الفصل 16 / 25

حبيبي الأبدي

كشفُ الحجابِ وسقوطُ الأقنعة

بقلم فاطمة النجار

بعدَ أن أرسلتْ لجينُ رسالتها، شعرتْ بأن ثقلاً قد زالَ عن كاهلها، وإن كانَ القلقُ لا يزالُ يخيمُ عليها. كانتْ تعلمُ أن أحمدَ رجلٌ طيبٌ، وأن صدقَهُ سيكونُ مفتاحَ حلِّ الكثيرِ منَ الغموض. لم يمضِ سوى ساعاتٌ قليلةٌ حتى وصلها الرد. كانَ الردُّ طويلاً، يحملُ بينَ طياته اعترافاتٍ صادقةً ومؤلمة.

"لجينَ الغالية، وصلتني رسالتكِ، وقرأتها بعينينِ دامعتين. كم أتمنى لو أنني أستطيعُ أن أُخففَ عنكِ قلقكِ، ولكن، يبدو أن القدرَ شاءَ أن تكونَ حياتنا مليئةً بالتحدياتِ منذُ البداية. لقد أدركتُ بعدَ رسالتكِ أنني لا أستطيعُ أن أبقى صامتاً أكثر. والدي، السيدُ فؤاد، هوَ ليسَ بخيرٍ كما يظهر. منذُ فترةٍ، اكتشفَ أنهُ يعاني من مرضٍ خطيرٍ، وهوَ لا يخبرُ أحداً بالأمرِ سوى أنا. الأطباءُ يقولون إن الحالةَ متقدمةٌ، وإن الأملَ ضئيلٌ في الشفاءِ التام.

ولهذا السبب، يصرُّ والدي على إتمامِ زواجنا بأسرعِ وقتٍ ممكن. هوَ يريدُ أن يراني سعيداً ومستقراً، وأن يتأكدَ من أن لديَّ منْ يعتمدُ عليهِ بعدَ رحيلهِ. نقلُ الأصولِ كانَ لضمانِ أن تكونَ لدينا قاعدةٌ ماليةٌ قويةٌ، وأن لا نشعرَ بالحاجةِ لأحدٍ. هوَ يخافُ عليَّ، ويخافُ أن أُتركَ وحيداً في هذهِ الحياة.

أعرفُ أن هذهِ الحقيقةَ مؤلمةٌ، وقد تغيرُ الكثيرَ. ولكن، أردتُ أن أصارحكِ بها، لأنكِ أنتِ، ولأنني لا أستطيعُ أن أبنيَ مستقبليَّ معَكِ على أساسٍ منَ الكذبِ أو إخفاءِ الحقائق. لم أكنْ أردتُ أن أُثقلَ عليكِ بهذهِ الأخبارِ المبكرة، ولذلكَ حاولتُ أن أُخفيَ الأمرَ قدرَ المستطاع. ولكن، حقيقةُ أنكِ لاحظتِ القلقَ في وجهِ والدي، وأنكِ لمستِ الغموضَ، جعلني أدركُ أن الصمتَ لم يعدْ خياراً."

"أفهمُ تماماً إذا شعرتِ بأنكِ تحتاجينَ لوقتٍ للتفكير، أو إذا قررتِ أن هذا الأمرَ يفوقُ طاقتكِ. في هذهِ الحالة، سأحترمُ قراركِ، وسأدعو اللهَ أن يُعوضكِ خيراً." "ولكن، إذا كنتِ لا تزالينَ تحملينَ مشاعرَ الحبِّ نحوي، وأنتِ على درايةٍ بهذهِ الظروف، فأنا على استعدادٍ كاملٍ لمواجهةِ كلِّ شيءٍ معكِ. نحنُ سنتزوجُ، وسنُساندُ بعضنا البعض، وسنُحاولُ أن نجعلَ الأيامَ المتبقيةَ لوالديَّ أيامَ سعادةٍ وراحةٍ قدرَ المستطاع."

"أحمدُكِ يا اللهَ على وجودكِ في حياتي، وعلى صدقكِ. مهما كانَ القرار، فأنا أحترمُه. ولكن، قلبي يتمنى أن نبدأَ رحلتنا معاً، لنتجاوزَ هذهِ المحنةَ كفريقٍ واحد." "معَ حبي واحترامي العميق، أحمد."

بعدَ قراءةِ الرسالة، شعرتْ لجينُ بصدمةٍ عارمة. لم تتوقعْ أبداً أن يكونَ الأمرُ بهذهِ الجدية. كانَ مرضُ السيدِ فؤادِ المفاجئِ أشبهَ بصاعقةٍ نزلتْ عليها. تذكرتْ حوارَ والدها معَ السيدِ فؤاد، وكلمةَ "فواتِ الأوان" التي قالها السيدُ فؤاد. الآنَ، فهمتْ المعنى الحقيقيَّ لهذهِ الكلمات.

كانَ قلبُها ينقبضُ ألماً على أحمد، وعلى والدهِ. شعرتْ بالذنبِ لأنها ظنتْ فيهِ سوءاً، ولأنها شككتْ في نواياه. في تلكَ اللحظة، لم تعدْ تفكرُ في سعادتها الشخصيةِ، بل في مسؤوليتها كإنسانةٍ، وكشريكةٍ محتملةٍ لأحمد.

عادتْ لجينُ إلى حاسوبها، وبدأتْ تكتبُ رداً سريعاً. لم تستغرقْ وقتاً طويلاً للتفكير، فقد عرفتْ ما يجبُ عليها فعله.

"أحمدُ العزيز، قرأتُ رسالتكِ، وقلبي يعتصرهُ الألمُ لأجلِ والدكَ، ولأجلك. لا أستطيعُ أن أتخيلَ حجمَ الألمِ الذي تمرُّ بهِ. ولكن، أريدك أن تعلمَ أنني لم أشعرْ بالصدمةِ بقدرِ ما شعرتْ بالأسفِ والحزن. وبنفسِ القدر، شعرتْ بالاعتزازِ بصدقكَ، وبتضحيةِ والدكَ.

أنتَ لم تخفِ عني أمراً، بل كنتَ تحاولُ حمايتي منَ الألمِ المبكر. والآن، بعدَ أن عرفتُ الحقيقة، أريدُ أن أقولَ لكَ شيئاً واحداً: أنا معك. قلبي وروحي معك. سأتزوجكَ، وسنُقابلُ هذهِ المحنةَ معاً، يداً بيد. مسؤوليةُ والدكَ هيَ مسؤوليتنا، وسنُحاولُ أن نجعلَ أيامهُ سعيدةً بقدرِ المستطاع.

موضوعُ الثروةِ والأصولِ لم يعدْ مهماً بالنسبةِ لي. ما يهمُّني هوَ أنتَ، ووالدكَ. إن كانَ زواجنا سيُطمئنُ قلبَ والدكَ، وسيجعلُ أيامهُ الأخيرةَ أكثرَ هدوءاً، فسأكونُ أسعدَ الناسِ بتنفيذِ هذهِ الرغبة.

أنا لا أحتاجُ لوقتٍ للتفكير، فأنا متأكدةٌ من قراري. ما أحتاجُ إليهِ هوَ أن نُقابلَ هذهِ الأيامَ بصبرٍ وإيمان، وأن نُظهرَ لوالدكَ أن أحمدَ لم يُتركْ وحيداً.

أحبكَ يا أحمد، وأنا جاهزةٌ لنبدأَ هذهِ الرحلةَ معاً، في السراءِ والضراء. بكلِّ حبي، لجين."

عندما انتهتْ لجينُ من كتابةِ ردها، شعرتْ براحةٍ عميقة. كانتْ قد اتخذتْ قراراً شجاعاً، وقراراً نابعاً من قلبٍ مُحبٍّ ومُضحٍّ.

في نفسِ الليلة، اتصلَ السيدُ خالد بالسيدِ فؤاد. "أبا أحمد، لديَّ أخبارٌ مهمةٌ لك." "تفضل يا أبا لجين، سمعتُ أن لديكَ قراراً." "لقد تحدثتُ معَ لجين، ومعَ زوجتي. وأنا هنا لأُبلغكَ أننا موافقونَ على الخطبة. وسنُعجلُ بها قدرَ الإمكان."

شعرَ السيدُ فؤادُ بالدهشةِ والامتنان. "حقاً؟ هذا خبرٌ يُسعدني جداً يا أبا لجين. لم أتوقعْ أن يكونَ قراركم بهذهِ السرعة." "بعدَ أن عرفنا بعضَ التفاصيل، قررنا أن الوقتَ هوَ أثمنُ ما نملك. ولكن، أريدُ أن أتحدثَ معك بصراحةٍ تامةٍ بخصوصِ أمورٍ أخرى." "تفضل." "أنا على علمٍ بمرضكَ يا أبا أحمد."

صمتَ السيدُ فؤادُ للحظة، بدا وكأن الأرضَ انشقتْ وابتلعته. "كيف... كيف عرفت

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%