حب في الظلام الجزء الثالث

خُيُوطُ الشَّكِّ وَلُغْزُ المَاضِي

بقلم سارة العمري

كانت كلماتُ "ليلى" معلّقةً في الهواء، تنتظرُ رداً من "عبد الرحمن". لم يكن الصمتُ صمتاً سهلاً، بل كان صمتاً مليئاً بالترقبِ والأسئلة. في الطرف الآخر من الخط، كان "عبد الرحمن" يستمعُ بانتباهٍ، يستشعرُ ثقلَ الكلماتِ التي لم تُقال بعد. كان يعرفُ أنَّ "ليلى" ليستْ مجردَ فتاةٍ عادية، وأنَّ ما تشعرُ بهِ من قلقٍ غالباً ما يكونُ لهُ أساس.

"أنا أستمعُ يا ليلى،" قالَ "عبد الرحمن" بصوتهِ الهادئِ الذي اعتادتْ أن تشعرَ فيهِ بالأمان. "قولي ما في قلبكِ. أنتِ تعرفينَ أنني هنا من أجلكِ."

شعرتْ "ليلى" ببعضِ الراحة، لكنَّ المشاعرَ المتضاربةَ لم تفارقها. الخجلُ، الخوفُ، والرغبةُ في الانفتاحِ كانت تتصارعُ بداخلها. "عبد الرحمن،" بدأتْ، "لقد… لقد بدأتُ أشعرُ ببعضِ الأشياءِ الغريبةِ مؤخراً."

"ما هي هذه الأشياء؟" سألَ "عبد الرحمن" بلطف.

"إنها… إنها تتعلقُ بي، وبـ… وبـ… طريقةِ تفكيري." تلعثمتْ "ليلى"، وشعرتْ بأنَّ الكلماتِ تنسلُ منها بصعوبة. "أشعرُ بفراغٍ كبيرٍ، وبـ… بـ… رغباتٍ لم أكن أعرفُها من قبل."

كان "عبد الرحمن" يستمعُ دونَ مقاطعة، يحاولُ فهمَ ما تعنيهِ "ليلى". "رغباتٍ؟" كرَّرَ السؤالَ بهدوء، "هل يمكنكِ أن توضحي لي أكثر؟"

"إنها… إنها متعلقةٌ بـ… بالشعورِ بالأمانِ، وبالـ… بالـ… بالحصولِ على شيءٍ يجعلني أشعرُ بالرضا، حتى لو كانَ هذا الشيءُ مؤقتاً." ثم، وبجرأةٍ أكبر، أضافتْ: "لقد… لقد بدأتُ أدخنُ، يا عبد الرحمن. وبشكلٍ كبيرٍ."

توقفَ "عبد الرحمن" للحظة. لم يكن يتوقعُ هذا. كان يعرفُ أن "ليلى" نقيةٌ، وأنها بعيدةٌ عن مثلِ هذهِ العادات. "تدخنين؟" قالَ بتعجبٍ ممزوجٍ بالحزن. "ولماذا؟"

"لا أعرفُ السببَ الحقيقي،" قالتْ "ليلى" بصوتٍ مكسور. "ولكن، أشعرُ وكأنني أهربُ من شيءٍ ما. من قلقٍ، من خوفٍ. وكأنني أحاولُ أن أملأَ فراغاً داخلياً. الأمرُ أصبحَ عادةً، وأخشى أن يتحولَ إلى إدمان."

كان "عبد الرحمن" يتألمُ لسماعِ هذا. كان يحبُ "ليلى" حباً جماً، وكان يرى فيها المستقبلَ المشرقَ له. "ليلى،" قالَ بحزمٍ، "هذا ليسَ جيداً أبداً. هل تحدثَ شيءٌ ما جعلكِ تشعرينَ بهذا؟ هل هناكَ ضغطٌ معينٌ؟"

"لا أعرفُ بالضبط،" أجابتْ، "ربما يكونُ كلُّ شيءٍ مجتمِعاً. ضغوطُ الحياة، و… وبعضُ الأفكارِ التي تراودني." تلعثمتْ قليلاً، ثم أضافتْ بترددٍ: "أنا… أنا أغارُ عليكَ كثيراً يا عبد الرحمن. وأشعرُ أحياناً بأنني… بأنني لستُ كافية."

أدركَ "عبد الرحمن" حينها حجمَ المشكلة. لم تكن مجردَ عادةٍ سيئة، بل كانت هناكَ مشاعرُ عميقةٌ ومعقدةٌ تتصارعُ في داخلِ "ليلى". "ليلى،" قالَ بصوتٍ دافئٍ وصادق، "يا حبيبتي، أنتِ كلُّ ما أريد. أنتِ كافيةٌ وزيادة. لا تسمحي لهذهِ الأفكارِ بأن تتسللَ إلى عقلك. أنتِ قويةٌ، وأنا أثقُ بكِ."

"لكنني أشعرُ بالضعفِ الشديدِ أحياناً،" تمتمتْ.

"لهذا أنا هنا،" أجابَ "عبد الرحمن". "حتى نتجاوزَ هذهِ الصعوباتِ معاً. لا بأسَ أن نشعرَ بالضعفِ أحياناً، المهمُّ هو أن نتمسكَ ببعضنا البعض. متى يمكنكِ أن ألتقي بكِ؟ أريدُ أن أراكِ، وأن نتحدثَ وجهاً لوجه."

"غداً؟" قالتْ "ليلى" على الفور. "يمكنني أن آتي إلى بيتِ أهلي غداً."

"حسناً، سأكونُ هناك. أتمنى أن يكونَ كلُّ شيءٍ بخير."

بعدَ إنهاءِ المكالمة، شعرتْ "ليلى" بخليطٍ من الراحةِ والقلق. الحديثُ مع "عبد الرحمن" قد خففَ من حدةِ مشاعرها، ولكنهُ أيضاً أظهرَ لها مدى خطورةِ الوضع. كانت تعرفُ أنَّ الاعترافَ هو الخطوةُ الأولى، ولكنَّ المعركةَ الحقيقيةَ لم تبدأ بعد.

في هذهِ الأثناء، كان "خالد" يتلقى تقريراً مفصلاً عن محادثةِ "ليلى" مع "عبد الرحمن". كان لديهِ عملاءُ في كلِّ مكان، يتجسسونَ على المكالماتِ، ويراقبونَ التحركات. "ممتاز،" قالَ "خالد" بابتسامةٍ جليدية. "بدأتْ الخيوطُ تتشابكُ. الضعفُ يأتي من الداخل. والآن، حانَ وقتُ استغلالِ هذهِ النقطة."

كان "خالد" قد بدأَ في تنفيذِ خطتهِ قبلَ فترة. كان يرسلُ رسائلَ مجهولةَ المصدرِ إلى "ليلى"، رسائلَ تحتوي على معلوماتٍ مشوهةٍ عن "عبد الرحمن"، وعن اهتماماتِهِ، وعن نساءٍ أخريات. لم يكن الأمرُ يتعلقُ بمجردِ إثارةِ الغيرة، بل كان يتعلقُ بزرعِ بذورِ الشكِّ العميقِ في نفسِ "ليلى"، وتغذيةِ مخاوفها من عدمِ الكفاية.

"إنهم يحبونَكِ، ولكنهم لا يفهمونَكِ حقاً،" كانتْ هذهِ بعضُ العباراتِ التي ترددتْ في الرسائل. "هل أنتِ متأكدةٌ من وفائه؟ هل هو حقاً الشخصُ الذي يتظاهرُ به؟"

كانت هذهِ الرسائلُ، بالإضافةِ إلى ضغوطِ الحياةِ اليومية، قد بدأتْ تؤثرُ على "ليلى". شعرتْ بأنها وحيدةٌ في صراعها، وأنَّ لا أحدَ يفهمُها حقاً. وهذا ما جعلها تلجأُ إلى تلكَ العادةِ السيئة.

في يومِ اللقاء، وصلتْ "ليلى" إلى بيتِ أهليها مبكراً. كانتْ ترتدي ملابسَ محتشمةً، ولكنَّ القلقَ كانَ بادياً على وجهها. كانتْ تنتظرُ "عبد الرحمن" بفارغِ الصبر. عندما دخلَ، شعرتْ بأنَّ قلبها يهدأُ قليلاً. كانَ حضورهُ كالنورِ في الظلام.

"مرحباً يا حبيبتي،" قالَ "عبد الرحمن" بابتسامةٍ دافئة. "كيف حالكِ اليوم؟"

"الحمد لله. وأنتَ؟" أجابتْ.

"بخيرٍ ما دمتُ أراكِ." ثم، وبدونِ مقدماتٍ كثيرة، سألها: "هل أنتِ مستعدةٌ للتحدثِ حقاً؟"

أومأتْ "ليلى" برأسها. "نعم. أنا مستعدةٌ. ولكن، ربما نحتاجُ مكاناً هادئاً أكثر."

"ما رأيكِ في الجلوسِ في الحديقةِ الخلفية؟" اقترحَ "عبد الرحمن". "سيكونُ المكانُ منعزلاً وهادئاً."

وافقَتْ "ليلى"، وتوجها إلى الحديقة. جلسا تحتَ شجرةِ زيتونٍ قديمة، نسائمُ العصرِ اللطيفةُ تداعبُ وجوههما. بدأَ "عبد الرحمن" بالحديثِ عن يومهِ، ثمَّ سألها عن يومها. كانتْ "ليلى" تردُّ بإجاباتٍ مقتضبة، غيرَ قادرةٍ على البوحِ بكلِ شيءٍ مرةً واحدة.

"ليلى،" قالَ "عبد الرحمن" بعدَ صمتٍ قصير، "لا تستطيعي أن تخفي عني شيئاً. أعرفُ أنَّ هناكَ ما يزعجكِ. هل يتعلقُ الأمرُ بالرسائلِ التي تصلكِ؟"

اتسعتْ عينا "ليلى" بصدمة. "كيف عرفتَ؟"

"أنا أعرفُ أنكِ لستِ من النوعِ الذي يقلقُ لأتفهِ الأسباب. هناكَ من يحاولُ إثارةَ الفتنةِ بيننا. هل هذهِ الرسائلُ هي سببُ قلقكِ؟"

بدأتْ "ليلى" في سردِ كلِ شيء. الرسائلُ، الشكوكُ التي تزرعها، والمشاعرُ المتضاربةُ التي بدأتْ تتملكها. كانَ "عبد الرحمن" يستمعُ باهتمامٍ بالغ، وعيناهُ تلمعانِ بالغضبِ الخفي.

"من يفعلُ هذا؟" سألَ "عبد الرحمن" بلهجةٍ قاسية. "من يحاولُ تدميرَ سعادتنا؟"

"لا أعرفُ. الرسائلُ تأتي من رقمٍ مجهول. ولكن، أشعرُ بأنَّ هناكَ من يراقبني."

"هذا مستحيلٌ. من المستحيلِ أن يسمحَ أحدٌ بهذا." قالَ "عبد الرحمن" وهو يفكرُ ملياً. كانَ يعلمُ أنَّ "خالد" يكرههُ بشدة، وكانَ يتوقعُ منهُ أيَّ شيء.

"عبد الرحمن،" قالتْ "ليلى" بخوف، "هل… هل يمكنُ أن يكونَ هذا من فعلِ "خالد"؟"

نظرَ إليها "عبد الرحمن" مطولاً. كانَ الاحتمالُ وارداً. "خالدٌ عدوٌّ لدود،" قالَ، "وهو مستعدٌ لفعلِ أيِّ شيءٍ لتحقيقِ أهدافه. ولكن، لم أكن أتوقعُ منهُ أن يلجأَ إلى هذا المستوى من الدناءة."

"وماذا سنفعل؟" سألتْ "ليلى" بقلق.

"سنواجهُ هذا معاً. لن نسمحَ لأحدٍ بتدميرِ ما بنيناه. أولاً، يجبُ أن نتأكدَ من هو الفاعل. ثانياً، يجبُ أن تقفي بقوةٍ في وجهِ هذهِ المحاولات. لا تدعي الشكَّ يدخلُ إلى قلبكِ. أنتِ تعلمينَ كم أحبكِ، وكم أقدركِ."

في تلكَ اللحظة، أدركتْ "ليلى" أنَّ حبَّ "عبد الرحمن" هو أقوى سلاحٍ لديها. كانَ هو الدعامةَ التي تحتاجها لتجاوزِ هذهِ المحنة. ولكن، هل كانتْ قادرةً على الثقةِ الكاملةِ بهِ، وعدمِ السماحِ للشكِّ بالتسللِ إلى روحها؟ الأيامُ القادمةُ ستحملُ إجاباتٍ، ولكنَّ المعركةَ بدأتْ للتو.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%