الفصل 14 / 25

حبيبي الأبدي

أشباح الماضي ووعود المستقبل

بقلم فاطمة النجار

عادتْ روحُ الماضي لتُلقي بظلالها على حاضرِ الأبطال، ففي بيتِ السيدِ خالد، لم يكنْ قرارُ الخطبةِ مجردَ مسألةِ قبولٍ ورفض. كان السيدُ خالد، الأبُ الحكيمُ والمسؤول، يدركُ تماماً ثقلَ هذهِ الخطوة. كان يعلمُ أن زواجَ ابنتهِ ليسَ مجردَ ارتباطٍ روحيٍّ وعاطفيٍّ، بل هوَ اندماجُ أسرتين، وتأسيسُ بيتٍ جديدٍ يقومُ على مبادئَ وقيمٍ راسخة.

بعدَ مغادرةِ السيدةِ فاطمة، استدعى السيدُ خالد زوجتهُ السيدةَ أمين لمجلسِهما الخاص. كانتْ عيناهُ تبحثانِ عن تفاصيلَ أكثرَ مما سمعتْ. "ما هيَ التفاصيلُ الدقيقةُ لما دارَ بينكِ وبينَ أم أحمد؟" سألَ السيدُ خالد بصوتهِ الهادئِ الذي لا يخلو منَ الوقار. "تحدثتْ عن رغبةِ السيدِ فؤاد في التقدمِ لخطبةِ لجين لأحمد، وكانَ كلامها مطمئناً جداً. أكدتْ أن لجينَ هيَ الفتاةُ التي يتمناها أحمد، وأنها ترى فيها الزوجةَ الصالحة." "ولكن، هل ذكرتْ أيَّ سببٍ لتقدمِ السيدِ فؤاد بهذهِ السرعة؟ هل هناكَ أيُّ ضغوطٍ أو ظروفٍ دفعتهم لتقديمِ هذا الطلب؟"

ترددتْ السيدةُ أمين للحظة. "لقد ذكرتْ أن أحمدَ يفكرُ في مستقبلهِ، وأن السيدَ فؤاد يريدُ أن يطمئنَ على هذا المستقبل. ولكن لم تذكرْ شيئاً محدداً. أنا أيضاً شعرتُ ببعضِ الغموضِ في كلامها، وكأن هناكَ أمراً لم تُصرحْ به." تنهدَ السيدُ خالد، وهوَ ينظرُ إلى صورةِ ابنهِ الشابِ الذي يمتلكُ كلَّ مقوماتِ النجاح. "أحمدٌ شابٌ ممتاز، وأنا لا أشكُ في ذلك. ولكن، في حياتنا، ليسَ كلُّ شيءٍ يسيرُ كما نشتهي. أحياناً، تأتي الأمورُ ومعها تحدياتٌ تتجاوزُ رغباتنا. لديَّ شعورٌ بأن السيدَ فؤاد، رغمَ مكانتهِ، قد يمرُّ بظروفٍ خاصةٍ تجعلُهُ يسعى لضمانِ استقرارِ ابنهِ."

"هل تقصدُ شيئاً محدداً يا خالد؟" "لا شيءٌ مؤكد، ولكن، لنتحسبْ لكلِّ شيء. أودُّ أن أتحدثَ مع السيدِ فؤاد مباشرةً. أودُّ أن أفهمَ طبيعةَ هذهِ الظروفِ إن وجدت، وأن أتأكدَ أن هذهِ الخطبةَ ستكونُ بدايةً لحياةٍ سعيدةٍ ومستقرةٍ لابنتنا، لا عبئاً إضافياً على شابٍ في بدايةِ حياتهِ."

في نفسِ الوقت، كانَ أحمدُ يشعرُ بتزايدِ القلقِ عليهِ من قبلِ والده. كانَ السيدُ فؤاد، رغمَ محاولاتهِ المتكررةِ لطمأنةِ ابنهِ، يبدو شاردَ الذهنِ في كثيرٍ من الأحيان. كانَ يرى في ابنهِ بريقَ الأملِ الذي يتشبثُ بهِ في خضمِ صراعهِ الداخلي. "أبي، هل أنتَ بخير؟" سألَ أحمدُ والدهُ في إحدى الأمسيات، بينما كانا يتناولانِ العشاءَ معاً. "بخيرٍ يا بني، فقط بعضُ المشاغلِ في العمل." ردَ السيدُ فؤاد بابتسامةٍ باهتة.

"ولكنكَ تبدو متعباً. الأطباءُ يقولون إن هذهِ الأعراضَ قد تكونُ إشارةً لشيءٍ أكبر." ارتعشَ وجهُ السيدِ فؤاد للحظة، ثم استجمعَ قواه. "لا تقلقْ يا أحمد، إنها مجردُ وعكةٍ بسيطة. الأهمُّ الآنَ هوَ مستقبلكَ. هل تحدثتَ مع لجينَ بخصوصِ ما قلتهُ لكَ؟"

"نعم يا أبي. لقد تحدثتُ معها. وهيَ… وهيَ توافقُ، إن وافقَ والدها." "الحمد لله. هذا خبرٌ يسعدني. سأتحدثُ مع السيدِ خالد في أقربِ وقت. أريدُ أن أرتبَ كلَّ شيءٍ بسرعة. أريدُ أن أرى ابنَنا سعيداً ومرتبطاً بفتاةٍ صالحةٍ قبلَ فواتِ الأوان."

كلمة "فواتِ الأوان" تلك، هزتْ قلبَ أحمد. لم يكنْ يفهمُ تماماً ما يقصدُهُ والدهُ، ولكن إصرارَهُ على الاستعجالِ في موضوعِ الخطبةِ كانَ يثيرُ قلقه. هل هناكَ ما يخفيهِ عنهُ والدهُ؟ هل كانَ السيدُ فؤادُ يرى خطراً يحدقُ بهِ، أو بعائلتهِ، ويحاولُ تأمينَ مستقبلِ ابنهِ قبلَ وقوعِ مكروه؟

في صباحِ اليومِ التالي، اتصلَ السيدُ خالد بالسيدِ فؤاد. "السلام عليكم يا أبا أحمد." "وعليكم السلام يا أبا لجين. كيف حالك؟" "الحمد لله. كنتُ أتصلُ لأرتبَ موعداً للقائنا، لنتباحثَ في أمرٍ مهمٍ يتعلقُ بابني وابنتكِ." "بالتأكيد، هذا ما كنتُ أنتظرُه. أنا جاهزٌ متى شئت."

اتفقا على اللقاءِ في منزلِ السيدِ خالد في المساءِ. كانتْ السيدةُ أمين قد أعدتْ القهوةَ والشايَ، وكانتْ تنتظرُ بلهفةٍ مع ابنتها. كانتْ لجينُ تشعرُ بمزيجٍ منَ السعادةِ والقلق. سعادةٌ ببدايةِ فصلٍ جديدٍ في حياتها، وقلقٌ منَ المصيرِ المجهولِ الذي قد يخفيهِ المستقبل.

حضرَ السيدُ فؤاد، ومعهُ ابنهُ أحمد. كانتْ الزيارةُ رسميةً أكثرَ منَ المتوقع، وكانَ الجوُ محمّلاً بالاحترامِ المتبادلِ والترقب. بعدَ تبادلِ التحياتِ وأحاديثَ عامة، انتقلَ السيدُ خالد إلى صلبِ الموضوع. "أبا أحمد، لقد علمتُ من زوجتي أنكَ ترغبُ في التقدمِ لخطبةِ ابنتنا لجين لابنك أحمد. هذا أمرٌ يسعدنا، فأحمدٌ شابٌ نكنُّ لهُ كلَّ تقديرٍ واحترام."

ابتسمَ السيدُ فؤاد، وبدتْ على وجههِ علاماتُ الارتياح. "بالفعل يا أبا لجين. أحمدٌ هوَ أملي في هذهِ الحياة، ولجينُ هيَ الفتاةُ التي أراها تكملُ نصفَ دينهِ، وتُسعدُ قلبهُ. لقد تشاورنا في الأمر، ونحنُ نرغبُ في إتمامِ هذهِ الخطبةِ في أقربِ وقتٍ ممكن."

شعرَ السيدُ خالد ببعضِ الدهشةِ منْ عبارةِ "في أقربِ وقتٍ ممكن." كانتْ هذهِ العبارةُ تتفقُ معَ ما كانَ يشتبه بهِ. "في أقربِ وقتٍ ممكن؟ ولكن، ألم يكنْ من الأفضلِ أن نأخذَ وقتاً في التعارفِ المتبادلِ بينَ العائلتين، وأن نتأكدَ من كلِّ التفاصيل؟"

نظرَ السيدُ فؤاد إلى ابنهِ، ثم عادَ بنظرهِ إلى السيدِ خالد. "نعم، بالطبع. ولكن، كما تعلم، الحياةُ مليئةٌ بالمفاجآت. وأنا، كأبٍ، أريدُ أن أطمئنَ على مستقبلِ ابني. أخشى أن يواجهَ صعوباتٍ قد تعرقلُ سعادتهُ. لذا، أرى أننا يجبُ أن نعجلَ الأمورَ قليلاً."

شعرَ السيدُ خالد ببعضِ القلقِ يتسللُ إلى صدرهِ. نظرَ إلى أحمد، الذي كانَ وجههُ يتسمُّ بالفضولِ والقلقِ معاً، ثم عادَ بنظرهِ إلى السيدِ فؤاد. "أبا أحمد، أنا أقدرُ حرصكَ على ابنكَ، ولكن، هل يمكنكَ أن توضحَ لي أكثر؟ ما هيَ طبيعةُ هذهِ الصعوباتِ التي تخشاها؟ أودُّ أن أكونَ على بينةٍ تامةٍ قبلَ أن أتخذَ أيَّ قرارٍ بشأنِ ابنتي."

صمتَ السيدُ فؤاد لبرهة، وهوَ يتصارعُ معَ ما يجبُ أن يكشفهُ وما يجبُ أن يبقى سراً. بدا وكأن أشباحَ الماضي، أو ربما أشباحُ المستقبلِ القريب، بدأتْ تهمسُ في أذنيهِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%