ." قالتْ ليلى، محاولةً أنْ تُبدوَ واثقة. "إذا كانَ الأمرُ كذلك، فالحمدُ لله. أتمنى فقط أنْ ينتهيَ كلُّ شيءٍ على خير."

في المساءِ، جاءَ أحمدُ لزيارةِ ليلى. كانَ وجههُ يُشعُّ بالحبِّ والابتسامة. دخلَ إلى غرفتها، وجلسَ بجانبها، وأمسكَ بيدها. "كيفَ حالكِ يا حبيبتي؟" سألَ أحمد، وعيناهُ تبحثانِ عن إجابة. "بخيرٍ يا أحمد. كيفَ حالكَ أنت؟" "أنا بخيرٍ ما دمتِ بجانبي. ولكنْ، أشعرُ بأنّ هناكَ شيئًا يُشغلُ بالكِ منذُ فترة." شعرتْ ليلى بقلبها يخفقُ بقوة. حانَ الوقت. يجبُ أنْ تُخبرهُ. "أحمد، هناكَ أمرٌ مهمٌ جدًا يجبُ أنْ أخبركَ به. يتعلقُ بماضيكَ، وبماضي عائلتكَ." نظرَ أحمدُ إلى ليلى بترقب. "خيرٌ إن شاء الله. تفضلي." بدأتْ ليلى تُفسرُ لأحمدَ كلَّ ما سمعتهُ من عمر. سردتْ لهُ قصةَ سعيد، وحيله، واستغلاله لوالدِ أحمد. كلُّ كلمةٍ كانتْ تُخرجها من فمها، كانتْ تُشبهُ طعنةً في قلبها. استمعَ أحمدُ بصمتٍ مُطبق. وجههُ أصبحَ شاحبًا، وعيناهُ تُعبرانِ عن خليطٍ من الصدمةِ والغضبِ وعدمِ التصديق. عندما انتهتْ ليلى من كلامها، سادَ صمتٌ طويلٌ بينهما. "هل أنتِ متأكدةٌ مما تقولين؟" سألَ أحمدُ أخيرًا، وصوتهُ يرتعشُ قليلًا. "نعم يا أحمد. ولديَّ دليلٌ على ذلك." أخرجتْ ليلى المظروفَ، وأعطتهُ لأحمد. بدأَ أحمدُ يتصفحُ الوثائقَ والصورَ والرسائل. كلُّ ورقةٍ كانَ يراها، كانتْ تُشبهُ صدمةً جديدة. كانتْ عينيهِ تُعبّرانِ عن ألمٍ عميق، وعن شعورٍ بالخيانةِ العظمى. "لا أصدق. أبي... أبي يفعلُ هذا؟" قالَ أحمدُ بصوتٍ مكسور، وهوَ يُمسكُ بوجههِ بيديه. "أعلمُ أنَّ الأمرَ صعبٌ جدًا يا أحمد. ولكنَّ هذهِ هيَ الحقيقة." "ولكنَّ والدي كانَ دائمًا يُعلمني أنَّ الصدقَ والأمانةَ هما أساسُ كلِّ شيء. كيفَ لهُ أنْ يفعلَ كلَّ هذا؟" "لا أعلمُ يا أحمد. ولكنْ، يبدو أنَّ طموحاتهِ كانتْ أكبرَ من مبادئه." "وماذا عن "عمر"؟ لماذا لم يُخبرني هوَ بنفسهِ؟" "لقد اضطرَّ للاختباءِ يا أحمد. وكانَ خائفًا من سعيد. أرادَ أنْ يُساعدنا من وراءِ الستار." "ولماذا لم يُخبرني أحدٌ بهذا من قبل؟" قالَ أحمدُ بغضبٍ ظاهر. "لم يكنْ أحدٌ يعرفُ كلَّ الحقيقة. وسعيدٌ كانَ ماكرًا جدًا في إخفاءِ أثره." سادَ الصمتُ مرةً أخرى. كانَ أحمدُ غارقًا في أفكارهِ، يُحاولُ استيعابَ كلَّ ما حدث. كانَ يشعرُ وكأنَّ الأرضَ قد انشقتْ وتبلعتْه. "وماذا عن نصيحةِ "عمر"؟ عن خططِ سعيد؟" سألَ أحمدُ بعدَ فترة. "قالَ إنَّ سعيدًا يُحاولُ تشويهَ سمعتي، وخلقَ فتنةٍ بينَ العائلتين، لكي يُعيقَ زواجنا." نظرَ أحمدُ إلى ليلى بعينينِ مليئتينِ بالحبِّ والقلق. "لن أسمحَ لهُ بذلك. لن أسمحَ لهُ بتدميرِ حياتنا." "يجبُ أنْ نكونَ حذرينَ جدًا يا أحمد. سعيدٌ قد يفعلُ أيَّ شيء." "أعلم. ولكنْ، يجبُ أنْ نواجههُ. يجبُ أنْ نُظهرَ لهُ أننا لسنا خائفين." "ولكنْ، كيفَ سنُفعلُ ذلك؟ وأنتَ تواجهُ والده؟" "هذا هوَ الجزءُ الأصعب. ولكنْ، يجبُ أنْ أُخبرهُ بالحقيقة. يجبُ أنْ أُظهرَ لهُ أنني لم أعدْ ذلكَ الطفلَ الساذجَ الذي يُمكنهُ أنْ يُضحكَ عليه." تنفستْ ليلى بعمق. كانتْ تشعرُ بأنَّ الصراعَ قد بدأ. صراعٌ ليسَ فقط معَ سعيد، ولكنْ صراعٌ داخليٌ في قلبِ أحمد. صراعٌ بينَ حبهُ لوالدهِ، وبينَ اكتشافِ حقيقتهُ المُرّة.

"ماذا سنفعلُ الآن؟" سألتْ ليلى. "سنُخططُ بحذر. سأُحاولُ أنْ أُفكرَ بطريقةٍ لمواجهةِ والدي، دونَ أنْ أخسرَهُ تمامًا، ودونَ أنْ أُدمرَ سمعتَكِ. ولكنْ، الشيءُ الأكيدُ هوَ أننا سنتعاونُ معًا. ولن نسمحَ لـ"سعيد" بأنْ يفوز." مدَّ أحمدُ يدهُ، ووضعتْ ليلى يدها عليها. شعرتْ بأنَّ هذهِ اليدَ هيَ أملها الوحيد. كانتْ تعلمُ أنَّ الطريقَ أمامهم سيكونُ صعبًا، ولكنهما سيسيرانِ فيهِ معًا، متسلحينَ بالحبِّ والصبرِ والإيمان.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%