حب في الظلام الجزء الثالث
ليلة القدر والأسرار الدفينة
بقلم سارة العمري
حجبت سحبٌ خفيفةٌ قمرَ السماءِ، لكن نورَ الإيمانِ كان يشعُّ في قلبِ بيتِ الحاجِّ أحمدَ. كانت ليلةَ السابعِ والعشرينَ من رمضانَ، وهي ليلةٌ عظيمةٌ في الأمةِ الإسلاميةِ، ليلةُ القدرِ التي يتضاعفُ فيها الأجرُ وتُستجابُ فيها الدعواتُ. اجتمعت العائلةُ في جوٍّ من السكينةِ والخشوعِ، يرتلون آياتِ الذكرِ الحكيمَ ويتقربون إلى ربهم بالدعاءِ.
جلستْ نورُ بجانبِ والدتِها، تتلو الأذكارَ بقلبٍ مطمئنٍّ، وعيناها تترقبانَ بلهفةٍ خفيةٍ خروجَ يوسفَ من مصلاّهُ. كانت قد أدركتْ في الأيامِ الماضيةِ حجمَ المشاعرِ التي تتجاذبُها نحوهُ، وأنها لم تعدْ مجردَ احترامٍ أو محبةٍ أخويةٍ، بل تجاوزتْ ذلك إلى ما هو أعمقُ وأشدُّ. كان صمتُهُ العميقُ في تلك الليلةِ أكثرَ صخبًا من أيِّ حديثٍ، وكلُّ نظرةٍ عابرةٍ بينهما كانت تحملُ رسائلَ غيرَ منطوقةٍ.
كان الحاجُّ أحمدُ قد اختلى بنفسهِ في غرفتِهِ، لا ليدعو فحسب، بل ليواجهَ صراعاً داخلياً طالما حاولَ كبتَهُ. أمامَهُ على طاولةِ صغيرةٍ، كانت هناكَ ورقةٌ قديمةٌ، صفراءُ الأوراقِ، تحملُ بضعَ كلماتٍ بخطٍّ متعرجٍ. كانت وصيةَ والدِهِ، التي لم يفهمْ معناها الحقيقيَّ إلا مؤخراً. "ما تملكُهُ من مالٍ، هو وديعةٌ للأيامِ السوداءِ، لا تُعطِهِ إلا لمن يُقيمُ الحقَّ ويُعلي اسمَ اللهِ." هذه الكلماتُ كانت تُلاحقُهُ منذُ أن اكتشفَ أنَّ ثروةَ العائلةِ لم تكنْ كلها نتاجَ عملٍ شريفٍ.
تذكرَ حديثَ عمهِ قبلَ سنواتٍ، حينَ أشارَ إلى أنَّ جزءاً من الاستثمارِ الأولِ الذي أسسهُ والدهُ كانَ يحملُ شبهاتٍ. في تلكَ اللحظةِ، لم يعبأْ كثيراً، لكنَّ رؤيتَهُ لمعاناةِ بعضِ المحتاجينَ، ووقوفهُ على أطرافِ خياراتٍ صعبةٍ أحياناً، جعلتْ تلكَ الكلماتِ تكتسبُ وزناً هائلاً. هل كانَ المالُ الذي يعيشونَ منهُ حلالاً بالكاملِ؟ كانَ السؤالُ يؤلمهُ.
في ذلكَ الوقتِ، كانَ يوسفُ قد أنهى صلاتَهُ، ووقفَ يتأملُ النجومَ المتلألئةَ من شرفةِ المسجدِ. لم تكنْ ليلةَ القدرِ مجردَ فرصةٍ للعبادةِ بالنسبةِ لهُ، بل كانت أيضاً ليلةَ الحقيقةِ. كانَ قد تلقى اتصالاً هاتفياً قبلَ أيامٍ من مصدرٍ مجهولٍ، عرضَ عليهِ معلوماتٍ قد تُغيرُ مجرى حياتِهِ وحياةَ عائلتِهِ. قالَ المتحدثُ بصوتٍ خفيضٍ ومشوشٍ: "إذا أردتَ أن تعرفَ حقيقةَ المالِ الذي استثمرهٌ جدُّكَ، فلا تتأخرْ عن زيارةِ المكانِ المهجورِ عندَ طرفِ المدينةِ القديمةِ بعدَ غروبِ شمسِ ليلةِ القدرِ. لديَّ ما يُثبتُ كلَّ شيءٍ."
شعرَ بوخزةٍ من القلقِ، لكنَّ فضولَهُ، ورغبتَهُ في التأكدِ من نزاهةِ عائلتِهِ، دفعتهُ إلى الموافقةِ. الآنَ، وبعدَ أن رأى نورَ تبتسمُ لهُ من بعيدٍ، شعرَ بثقلِ المسؤوليةِ. هل سيُخبرُها بما قد يكتشفهُ؟ هل سيُشاطرُها عبءَ الحقيقةِ، مهما كانتْ قاسيةً؟
بعدَ صلاةِ العشاءِ، اجتمعَ الجميعُ حولَ المائدةِ لتناولِ سحورٍ خفيفٍ. كانَ الصمتُ ثقيلاً، تخللتهُ آهاتٌ خافتةٌ من جدتِهِ التي كانتْ تشعرُ ببعضِ الألمِ في مفاصلِها. "أبي," بدأَ الحاجُّ أحمدُ بصوتٍ مترددٍ، "هل تذكرُ تلكَ الاستثماراتِ القديمةَ التي قامَ بها جدي؟" نظرَ إليهِ ابنُهُ بدهشةٍ. "نعم أبي، لماذا تسألُ؟" "لقد وجدتُ وصيةً لهُ، وكانَ فيها إشارةٌ غريبةٌ... لم أفهمْها تماماً." اقتربَ يوسفُ قليلاً، وشعرَ بأنَّ قلبهُ يخفقُ بشدةٍ. هل كانتْ هذهِ مقدمةً لما ينتظرُهُ؟ "وماذا كانتْ الوصيةُ يا أبي؟" سألتْ والدتُهُ بصوتٍ هادئٍ، لكنَّ عينيها كانتْ مليئةً بالقلقِ. "كانَ يقولُ فيها إنَّ جزءاً من المالِ هو 'وديعةٌ للأيامِ السوداءِ'، وأنهُ لا يُعطى إلا لمن يُقيمُ الحقَّ. لم أفهمْ معناها حينها، لكنَّني بدأتُ أتساءلُ." نهضَ يوسفُ فجأةً، متذرعاً برغبتِهِ في شربِ بعضِ الماءِ. كانَ يشعرُ بأنَّ هناكَ شيئاً أكبرَ بكثيرٍ يحدثُ. "هل لي أن أطلبَ منكِ شيئاً يا جدتي؟" قالَ ليوسفَ، حينَ رآها جالسةً في ركنِ الغرفةِ، تتفقدُ صندوقَ مجوهراتٍ قديمٍ. "تفضلْ يا بني." "هل رأيتِ يوماً أيَّ وثائقَ تخصُّ استثماراتِ جدي؟ ربما أوراقٌ قديمةٌ، أو سجلاتٌ؟" نظرتْ إليهِ الجدةُ بعينينِ فيها حكمةُ السنينِ. "لطالما حافظَ جدكَ على كلِّ شيءٍ. كانتْ لديهِ خزانةٌ في غرفةِ مكتبِهِ القديمةِ، مليئةٌ بالصناديقِ والملفاتِ. لكنَّها بقيتْ مغلقةً منذُ وفاتِهِ." كانتْ هذهِ معلومةٌ جديدةٌ، معلومةٌ قد تكونُ المفتاحَ. "هل تعرفينَ أينَ مفتاحُ تلكَ الخزانةِ يا جدتي؟" سألَ يوسفُ بترقبٍ. ترددتْ الجدةُ للحظةٍ، ثمَّ قالتْ بصوتٍ منخفضٍ: "أعتقدُ أنَّ والدي أعطاني مفتاحاً صغيراً قديماً، قالَ لي احتفظي بهِ، ربما يأتي يومٌ نحتاجُهُ فيهِ." بحثَتْ في علبةِ قديمةٍ كانتْ تحتفظُ بها، وأخرجتْ مفتاحاً صغيراً صدئاً. "هذا هو."
بينما كانَ الحاجُّ أحمدُ يتحدثُ معَ زوجتِهِ عن شكوكِهِ، كانتْ نورُ تراقبُ كلَّ شيءٍ. شعرتْ بأنَّ هناكَ ما يُخفى، وأنَّ هذهِ الليلةَ تحملُ معها ما هو أبعدُ من مجردِ عبادةٍ. نظرتْ إلى يوسفَ، الذي كانَ يتمتمُ بكلماتٍ غيرَ مفهومةٍ وهو يمسكُ بالمفتاحِ القديمِ. لم تكنْ تعرفُ ما الذي يدورُ في رأسِهِ، لكنَّها شعرتْ بخوفٍ مفاجئٍ. كأنَّ سحابةً رماديةً بدأتْ تتجمعُ فوقَ العائلةِ.
في الخارجِ، كانَ الهواءُ قد أصبحَ بارداً. تركتْ نورُ والدتها تتحدثُ معَ والدها، واقتربتْ من يوسفَ. "هل أنتَ بخيرٍ يا يوسفَ؟" سألتْ بصوتٍ ناعمٍ. التفتَ إليها، وكانَ في عينيهِ خليطٌ من التصميمِ والقلقِ. "نعم يا نورُ، بخيرٍ." "لكنَّكَ تبدو قلقاً. هل حدثَ شيءٌ؟" ترددَ للحظةٍ. كانتْ هذهِ اللحظةُ إما بدايةَ الانفصالِ أو بدايةَ تقاسمِ العبءِ. "نورُ، هناكَ أشياءٌ ربما لم نكنْ نعرفُها عن ماضي عائلتنا. وأنا، أنا مدفوعٌ للبحثِ عن حقيقةِ هذهِ الأشياءِ." "ما هي الحقيقةُ التي تبحثُ عنها؟" سألتْ، وشعرتْ بأنَّ الهواءَ من حولِها يشتدُّ. "حقيقةُ المالِ الذي بناهُ جدي. هناكَ شكوكٌ حولَ مصدرِ جزءٍ منهُ. وأعتقدُ أنَّ مفتاحَ هذهِ الخزانةِ القديمةِ سيُخبرنا بالكثيرِ." نظرتْ إليهِ، ورأتْ في عينيهِ العزيمةَ التي لم ترَها من قبلُ. "وماذا ستفعلُ إذا اكتشفتَ أنَّ هناكَ ما هو غيرُ صحيحٍ؟" "سأواجهُ الأمرَ. وسأواجهُهُ بشرفٍ، كما تعلّمنا."
كانتْ كلماتهٌ الأخيرةُ بمثابةِ سهمٍ اخترقَ قلبَها. كانَ يمثلُ القيمَ التي نشأتْ عليها. "إذا كانَ الأمرُ كذلكَ," قالتْ بصوتٍ قويٍّ، "فلا تقفْ وحدكَ. أنا معك." ابتسمَ يوسفُ ابتسامةً خافتةً، فيها امتنانٌ وقلقٌ. "لكنَّ الأمرَ قد يكونُ خطيراً يا نورُ. وقد يتطلبُ مني الذهابَ إلى مكانٍ بعيدٍ، لا أعرفُ ما ينتظرني فيهِ." "قلتُ لكَ، أنا معك." نظرتْ إلى سماءِ الليلِ، وكأنها تدعو اللهَ أن يُعينهم. كانتْ ليلةَ القدرِ، ليلةَ الرحمةِ والغفرانِ، لكنها أيضاً كانتْ ليلةَ الكشفِ عن الأسرارِ. كانَ صراعٌ كبيراً على وشكِ البدءِ، صراعٌ لن يكونَ سهلاً، وسيجبرُهم على مواجهةِ الظلامِ المخفيِّ في نورِ الماضي.