حبيبي الأبدي
همسات في رياض الياسمين
بقلم فاطمة النجار
كانت نسمات مساءٍ عليلةٌ تتسلل بخفةٍ عبر شبابيك غرفةِ لجين، حاملةً معها عبير الياسمين الذي تفوح رائحتهُ من رياض منزلهم الفسيح. جلست لجين قرب النافذة، كتابٌ مفتوحٌ على حجرها، ولكن عيناها كانت معلّقةً بسماءٍ بدأت ترسمُ عليها نجومُها الأولى لوحاتٍ فضية. لم يكن في قلبها هدوءٌ يدفعها للقراءة؛ فحديثُ أحمد بالأمس، والذي نسجَ بين دروبِ المحادثةِ أمالاً بلقاءٍ قريبٍ في بيتِ عمها، كان قد أحدثَ زلزالاً خفيفاً لكنه عميقٌ في حنايا روحها.
تذكرت كلماته، تلك النبرةُ التي خالطت الجديةَ بالرقة، والوعدُ الذي لم تُفصح عنه الكلماتُ بصراحةٍ تامة، ولكنه كان كامناً في كل حرفٍ نطق به. "إن أردتِ ذلك، فسأطلبُ من أبي أن يتقدمَ لعمكِ قريباً، بعد أن نتأكدَ من إتمامِ كل شيءٍ على ما يرام." كلمة "نتأكد" تلك، كانت المفتاح الذي فتحَ أبواباً للتساؤلاتِ والتخيلات. ماذا يعني "نتأكد"؟ هل هناك ما يعترضُ طريقهم؟ أم أنها مجردُ عبارةٌ دبلوماسيةٌ تهدفُ إلى طمأنتها؟
ارتشفَتْ جرعةً من الشاي الذي بردَ قليلاً في فنجانها، تتأملُ الظلالَ التي ترقصُ على جدرانِ الغرفة. كانت قد رأت في عينيهِ شيئاً لم ترهُ من قبل؛ بريقُ مسؤوليةٍ وحرصٍ، يختلطانِ بصدقٍ عميقٍ لشابٍ يقفُ على أعتابِ مرحلةٍ جديدة. لم يكن أحمدٌ مجردَ شابٍ غنيٍّ يتقنُ فنون المعاملاتِ التجارية، بل كان رجلاً يعي قيمةَ ما يسعى إليه.
في الطرف الآخر من المدينة، في مكتبهِ الفخم الذي تطلُ نوافذهُ على أضواءٍ لا تنتهي، كان والدُ أحمد، السيدُ فؤاد، يقلّبُ أوراقاً لا علاقةَ لها بسوقِ الأسهمِ أو صفقاتِ العقارات. كانت الأوراقُ عبارةً عن تقاريرَ طبيةٍ واستشاراتٍ قانونيةٍ تتعلقُ بوضعهِ الصحي. منذُ فترةٍ، كان يشعرُ بتعبٍ غريبٍ لا يفارقُه، وشحوبٌ في وجهه لا يعكسُ صحتهُ المعهودة. الأطباءُ كانوا يتحدثون بلغةٍ متشابكةٍ من المصطلحات، ولكن الخلاصةُ كانت واحدة: حالةٌ تتطلبُ متابعةً دقيقةً وعلاجاً قد يكونُ طويلاً.
كان خبرُ زواجِ ابنهِ من لجين يقلقُه أكثرَ مما يسعدُه. لم يكن قلقهُ متعلقاً بلجين نفسها؛ فالفتاةُ قد أثبتتْ بأخلاقها وتربيتها أنها جوهرةٌ نادرة. قلقهُ كان ينبعُ من ظروفٍ أخرى. كان يخشى أن يُثقلَ كاهلَ ابنهِ بهذه المسؤوليةِ الجديدة، خاصةً وأن مصيرَهُ الصحي باتَ غيرَ مؤكد. كان يودُ لو أن أحمدَ يكملُ مشوارهُ المهني والعائلي دونَ عبءٍ إضافي، لكن قلبهُ الأبوي كان يرى في زواجِ أحمدَ من لجينَ سعادةً عارمةً لابنهِ، سعادةً يتمناها لهُ بصدق.
في منزلِ السيدِ خالد، عم لجين، كانت الأجواءُ مختلفةً تماماً. كانت والدةُ أحمد، السيدةُ فاطمة، تزورُهم بدعوةٍ من السيدِ خالد. كانت الزيارةُ في ظاهرها وديةٌ واجتماعية، ولكنها كانت تحملُ في طياتها أبعاداً أكثرَ عمقاً. كانت السيدةُ فاطمةُ قد سمعتْ من السيدِ فؤاد عن نيتهِ في التقدمِ لخطبةِ لجين لابنهِ، وأرادتْ أن تتلمسَ الأجواءَ بنفسها، وأن تتأكدَ من مدى استعدادِ عائلةِ لجين.
"ما شاء الله، هذهِ الدارُ عامرةٌ بالخيرِ دائماً يا أم أحمد"، قالت السيدةُ فاطمةُ وهي تنظرُ حولها في صالةِ الجلوسِ الواسعة، والتي زينتها قطعٌ فنيةٌ أصيلةٌ ومفروشاتٌ فاخرة. "بوجودِكم دائماً يا غالية"، ردت السيدةُ أمين، والدةُ لجين، بابتسامةٍ هادئة. "جلوسُكم هذا يزيدُ الدارَ نوراً وبركة."
كانت لجين قد خرجتْ من غرفتها، مرتديّةً حجاباً بسيطاً زادَ من جمالِ وجهها، وسارعتْ لاستقبالِ ضيفتهما. احتضنتْ السيدةُ فاطمةُ لجين بحنانٍ أبوي، تتأملُها بعينينِ تقدّرانِ جمالَ الروحِ والجسد. "يا ابنتي، كيف حالكِ؟ لم أركِ منذُ فترة." "الحمد لله بخيرٍ يا خالتي، وأنتِ؟" "بخيرٍ ما دامَ اللهُ رحيمٌ، وها أنا أرى وجهكِ السعيدَ فيزدادُ بخيري."
دارَ الحديثُ بينهن، وتسللتْ كلماتُ السيدةِ فاطمةِ رويداً رويداً نحو الموضوعِ الذي جاءتْ من أجله. "أحمدٌ كثيراً ما يذكرُكِ يا لجين، ويحمدُ اللهَ على معرفتكِ." احمرّ وجهُ لجين خجلاً، وشعرتْ بنظراتِ والدتها ترقبُها بذكاء. "هو شابٌ طيبٌ وخلوق، وأحمدُ اللهَ أنني عرفتُه"، قالت لجين بصوتٍ خفيض.
"نعم، هو كذلك. وفي هذهِ الأيام، يفكرُ هو ووالدهُ في أمرٍ مهمٍ يتعلقُ بمستقبلِهِ. ووالدهُ، السيدُ فؤاد، يريدُ أن يتحدثَ مع والدكِ ومعكِ، ليطلبَ يدكِ لابنهِ." صمتتْ السيدةُ أمين للحظة، تتظاهرُ بالتفكير. ثم قالت: "هذا خبرٌ يسعدنا جداً يا أم أحمد. أحمدٌ شابٌ نتمناهُ لكل بيتٍ مسلم. ولكن، كما تعلمين، الأمرُ يتطلبُ مشورةَ والدكِ، السيدِ خالد، وأن نأخذَ وقتنا في التفكيرِ والتفاوض."
كانت لجين في الداخلِ تغلي بالعواطف. سمعتْ ما سمعتْ، وشعرتْ بنبضاتِ قلبها تتسارع. كانت هذهِ هي اللحظةُ التي طالما حلمتْ بها، ولكن مجيئها بهذهِ الطريقةِ المفاجئةِ أربكها قليلاً. كانت تودُ لو أن لأحمدَ رأياً مباشراً في هذهِ المحادثة، بدلاً من أن تأتيَ والدتُه نيابةً عنه.
"بالتأكيد، لا شك في ذلك"، قالت السيدةُ فاطمةُ مبتسمة. "نحنُ نحترمُ رأيَ السيدِ خالد، ونحنُ على يقينٍ بأنهُ لن يرفضَ طلباً كهذا. وأنا شخصياً، أرى فيكِ الزوجةَ المثاليةَ لأحمد." كلماتُ السيدةِ فاطمةِ كانت كبلسمٍ على روحِ لجين، وكتأكيدٍ على ما كانتْ تأمله.
عندما غادرتْ السيدةُ فاطمة، نظرتْ السيدةُ أمين إلى ابنتها. "ما رأيكِ يا ابنتي؟" "أنا… أنا موافقةٌ يا أمي، إن كانَ أبي موافقاً." "قلبي يخبرني أن أباكِ سيرحبُ بالخبر. أحمدٌ شابٌ لا يُعلى عليه، وأخلاقهُ أصلٌ ثابتٌ لا يتزعزع."
في تلكَ الليلة، وبينما كانتْ النجومُ تزدادُ تألقاً في السماء، كانت لجينُ تشعرُ بأنها تقفُ على أعتابِ عالمٍ جديد. عالمٍ تشرقُ فيهِ شمسُ الحبِّ الحلال، وتتفتحُ فيهِ أزهارُ السعادةِ تحتَ سقفِ بيتِ الزوجية. ولكن، في زوايا ذلكَ العالمِ الجديد، كانتْ هناكَ همساتٌ خافتةٌ تحملُ معها بعضَ الغموض، بعضَ الأسئلةِ التي تنتظرُ إجاباتٍ شافية. كان حديثُ أحمد عن "التأكد" لا يزالُ يترددُ في أذنها، وبوادرُ قلقٍ غامضةٍ بدأتْ تتسللُ إلى ركنٍ من أركانِ قلبها، لم تكنْ تعلمُ مصدرها بعد.