حب في الظلام الجزء الثالث
الرؤى والأشباح
بقلم سارة العمري
بعد أن تركهم زين، جلست ليلى ونور في الغرفة المخصصة لهما في المشفى، والصندوق الخشبي بينهما. لم تستطع أيّ منهما النوم. كان الصندوق يشعّ بطاقةٍ غريبة، وكأنّه ينبض بالحياة. لم يكن مصنوعًا من الخشب العادي، بل كان من نوعٍ نادرٍ من الأشجار، ذي نقوشٍ معقدةٍ، تحمل رموزًا تشبه تلك التي على قطعة القماش الخاصة بنور.
"ألا تعتقدين أنّه غريب؟" همست نور، وهي تتأمل الصندوق. "كأنّه يعرفنا."
"ربما يعرف قصتنا،" قالت ليلى، وهي تضع يدها فوقه. شعرت ببرودةٍ خفيفةٍ تنتقل من الخشب إلى يدها، ثمّ إلى قلبها. "ربما يعرف ما حدث لوالدينا."
"هل يمكن أن يكون ما قاله زين صحيحًا؟" سألت نور، وعيناها تتسعان. "هل يمكن أن يكون والدينا ما زالا على قيد الحياة؟"
"لا أعرف،" قالت ليلى بصدق. "لقد قيل لي إنهما... اختفيا. ولكنّ والديّ لم يكونا من النوع الذي يستسلم بسهولة."
"أتذكر أحيانًا،" قالت نور بصوتٍ خافت، "أشباحًا. صورًا ضبابيةً. رجلًا يحمل شيئًا لامعًا، وامرأةً تبكي. هل يمكن أن تكون هذه ذكرياتٌ من ذلك اليوم؟"
"ذكرياتٌ مؤلمة،" قالت ليلى. "لقد كنتُ صغيرةً جدًا، ولكنّني أتذكر بعض الأشياء. ضوءًا شديدًا، وصراخًا، ثمّ صمتًا."
فجأة، انبعث ضوءٌ خافتٌ من الصندوق. لم يكن ضوءًا قويًا، بل كان أشبه بوميضٍ داخلي. بدأت النقوش تتوهج، وكأنّها تفتح أبوابًا نحو عالمٍ آخر.
"انظري!" صاحت نور، وهي تشير إلى الصندوق.
اقتربت ليلى، ورأت ما رأته نور. بدأت الصور تتشكل داخل الصندوق، كأنّها شاشةٌ سحرية. صورٌ لوالديهما، وهما يعملان في مكتبٍ قديم، يحيط بهما الكتب والمخطوطات. كانا يبدوان سعيدين، ويتحدثان بحماسٍ عن اكتشافٍ ما.
"هذا والديّ!" صاحت ليلى، وعيناها تلمعان بالدموع. "وذلك... أبيكِ؟"
"نعم،" قالت نور، وهي تشعر بسعادةٍ لا توصف. "أمي وأبي. لقد كانا يبحثان عن الحقيقة."
استمرت الصور في التدفق. رأوا لحظاتٍ من البحث، ولحظاتٍ من الفرح بالاكتشاف، ولحظاتٍ من القلق. رأوا رجلًا غريبًا، بعينين شريرتين، يتحدث مع شخصٍ يرتدي قناعًا. كانا يتفاوضان على شيءٍ ما.
"من هذا الرجل؟" سألت ليلى، وهي تشعر بالخوف يتسلل إلى قلبها.
"لا أعرف،" قالت نور. "لكنّ ملامحه تبدو مألوفةً بطريقةٍ مرعبة."
شاهدتا صورةً لوالديهما وهما يضعان المخطوطات في الصندوق. ثمّ رأوا والديهما يخرجان من المكتب، يحملان الصندوق، بينما كان الرجل ذو القناع يراقبهما من بعيد.
"لقد رأوا أنهما سيحملان الصندوق،" قالت ليلى. "ولذلك... هاجموهم؟"
"ربما،" قالت نور، وهي تتذكر الأشباح التي كانت تراها. "ربما كانوا يحاولون أن يأخذوا الصندوق منهم."
فجأة، تغيرت الصور. أصبحت أكثر قتامةً، وأكثر عنفًا. رأوا والديهما وهم يتعرضون لهجوم. رأوا الرجل ذا القناع يصرخ، بينما كان الرجل الشرير يضحك. ثمّ... اختفت الصور. وعاد الصندوق إلى حالته الطبيعية، صامتًا، وباردًا.
"ماذا حدث؟" سألت نور، وهي تشعر بخيبة أملٍ مريرة.
"لا أعرف،" قالت ليلى. "لكنّ ما رأيناه... يؤكد ما قاله زين. والدينا لم يختفيا. بل تمّ خداعهما، ثمّ... ربما تمّ التخلص منهما."
شعرت نور بألمٍ حارقٍ في صدرها. فكرة أنّ والديها قد رحلا إلى الأبد، وأنّها لم تعرفهما حقًا، كانت مؤلمةً.
"ولكنّنا سننتقم لهما،" قالت ليلى، وعيناها تشتعلان بالإصرار. "سنكشف الحقيقة. وسنعيد العدل."
"ولكن كيف؟" سألت نور. "نحن مجرد فتاتين. ومن يواجهنا هو أقوى منا بكثير."
"لدينا الصندوق،" قالت ليلى. "ولدينا الرموز. ولدينا زين، الذي يبدو أنّه يعرف الكثير. لدينا ما يكفي لنبدأ."
في الخارج، كان صوت هبوب الرياح يزداد قوةً، وكأنّه يحمل همساتٍ من الماضي. شعرت ليلى ونور بأنّهما دخلتا في معركةٍ لم ت