حب في الظلام الجزء الثالث
أصداء الماضي في وادي الأسرار
بقلم سارة العمري
في أعماق وادي "الغسق"، حيث تنسج الأشجار المتشابكة ظلالًا عميقةً، وحيث تتناثر الصخور كأنّها بقايا أزمانٍ غابرة، كانت "نور" تجلس وحيدةً. لم تكن وحدتها اختيارًا، بل كانت ثمنًا لقرارٍ اتخذته، قرارٌ أبعدها عن أهلها، وعن كلّ ما عرفته. كانت ترتدي ملابس بسيطة، لكنّ جمالها الهادئ كان كالنجمة التي تضيء في ليلٍ حالك. شعرها الداكن كليلٍ لا نهاية له، وعيناها الواسعتان تحملان حكمةً لا تتناسب مع صغر سنّها.
كانت تعمل كمساعدةٍ في "مشفى الأمل"، وهو ملجأٌ متواضعٌ للأيتام والمرضى، أسّسه رجلٌ صالحٌ، ترك ثروته لخدمة المحتاجين. لكنّ نور لم تكن مجرد مساعدة. كانت تحمل في قلبها عبئًا ثقيلًا، ذكرى حادثٍ مأساويٍ غيّر مسار حياتها. حادثٌ يتعلق بصندوقٍ مشابهٍ للصندوق الذي تبحث عنه ليلى، صندوقٌ كان سببًا في اختفاء والديها، وتركهما أشباحًا في ذاكرتها.
"هل وجدتِ شيئًا يا ابنتي؟" سأل صوتٌ حنونٌ، يخرج من خلف حجابٍ رقيقٍ. كانت "أمينة"، سيدةٌ وقورةٌ، تدير المشفى بحكمةٍ وعطف.
هزّت نور رأسها بأسى. "لا شيء، يا جدتي أمينة. لقد بحثتُ في كلّ الأرجاء، في الأرشيف القديم، بين الرسائل المهملة. لا شيء يدلّ على هذا الصندوق."
تنهدت أمينة، ووضعت يدها على كتف نور. "لا تيأسي يا صغيرتي. أحيانًا، البحث عن الماضي يكون أصعب من بنائه. ربما كان الأفضل أن نركّز على الحاضر، وعلى هؤلاء الأطفال الذين يحتاجون إلينا."
"لكنّ هذا الصندوق... إنه مرتبطٌ بكلّ شيء،" قالت نور بصوتٍ مختنق. "موت والديّ، اختفائي، كلّ تلك السنوات التي عشتها في خوفٍ وترقّب."
كانت نور قد وجدت نفسها عند أبواب المشفى قبل عشر سنوات، طفلةً صغيرةً، فاقدةً للذاكرة، تحمل في يدها قطعة قماشٍ مهترئة، عليها نقشٌ غريبٌ. كانت تلك القطعة هي الشيء الوحيد الذي بقي معها من ماضيها.
في تلك الأثناء، كانت ليلى قد وصلت إلى مشارف وادي الغسق. كانت المعلومات التي حصلت عليها من أحد أتباع والدها تشير إلى أنّ قطّاع الطرق قد يختبئون في هذه المنطقة. لكنّها لم تكن تتوقع أن تجد نفسها في مواجهةٍ أخرى، هذه المرة ليست بالسيوف، بل بالألغاز.
لم تكن ليلى تعرف أنّه في هذا الوادي بالذات، في ذلك المشفى المتواضع، تعيش فتاةٌ تحمل سرًّا قد يكون مفتاحًا لكلّ شيء.
بينما كانت ليلى تتفحص محيطها بحذر، لمحت دخانًا خفيفًا يتصاعد من بين الأشجار. رفعت منظارها، فرأت مبنىً يبدو قديمًا، لكنّه يبعث إحساسًا بالأمان. لم تكن تتوقع أن تجد مأوىً في هذه المنطقة المقفرة.
اقتربت بحذر، وشيّلت حصانها. عند مدخل المشفى، استقبلتها أمينة، التي كانت تراقب بصمتٍ كلّ من يقترب.
"مرحبًا بكِ أيتها الغريبة. ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟" قالت أمينة بصوتٍ هادئ.
"أبحث عن بعض قطّاع الطرق الذين سرقوا شيئًا ثمينًا. هل رأيتِ أيّ غرباء يمرّون من هنا؟" قالت ليلى، وهي تشعر بالتردد في الكشف عن كلّ ما لديها.
نظرت أمينة إلى ليلى بعينين نافذتين. "القطّاعون؟ هنا؟ هذا الوادي مسكونٌ بالأساطير، وليس باللصوص." ثمّ أضافت، بلمحةٍ من الحذر، "لكنّنا نرى الكثير من المسافرين. إذا كانوا يختبئون، فربما يكونون قد اتخذوا من الكهوف القديمة ملاذًا لهم."
خلال حديثهما، خرجت نور من الداخل، حاملةً سلةً من الأعشاب الطبية. عند رؤيتها لليلى، شعرت بشيءٍ غريب. كأنّها تعرفها، أو كأنّ هناك شيئًا مشتركًا بينهما.
"من هذه يا جدتي؟" سألت نور، وهي تنظر إلى ليلى باهتمام.
"هذه سيدةٌ تبحث عن لصوص. ربما كانت بحاجةٍ للمساعدة،" أجابت أمينة.
تبادلت ليلى ونور نظراتٍ. شعرت ليلى بانجذابٍ غريب نحو نور، كأنّ روحها تعرف روحها. في لحظةٍ، شعرت ليلى بتذكّرٍ خافت، صورةٌ ضبابيةٌ لامرأةٍ تحمل طفلةً صغيرةً، وكان وجه الطفلة يشبه وجه نور.
"هل... هل كنتِ هنا منذ زمنٍ طويل؟" سألت ليلى نور، بصوتٍ بالكاد يُسمع.
نظرت نور إليها بارتباك. "نعم، هنا منذ أن كنتُ طفلةً صغيرةً. لماذا تسألين؟"
"لا شيء،" قالت ليلى بسرعة، وهي تشعر بالحرارة تصعد إلى خديها. "فقط... شعرت بشيءٍ غريب."
كانت أمينة تراقب هذا التفاعل بصمتٍ، وفهمت أنّ هناك شيئًا أعمق يحدث. لم يكن هذا اللقاء مجرد صدفة.
"يمكنكِ المبيت هنا الليلة، أيتها السيدة،" قالت أمينة لليلى، "ويمكننا مساعدتكِ في البحث غدًا."
قبلت ليلى العرض، وشعرت بالراحة وهي تدخل هذا المكان الهادئ. لكنّ قلبها كان لا يزال مشتعلًا بالبحث عن الصندوق، وبفضولٍ متزايدٍ تجاه نور، الفتاة الغامضة التي تشبه ذكرىً بعيدة.
في تلك الليلة، وبينما كانت ليلى تحاول النوم، كانت نور تتأمل قطعة القماش المهترئة التي تحتفظ بها. شعرت بشيءٍ يتغيّر. كأنّ ماضيها، الذي كان هاربًا دائمًا، بدأ يقترب. كانت تعلم أنّ وصول ليلى لم يكن مجرد مصادفة، بل ربما كان بداية كشف الحقيقة، حقيقةٌ قد تكون مؤلمةً، لكنّها ضروريةٌ لتستمرّ في حياتها.