حب في الظلام الجزء الثالث

سَكَراتُ الهَوَى وَشُعْلَةُ الأَشْواق

بقلم سارة العمري

كان الليل في مدينة الزهور، مدينةٌ لطالما ارتبطت أسماؤها بعبق الياسمين وفلّها المتسابق، قد انسدل بسكونٍ مريب. لم تكن سكوناً هادئاً يريح النفوس، بل كان سكوناً يسبق عاصفة، سكوناً يتربص بالقلوب العليلة. في شقةٍ متواضعةٍ تطل على أزقةٍ ضيقةٍ تفوح منها رائحة خبزٍ طازجٍ وذكرياتٍ عتيقة، كانت "ليلى" تجلس وحيدة. الفتاتُ التي بدت كزهرةٍ ذابلةٍ في غير أوانها، كانت عيناها الغائرتان تحكيان قصةً من السهر الممزوج بالمرارة. لم يكن سهرها هذا لطلب علمٍ أو لعملٍ شريف، بل كان سهرَ من ابتُليَ بداءٍ عضال، داءٍ استوطن الروح قبل الجسد.

تسللت خيوطُ الفجر الأولى، حاملةً معها وعداً بيومٍ جديد، لكن ليلى لم تكن ترى في هذا الوعد إلا استمراراً لليلها الطويل. كان كوبُ الشاي البارد بجانبها، والدخانُ المتصاعد من سيجارتها يحاول أن يشق طريقه إلى الخارج عبر النافذة المفتوحة، ولكنه كان ينحني خجلاً أمام ثقلِ همومها. كيف وصلت إلى هنا؟ كيف سمحت للضعف بأن يتسلل إلى حصونها؟ كانت تتذكر تلك الأيام، أيام كانت فيها "نور" رفيقتها، أيام كانت الضحكاتُ ترن في الأرجاء، وأيام كانت الأحلامُ تُنسج على بساط الأمل.

"نور"… اسمٌ كان يعني لها كل شيء. كانت الأختُ التي لم تلدها الأُم، الصديقةُ التي تشاطرها أسرارَ القلب، والملجأُ في أوقات الشدة. ولكن ماذا تبقى الآن؟ ماذا تبقى من تلك الأخوة والصداقة؟ الشكُّ بدأ يتسلل كالحية الرقطاء إلى علاقاتهما، والشائعاتُ، تلك الطيورُ السوداء، بدأت تحوم فوق سماء حياتهما.

"لا، لن أسمح بذلك." تمتمت ليلى بصوتٍ خافتٍ بالكاد يُسمع. حاولت أن تقف، لكن ساقيها ارتعدتا. كانت تعرف جيداً أن هذه السجائر، وهذا السهر، وهذا الفراغُ القاتل، هي مجرد أعراض لمرضٍ أعمق، مرضٌ يتعلق بـ"عبد الرحمن".

آه، "عبد الرحمن". اسمٌ كان يمثل لها كل شيء، ويمثل الآن نقطةَ ضعفها الأكبر. كانت علاقتهما، التي بدأت كنسيمٍ عليلٍ يداعب أغصانَ الزيتون، قد تحولت إلى إعصارٍ لا يرحم. كانت قد أحبته حباً طاهراً، حباً يليق بما شرعه الله، حباً كان يتجه نحو بيتٍ كريمٍ وحياةٍ سعيدة. ولكن، ماذا حدث؟

تذكرت تلك اللحظة. تلك اللحظة التي شعرت فيها بالغيرة تنهش قلبها، وذلك الشعورُ بالخوف من فقدان ما تحب. كان "عبد الرحمن" رجلاً نبيلاً، كريماً، محترماً. كان يبادله الحبّ باحترامٍ وتقدير. ولكنه في الوقت ذاته، كان محبوباً. محبوبٌ من الجميع، وهذا ما أثار قلقها. الخوفُ من أن يجد في أخرى ما لم يجده في، أو ما هو أكثر.

"لماذا؟ لماذا أصبحتُ هكذا؟" سألت نفسها، وعيناها تحدقان في انعكاس صورتها الباهتة في زجاج النافذة. كانت ترى فيها فتاةً لم تعد تعرفها. فتاةً استسلمت للضعف، وأذعنت للشهوات الخبيثة.

في الجهة الأخرى من المدينة، في قصرٍ فخمٍ ينم عن ثراءٍ فاحش، كان "خالد" يضعُ خطتهُ بدمٍ بارد. كانت عيناهُ، اللتان تحملان لمعةً شيطانية، تتجولان على الورق أمامها. خطةٌ مدروسةٌ بعناية، خيوطُها تتشابكُ في حياةِ "عبد الرحمن" و"ليلى". كان "خالد" رجلاً لا يعرف الرحمة، هدفهُ الوحيد هو تحقيقُ مآربه، حتى لو كان الثمنُ هو دمارُ الآخرين.

كان يعرف أن "ليلى" هي نقطةُ ضعفِ "عبد الرحمن". كان يعرف أن حبها لهُ عميقٌ وجارف. ولهذا، قرر أن يستخدم هذه الحبّ كسلاحٍ ضده. كانت لديه معلوماتٌ، معلوماتٌ سريةٌ وحساسةٌ عن "ليلى"، معلوماتٌ يمكن أن تدمر سمعتها، وتهزُّ أركانَ علاقتها بـ"عبد الرحمن".

"كل شيءٍ يسيرُ كما هو مخططٌ له." همس لنفسه، وابتسامةٌ ماكرةٌ ارتسمت على شفتيه. كان يشعرُ بانتصارٍ مبكرٍ، انتصارٍ مبنيٍّ على خبثٍ ودهاء. كان يعرف أن "ليلى" تعاني من مشكلة، مشكلةٌ تتزايدُ يوماً بعد يوم. ومشكلتها هذه، هي ما سيعطي "خالد" الفرصةَ الذهبيةَ التي ينتظرها.

بالعودة إلى "ليلى"، شعرتْ ببردٍ مفاجئٍ يتسللُ إلى عظامها. لم يكن البردُ برداً مادياً، بل كان برداً نفسياً، برداً نتج عن شعورٍ عميقٍ بالذنبِ والعجز. حاولتْ أن تتذكرَ وجوهَ والديها، وجهَ "نور" الصادق، ووجهَ "عبد الرحمن" المحبّ. هذه الوجوهُ كانت تلتزمُ الصمتَ، وكأنها تلومها على ما آلت إليه.

"يجبُ أن أتوقف." قالتْ لنفسها بصوتٍ أقوى هذه المرة. كان صوتُ إرادةٍ تتصارعُ مع ضعفٍ مستشرٍ. كانت تعرف أن الطريقَ إلى التوقفِ ليس سهلاً، وأنها ستواجهُ معركةً شرسةً مع نفسها. ولكن، هل كانت مستعدةً لهذه المعركة؟ هل كانت لديها القوةُ الكافيةُ لمواجهةِ هذا الإدمانِ الذي يلتهمُ حياتها؟

في هذه اللحظة، رنَّ هاتفها. ترددتْ في الإجابة. لم تكن ترغبُ في التحدثِ إلى أحد. ولكن، هل كان من الممكن أن يكون المتصلُ هو "عبد الرحمن"؟ هل كان يشعرُ بما تشعرُ به؟ أم أنَّ الأمرَ هو مجردُ تخيلاتٍ ينسجها عقلُها المتعب؟

رفعتُ الهاتفَ ببطء، وقلبها يدقُّ بعنفٍ كطبلٍ في ميدانِ معركة. "ألو؟" كان صوتها مرتجفاً.

"ليلى؟" جاء الصوتُ الآخر، صوتٌ مألوفٌ جداً، صوتٌ كان يبعثُ في قلبها الأمانَ والراحة. إنهُ "عبد الرحمن".

"عبد الرحمن؟" تكررَتْ الكلمةُ كصدىً في فراغِ غرفتها. "كيف حالك؟"

"بخيرٍ، الحمد لله. ولكن، لماذا يبدو صوتكِ متعباً؟ هل أنتِ بخير؟" سألَ بقلقٍ واضح.

صمتتْ ليلى للحظة. هل تقولُ لهُ الحقيقة؟ هل تشاركهُ ما تعاني منه؟ أم أنها ستستمرُ في إخفاءِ الأمر، وتزيدُ من ثقلِ همومها؟ كانت تعرفُ أنَّ الصمتَ لن يفيدها. وأنَّ مواجهةَ الحقيقةِ، مهما كانت مؤلمة، هي الخطوةُ الأولى نحو الشفاء.

"عبد الرحمن،" بدأتْ بصوتٍ أشدَّ ثباتاً، "هناك شيءٌ أريدُ أن أتحدثَ إليك فيه."

لم تسمعْ رداً فورياً. ثم، جاء صوتهُ، هادئاً وصبوراً: "تفضلي يا ليلى. أنا أسمعك."

شعرتْ ليلى بأنَّ شعاعاً صغيراً من الأملِ قد تسللَ إلى داخلها. ربما، ربما لم يكن كلُّ شيءٍ قد ضاع. ربما، لا يزالُ هناك متنفسٌ، متنفسٌ من هذا الظلامِ الذي استوطنَ روحها. لكن، أمامها طريقٌ طويلٌ وشاق، طريقٌ يتطلبُ منها شجاعةً وإصراراً لم تعتدْ عليهما.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%