الفصل 1 / 25

حبيبي الأبدي

همسةٌ في محرابِ الروح

بقلم فاطمة النجار

كانت القبلةُ الأولى لِشروقِ الشمسِ تَتسللُ عبرَ نَوافذِ القصرِ العتيقِ، تُعانقُ أعمدةَ الرخامِ وتُلقي بظلالٍ ذهبيةٍ راقصةٍ على سجادٍ فارسيٍّ نَسَجَتْه الأيادي الماهرةُ على مدارِ قرون. في غُرفتها الوَسيحةِ، حيثُ تَفوحُ رائحةُ الوردِ البلديِّ الممزوجةُ بعِطرِ البخورِ الشرقيِّ الفاخر، كانت "نور" تستيقظُ على أنغامِ صوتِ مؤذنٍ شجيٍّ يُرددُ آياتٍ من الذكرِ الحكيم. لم تكنْ صحوتُها مجردَ انتقالٍ من سباتٍ إلى يقظة، بل كانتْ رحلةً روحيةً عميقة، بدايةً ليومٍ آخرَ من حياتِها التي صاغتها تقاليدُ الأجدادِ وقيمُ الدينِ الحنيف.

جلستْ على حافةِ السريرِ، وسَحبتْ طِرحتَها الحريريةَ السوداءَ لِتُغطي بها كتفيها. بدتْ كأنها زهرةٌ نادرةٌ تفتحتْ في حديقةٍ غنّاء، عيناها الواسعتانِ بلونِ العسلِ تُخفيانِ بريقَ الذكاءِ والعاطفةِ، وشعرُها الداكنُ الطويلُ ينسابُ كشلالٍ على ظهرِها. كانتْ "نور" فتاةً من سلالةٍ عريقةٍ، ابنةَ شيخٍ جليلٍ يُسيطرُ على تجارةِ اللؤلؤِ في الخليجِ، وتُحيطُ بها هيبةٌ وقارٌ يمنحانِها حضوراً مُميزاً.

انتهتْ من صلاتِها، وشعرتْ بسكينةٍ تغمرُ قلبَها. نظرتْ إلى لوحةٍ قديمةٍ مُعلقةٍ على الحائط، تُصوّرُ شراعَ سفينةٍ تبحرُ في بحرٍ هائجٍ، كأنها ترمزُ إلى تيارِ الحياةِ الجارفِ الذي يتطلبُ إبحاراً حذراً. ثمّ فتحتْ درجَ مكتبِها العتيقِ، وناولتْ منها كتاباً مُجلداً بالجلدِ، عنوانُه "رياضُ الصالحين". لم يكنْ قراءتُه مجردَ هواية، بل كانَ دستورَ حياةٍ، مَنارةً تُضيءُ دروبَها في عالمٍ تتلاطمُ فيه أمواجُ الفتن.

في هذا الصباحِ تحديداً، كانَ قلبُها ينبضُ بقلقٍ غريب. اليومَ هو اليومُ الموعود، اليومُ الذي سيُعلنُ فيه والدُها خطبتَها رسمياً. خطبتُها من "سالم"، الشابُ الوسيمُ الذي لم ترهُ إلا في صورٍ قليلةٍ، أو في مناسباتٍ عائليةٍ عابرة، حيثُ كانَ دوماً مُحاطاً بحشدٍ من الرجالِ والنساء، يبتسمُ ابتسامةً واثقةً، وتُحيطُ به هالةٌ من الغموضِ والقوة. والدُها، "الشيخُ عبد العزيز"، أرادَ لهذهِ الخطبةِ أنْ تكونَ تحالفاً قوياً بينَ عائلتينِ كبيرتين، زواجاً يُعززُ من مكانتِهما ويُرسخُ من نفوذهما.

تنهدتْ "نور" بعمق. لم تكنْ ضدَّ فكرةِ الزواجِ، بل كانتْ تراهُ نصفَ الدينِ، وركيزةَ المجتمعِ، وسكينةَ النفسِ. لكنّها كانتْ تتمنى أنْ يكونَ هذا الزواجُ عن قناعةٍ واختيار، عن حبٍّ صادقٍ ينبعُ من القلبِ، لا عن مجردِ واجبٍ عائليٍّ أو صفقةٍ تجاريةٍ مُغلفةٍ برداءِ الزواج. لطالما حلمتْ بزوجٍ يكونُ لها سنداً، شريكاً في رحلةِ الحياةِ، رفيقَ دربٍ يسيرُ معها على نفسِ الطريقِ، يُعينُها على طاعةِ اللهِ، ويُذكرُها بهِ عندَ الغفلة.

ارتدتْ ثوبَها الأنيقَ، بلونِ الياقوتِ الأحمرِ، مطرزٌ بخيوطٍ ذهبيةٍ تُحاكي النجوم. تأكدتْ من أنَّ كلَّ شيءٍ في المكانِ يليقُ بلياقةِ هذهِ المناسبةِ الهامة. فقدْ جُهزتْ صالةُ الاستقبالِ الكبرى، بزخارفَ شرقيةٍ فاخرة، وزهورٍ طبيعيةٍ تُزينُ كلَّ زاوية. كانتْ أصواتُ الخدمِ تتصاعدُ خافتةً من الخارج، وهم يُرتبونَ ضيافةَ الضيوفِ القادمين.

فجأةً، سُمعَ صوتٌ رقيقٌ يناديها من خارجِ الباب: "نور... هل أنتِ مستيقظةٌ يا حبيبتي؟". كانتْ والدتُها، "السيدةُ فاطمة"، امرأةٌ شديدةُ الجمالِ، تتسمُ بحكمتِها ورزانتِها، وتُشكلُ الملجأَ الأمينَ لابنتِها. "نعم يا أمي، أنا قادمةٌ"، أجابتْ "نور"، وصوتُها يحملُ بعضَ التوترِ المكتوم.

دخلتْ السيدةُ فاطمةُ الغرفة، وعيناها تلمعانِ بحنانٍ ورِفق. اقتربتْ من ابنتِها، وقبّلتْ جبينَها. "صباحُ الخيرِ يا ابنتي. أتمنى أنْ يكونَ صباحُكِ سعيداً. اليومُ يومٌ مهمٌ لنا جميعاً." "صباحُ النورِ يا أمي. نعم، أشعرُ بذلك." "لا تقلقي يا نور. والدُكِ اختارَ لكِ الأفضل. عائلةُ آلِ راشدٍ عائلةٌ كريمةٌ، وسالمٌ شابٌّ صالحٌ، سمعتُ عنه الكثيرَ من الثناء. إنهُ رجلٌ قويٌّ، ذو أخلاقٍ رفيعة."

حاولتْ "نور" أنْ تبدوَ هادئةً، لكنَّ قلقَها كانَ يتزايد. "لكنني لم أتعرفْ عليهِ جيداً يا أمي. ماذا لو لم نتفق؟ ماذا لو كانَ بيننا اختلافٌ كبيرٌ في وجهاتِ النظر؟" ابتسمتْ السيدةُ فاطمةُ بحنانٍ. "الحبُّ يأتي بعدَ الزواجِ يا ابنتي. الأهمُّ هو الاحترامُ المتبادلُ، والتقديرُ، والرغبةُ في بناءِ حياةٍ سعيدةٍ معاً. الأيامُ ستُثبتُ لكِ أنَّ اختيارَ والدِكِ كانَ صائباً." أمسكتْ السيدةُ فاطمةُ بيدِ ابنتِها. "تعالي، لنستقبلَ ضيوفَنا. تذكري، ابتسامتُكِ هي مفتاحُ قلبِ كلِّ أحد. كوني على طبيعتِكِ، ودعي قلبَكِ يتحدثُ عن نفسِه."

تبعتْ "نور" والدتَها إلى الصالةِ الكبرى. كانتْ الأجواءُ مُفعمةً بالبهجةِ والحفاوة. استقبلَها والدُها بابتسامةٍ دافئة، وهنأها على قربِ هذا الحدثِ السعيد. رأتْ وجوهاً مألوفةً، وأخرى غريبة، لكنَّ كلَّ العيونِ كانتْ تتجهُ نحوها، تحملُ في طياتِها فضولاً وترقباً.

كانتْ تنتظرُ رؤيةَ "سالم". كلُّ ما تعرفُهُ عنهُ هو صورتُه، وصورةٌ أخرى في خيالِها ترسمُها أحلامُها. هل سيكونُ قاسياً أم حنوناً؟ هل سيُقدّرُ روحَها المتطلعةَ إلى معنى أعمقَ من مجردِ مظاهر؟ هل ستجدُ فيهِ الأمانَ الذي تتوقُ إليه؟ وفجأةً، تلاشتْ كلُّ الأفكارِ وهي ترى شاباً يدخلُ القاعة. شابٌّ طويلُ القامة، ذو قامةٍ مهيبة، يرتدي ثوباً أبيضَ ناصعاً، ويعتمرُ غُترةً سوداءَ أنيقة. وجهُه منحوتٌ ببراعة، فيهِ سماتٌ عربيةٌ أصيلة، عينانِ داكنتانِ واسعتانِ تُشعُّ فيهما ذكاءٌ حادٌّ، وفمٌ يُعبّرُ عن ثقةٍ ورزانة. كانَ "سالم".

عندما التقَتْ عيناهُ بعينيها، شعرتْ "نور" بنبضٍ مفاجئٍ في قلبِها. لم يكنْ ذلكَ مجردَ لقاءٍ عادي، بل كانَ كأنَّ هناكَ شرارةً خفيةً اندلعتْ بينهما. ابتسمَ "سالم" ابتسامةً بسيطةً، لكنها لامستْ شيئاً عميقاً في روحِ "نور". هل هذهِ هي البدايةُ؟ هل هذهِ الهمسةُ الأولى في محرابِ الروحِ ستُصبحُ لحناً خالداً؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%