حب في الظلام الجزء الثالث

ظلال الماضي تلقي بظلالها

بقلم سارة العمري

كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغرب، ملقيةً بظلالٍ طويلةٍ على أرجاء الوادي. لم يكن الرجل المسنّ، الذي عرف عن نفسه باسم "زين"، مجرد حارسٍ عابر. كانت كلماته تحمل ثقلًا، وكأنّه يحمل أسرارًا لا حصر لها. كان الصندوق الخشبي بين يديه يبدو قديمًا، ونقشه يشبه النقوش التي رأتها نور وليلى على قطعتهما القماشية.

"أنا أبحث عن الورثة الشرعيين،" قال زين، وهو يراقب تعابير وجهيهما. "ولكنّني رأيتُ الكثير من الطامعين، ومن الباحثين عن الثراء السريع. فهل أنتنّ منهن؟"

"نحن نبحث عن الحقيقة،" قالت ليلى بصدق، وعيناها لا تزالان مثبتتين على الصندوق. "لقد اختفى والديّ في ظروفٍ غامضة، وتركونا مع الكثير من الأسئلة. هذا الصندوق قد يكون مفتاحًا."

"أختي،" قالت نور، وصوتها يحمل نبرةً جديدةً من الشكّ والأمل. "لقد تركت لي والدتي قطعة قماشٍ كهذه. قالت إنّها ترمز إلى الأمان. هل تعرف معنى ذلك؟"

ابتسم زين ابتسامةً غامضة. "نعم، أعرف. هذه الرموز ليست مجرد زخارف. إنّها لغةٌ قديمة، لغةٌ تتحدث عن عائلةٍ نبيلة، وعن أمانةٍ، وعن كنوزٍ لا تقدر بثمن."

"كنوز؟" سألت ليلى، وهي تتفحص وجه زين. "هل تتحدث عن الذهب؟"

"لا، ليس الذهب الماديّ،" قال زين. "بل كنوز المعرفة. كنوز التاريخ. كنوزٌ يمكن أن تغيّر مجرى حياة أمةٍ بأكملها."

شعرتا ليلى ونور بأنّ الأمور تتجاوز مجرد استعادة صندوقٍ مسروق. كان هناك تاريخٌ أعمق، وأسرارٌ أكبر.

"لماذا لم تذهبوا إلى السلطات؟" سألت نور. "لماذا تحتفظون بهذا الصندوق بأنفسكم؟"

"لأنّ هناك من يسعى خلف هذا الصندوق،" قال زين، ونبرته تحولت إلى جدّية. "هناك من يريد استغلال كنوزه لأغراضٍ شريرة. رجالٌ لا يعرفون الحلال ولا الحرام. رجالٌ هم سبب اختفاء والديكما، وهم سبب الكثير من الظلم في هذه البلاد."

"قصدك... قطّاع الطرق؟" سألت ليلى. "هل هم من يريدون هذا الصندوق؟"

"هم أدواتٌ في أيدي الآخرين،" قال زين. "ولكنّ القوة الحقيقية تكمن وراءهم. قوةٌ تتستر بالفساد، وتستغلّ ضعف العباد."

نظرت ليلى إلى نور. كانت هذه هي المخاطرة التي حذرها منها والدها. لم تكن المعركة ضدّ لصوصٍ عاديين، بل ضدّ قوىً أكبر وأكثر خبثًا.

"ماذا يوجد داخل الصندوق؟" سألت ليلى، وهي تشعر بتزايد القلق.

"مخطوطاتٌ قديمة،" قال زين. "منها ما هو عن تاريخ هذه البلاد، ومنها ما هو عن أصول علمٍ قديم، ومنها ما هو دليلٌ على حقوقٍ مسلوبةٍ. هذه المخطوطات كنزٌ لا يقدر بثمن، ولكنّها قد تكون سيفًا ذا حدين."

"لماذا تركتها هنا؟" سألت نور.

"كنتُ أعمل مع والديكِ،" قال زين. "كنا نبحث عن هذه المخطوطات لحمايتها. ولكنّهم تعرضوا للخيانة. اضطررتُ لأخذ الصندوق والاختباء، وأنا أبحث عن الأحقاء. والديكِ... لم يكونا طامعين. بل كانا يسعيان للعدل. ولكنّ البعض لم يرد لهذه الحقائق أن ترى النور."

شعرت ليلى بدموعٍ تتجمع في عينيها. والدها، الذي كان دائمًا حريصًا على العدل، وعلى إحقاق الحق. والآن، هي في مهمةٍ للكشف عن الحقيقة التي دفع والداها حياتهما ثمنًا لها.

"كيف أثق بك؟" سألت ليلى، بصوتٍ يحمل مزيجًا من الشكّ والأمل. "كيف أعرف أنّك لستَ كاذبًا؟"

"الثقة يا بنيتي، تُبنى على الأفعال، لا على الأقوال،" قال زين. "وأنا لم أقدم لكِ مجرد كلام. لقد عرضتُ عليكِ الصندوق. ولو كنتُ أريد الشرّ، لكان لديّ فرصةٌ لأخذ ما أريد منذ سنوات."

"ماذا تريد منا الآن؟" سألت نور.

"أريد أن أرى ما إذا كنّتُ قد وجدتُ الورثة الشرعيين،" قال زين. "إذا كنّتُ أستطيع أن أثق بكما في حماية هذه الأسرار، وفي استخدامها لما فيه خير البلاد، وليس لتدميرها."

"نحن نحترم الحدود الشرعية،" قالت ليلى على الفور. "ولن نستخدم هذه المعرفة في ما يغضب الله."

"هذا هو ما أردتُ سماعه،" قال زين، وابتسامةٌ خفيفةٌ ارتسمت على وجهه. "ولكنّ الطريق ليس سهلًا. من يسعون خلف هذا الصندوق هم أقوياء، ولا يرحمون. وأنتم، يا شباب، لا تزالون في بداية الطريق."

"هل هؤلاء هم نفس الأشخاص الذين هاجموني بالأمس؟" سألت ليلى.

"هم جزءٌ من الشبكة،" قال زين. "ولكنّ الرأس أكبر بكثير."

شعرتا ليلى ونور بأنّ الأمر يتجاوز مجرد استعادة صندوق. إنهما الآن في صميم صراعٍ قديم، صراعٌ يتطلب منهما شجاعةً لا مثيل لها، وقوةً إيمانيةً.

"ماذا نفعل الآن؟" سألت نور، وهي تشعر بأنّها تقف على حافة هاوية.

"الآن، يجب أن تتعلّما،" قال زين. "يجب أن تفهما خطورة ما بين يديكما. وأن تدركا أنّ هذه المعرفة يمكن أن تكون نورًا، أو نارًا."

نظر زين إلى الصندوق، ثمّ إلى ليلى ونور. "سأمنحكما فرصةً. سأتركهما معكما الليلة. ولكنّني سأكون قريبًا. وسأراقب. فإذا شعرتُ بأنّكما غير مستعدتين، فسأستعيده، وسأبحث عن سبيلٍ آخر."

أعطى زين الصندوق لليلى. كان أخفّ مما توقعت، لكنّ ثقله المعنوي كان هائلاً. حملته بيدين مرتعشتين، وشعرت بأنّها تحمل مصير أمةٍ بأكملها.

"شكرًا لك، يا زين،" قالت ليلى. "سنكون على قدر المسؤولية."

"أتمنى ذلك،" قال زين، ثمّ اختفى في ظلال الوادي، تاركًا ليلى ونور مع الصندوق، ومع أطنانٍ من الأسئلة، والخوف، والأمل.

في تلك الليلة، جلست ليلى ونور في غرفةٍ صغيرةٍ بالمشفى، والصندوق بينهما. كانتا تنظران إليه، وتشعران بأنّ الماضي بدأ يفتح أبوابه على مصراعيها، وأنّ المستقبل يحمل معه تحدياتٍ لم تكونا مستعدتين لها. شعرت ليلى بثقلٍ جديدٍ في قلبها، لم يكن بسبب الصندوق، بل بسبب المسؤولية التي أصبحت تقع على عاتقها، مسؤوليةٌ تجاه عائلتها، وتجاه بلدها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%