الفصل 15 / 25

حبيبي الأبدي

رسائلٌ في زمنِ الضباب

بقلم فاطمة النجار

كانَ الصمتُ الذي خيّمَ على غرفةِ الجلوسِ ثقيلاً، مليئاً بالأسئلةِ التي لم تُقال. نظرَ السيدُ خالد إلى السيدِ فؤاد، منتظراً إجابةً شافية. شعرَ أحمدُ بأنهُ يقفُ على حافةِ هاويةٍ لا يعرفُ عمقها، وأن والدهُ يخفي عنهُ شيئاً جوهرياً. أما لجين، فكانتْ تدعو في سرها أن يكونَ كلُّ ما يدورُ في رأسِ والدها هوَ مجردُ وساوسَ شيطانية، وأن يتمَّ هذا الزواجُ على خير.

"لا شيءٌ محددٌ في هذهِ اللحظة، يا أبا لجين"، قالَ السيدُ فؤاد أخيراً، وحاولَ أن يبدو هادئاً. "ولكن، كُلُّنا نعلمُ أن سوقَ العملِ متقلبٌ، وأن الظروفَ الاقتصاديةَ قد تتغيرُ بينَ عشيةٍ وضحاها. أنا رجلٌ كبيرٌ في السن، وأحمدُ لا يزالُ في بدايةِ مشوارهُ. أريدُ أن أتأكدَ من أن لديهِ قاعدةً صلبةً تسندُهُ في المستقبل."

لم يقتنعْ السيدُ خالد. شعرَ بأن كلامَ السيدِ فؤاد هوَ مجردُ غطاءٍ لشيءٍ أعمق. "ولكن، يا أبا أحمد، الاستقرارُ ليسَ بالضرورةِ مرتبطاً بالتعجيلِ في الزواج. الاستقرارُ يأتي منَ التخطيطِ السليمِ، ومنَ الشفافيةِ في الأمورِ المهمة." "أنا أتفقُ معك تماماً يا أبا لجين. ولهذا السبب، أريدُ أن أقدمَ لأحمدَ مساعدةً إضافيةً قبلَ زواجهِ، لتكونَ لهُ عوناً. أريدُ أن أنقلَ جزءاً منَ أصولي إلى اسمهِ، لتكونَ لهُ ثروةٌ خاصةٌ به."

اتسعتْ عينا أحمدُ منَ المفاجأة. لم يكنْ يتوقعُ هذا الكلام. كانتْ ثروةُ والدهِ معروفةً، ولكن نقلَ أصولٍ قبلَ الزواجِ بهذهِ الطريقةِ بدا أمراً غريباً. "ولكن يا أبي، أنتَ تعلمُ أنني لستُ بحاجةٍ لهذهِ الثروةِ حالياً. عملي يسيرُ على ما يرام، وشركتنا في وضعٍ ممتاز." "هذا صحيحٌ يا بني. ولكن، هذهِ هديةٌ مني لك، وللمستقبل. ولأنني أريدُ أن أتأكدَ من أن زوجتكَ المستقبليةَ، لجين، ستعيشُ في رغدٍ وسعادة."

نظرَ السيدُ خالد إلى زوجتهُ السيدةِ أمين، التي كانتْ تتابعُ الحوارَ بعينينِ قلقة. بدا لهُ أن السيدَ فؤادَ يخفي أمراً جللاً، وأن تعجيلَ الزواجِ ونقلَ الأصولِ هما مجردُ محاولةٍ لطمأنةِ نفسهِ، أو ربما لطمأنةِ ابنتهِ قبلَ فواتِ الأوان.

"أبا أحمد، أنا أقدرُ كرمكَ، ولكني أرى أن الزواجَ يجبُ أن يقومَ على الحبِّ والتفاهمِ والمسؤوليةِ المشتركة، لا على الثرواتِ المنقولةِ قبلَ البدء. أظنُّ أن علينا أن نمنحَ هذهِ الخطوةَ حقها منَ التفكيرِ والتخطيط. سأتحدثُ معَ لجينَ، ومعَ زوجتي، وسأخبركَ برأيي النهائي."

شعرَ السيدُ فؤاد بخيبةِ أملٍ واضحة، ولكنّهُ لم يُظهرْ انزعاجه. "أتفهمُ موقفكَ يا أبا لجين. فكروا ملياً، وأنا رهنُ إشارتكم." انتهى اللقاءُ على هذهِ الحال، تاركاً وراءهُ أسئلةً أكثرَ منَ الإجابات.

في طريقِ العودة، كانَ أحمدُ صامتاً، يفكرُ فيما دار. "هل أنتَ بخيرٍ يا أبي؟" سألَ أخيراً. "بخيرٍ يا بني. ولكن، الأمورُ ليستْ كما تبدو دائماً." "ماذا تقصدُ يا أبي؟" "لا شيءٌ يا أحمد. فقط، عشْ حياتكَ، وحاولْ أن تتأكدَ من أن سعادتكَ مضمونةٌ."

كانتْ كلماتُ والدِهِ مبهمةً، تزيدُ من حيرته. شعرَ بأن هناكَ سداً حجرياً يفصلُ بينهُ وبينَ والدهِ، سدٌ منَ الأسرارِ والمخاوف.

في منزلِ السيدِ خالد، دارَ حوارٌ بينَ الزوجين. "ما رأيكَ يا خالد؟" سألتْ السيدةُ أمين. "لستُ مطمئناً تماماً يا أمين. كلامُ السيدِ فؤادِ يبدو متناقضاً. حرصهُ على تعجيلِ الزواجِ ونقلِ الأصولِ بهذهِ السرعةِ، دونَ توضيحٍ للأسباب، يثيرُ الريبة." "ولكن، لجينُ تحبُّ أحمد، وأحمدُ يبدو شاباً صالحاً. ألا نمنحُهما فرصةً؟" "بالتأكيد، ولكن، يجبُ أن نتأكدَ أن هذهِ الفرصةَ لن تكونَ على حسابِ سعادةِ ابنتنا. سأتحدثُ معَ لجينَ غداً، وسأرى ما هوَ شعورها الحقيقي. ولكن، يجبُ أن نضعَ في اعتبارنا احتمالَ وجودِ مشاكلَ قد لا نراها الآن."

في اليومِ التالي، قابلتْ لجينُ والدها في حديقةِ المنزل. كانتْ الشمسُ قد بدأتْ تميلُ نحو الغروب، تاركةً وراءها لوناً ذهبياً على أوراقِ الشجر. "يا ابنتي، كيفَ تشعرينَ تجاهَ أحمد؟" بدأَ السيدُ خالد. "أشعرُ بالحبِّ نحوهُ يا أبي. إنهُ شابٌ طيبٌ، وأخلاقهُ عالية، وأرى فيهِ الشريكَ المناسب." "وهل تعتقدينَ أن هذا الحبَّ سيكونُ كافياً لمواجهةِ أيِّ صعوباتٍ قد تنشأ؟" "أنا واثقةٌ من ذلكَ يا أبي. فأحمدُ رجلٌ مسؤول، وأنا أؤمنُ بهِ." "وماذا عنْ تصرفاتِ والدهِ؟ هل لاحظتِ شيئاً غريباً؟"

ترددتْ لجينُ قليلاً. "لقد شعرتُ بأن والدَ أحمدَ يخفي أمراً ما، ولكني لم أفهمْ طبيعةَ هذا الأمر. كانَ يبدو قلقاً جداً." "هذا ما أخشاهُ يا لجين. قلقُ والدِهِ قد ينعكسُ عليكم. هل أنتِ مستعدةٌ لمواجهةِ أيِّ تحدياتٍ قد تواجهونها؟" "نعم يا أبي، أنا مستعدة. فإن كانَ أحمدُ هوَ قدري، فسأكونُ معه."

بعدَ هذهِ المحادثة، شعرَ السيدُ خالد براحةٍ أكبر. كانتْ ابنتُهُ قويةً وشجاعة، وهذا ما طمأنه. ولكن، الشكوكَ حولَ نوايا السيدِ فؤادِ بقيتْ تراوده.

وفي تلكَ الأثناء، كانتْ لجينُ قد قررتْ أن تراسلَ أحمد. كانتْ بحاجةٍ للتواصلِ معهُ، لتبديدِ القلقِ الذي يعتريها. فتحتْ حاسوبها، وبدأتْ تكتبُ لهُ رسالةً طويلة.

"أحمدُ العزيز، أتمنى أن تصلكَ هذهِ الرسالةُ وأنتَ بأتمِّ الصحةِ والعافية. أكتبُ إليكَ وقلبي مليءٌ بمشاعرَ مختلطة. سعادتي بزواجنا المستقبليِّ لا توصف، ولكن، قلقي يتزايدُ يوماً بعدَ يوم. لقد شعرتُ بأن هناكَ أمراً يخفيهِ والدكَ عنكَ، وعنّا. حرصهُ على إتمامِ الزواجِ بهذهِ السرعة، وحديثهُ عن نقلِ الأصول، كلُّ هذا يثيرُ تساؤلاتٍ في ذهني. هل هناكَ ما يقلقكَ بخصوصِ هذا الأمر؟ هل تعرفُ شيئاً لا تعرفهُ أنا؟ أرجو أن تطمئنني. أريدُ أن نبدأَ حياتنا معاً ونحنُ على نورٍ تام، دونَ أن تكونَ هناكَ أسرارٌ أو مخاوفُ غامضة. أتطلعُ لردكَ بفارغِ الصبر. معَ حبي، لجين."

أغلقتْ لجينُ الحاسوب، وشعرتْ بأنها قد فعلتْ ما عليها. الآن، الكرةُ في ملعبِ أحمد. هل سيُجيبُ بصراحة؟ أم سيُواصلُ سيرةَ والدهِ في التكتمِ والغموض؟ كانتْ تنتظرُ بصبرٍ، علّها تجدُ في ردّهِ بعضَ الأجوبة، أو على الأقل، بعضَ الطمأنينة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%