حبيبي الأبدي
أسرار القصر المهجور
بقلم فاطمة النجار
كانت أروقة القصر القديم، الذي يحمل عبق الأجداد وذكريات الأيام الخوالي، تبدو أهدأ من أي وقتٍ مضى. كل خطوةٍ كانت تحدث صدىً خافتًا، كل نسمةٍ كانت تحمل معها رائحة الغبار والأزمان التي ولّت. دخل أحمد ولينا إلى الغرفة القديمة التي وصفها الشيخ عبد الرحمن. كانت الغرفة مظلمة، مغطاةٌ بطبقاتٍ سميكةٍ من الغبار، كأنها قد نامت لعقودٍ طويلة.
"هل أنتِ مستعدةٌ يا لينا؟" سأل أحمد، وهو يحمل مصباحًا يدويًا.
"نعم." أجابت لينا، وصوتها يحمل مزيجًا من الرهبة والفضول. "أتمنى أن نجد ما نبحث عنه."
بدأ أحمد ينير المصباح في أرجاء الغرفة، ويكشف عن أثاثٍ قديمٍ مغطىً بأقمشةٍ بالية، وكتبٍ متناثرةٍ على الرفوف، وصناديقٍ خشبيةٍ تبدو وكأنها تحمل كنوزًا مدفونة. كان الجو باردًا، وبرودةٌ غريبةٌ تسللت إلى قلب لينا، وكأن الغرفة تحتفظ بأسرارٍ لم تُروَ بعد.
"إذًا، أين هو الصندوق الخشبي الذي تحدث عنه جدي؟" سألت لينا.
"قال إن جدي كان يحتفظ به في مكانٍ سري." أجاب أحمد. "ربما، خلف أحد هذه الرفوف، أو تحت هذه السجادة البالية."
بدأا في البحث، يتحركان بحذرٍ، يحاولان ألا يسببا أي ضرر. كان كل شيءٍ قديمًا، مهملًا، وكأن الزمن قد توقف داخل هذه الغرفة. لينا، بدأت تشعر بثقلٍ كبير، وبخوفٍ غامض. هل حقًا سيجدون شيئًا هنا؟ أم أن هذه مجرد مضيعةٍ للوقت، وستكون النهاية حتمية؟
"أحمد." قالت لينا فجأة، بعد مرور وقتٍ طويل. "انظر هنا."
كانت تشير إلى أحد الجدران، حيث كان هناك لوحٌ خشبيٌ يبدو أنه مختلفٌ عن بقية الجدار. كان هناك بعض النقوش القديمة عليه، وكأنها مخبأةٌ عمدًا.
اقترب أحمد، ونظر إلى اللوح. "نعم، هذا يبدو مختلفًا. ربما، خلفه يوجد شيءٌ مخبأ."
حاول أحمد أن يحرك اللوح، ولكنه كان ثقيلًا جدًا. "احتاج إلى مساعدتكِ يا لينا."
تعاونا معًا، وبقوةٍ مشتركة، تمكنا من تحريك اللوح الخشبي. خلفه، ظهر مدخلٌ صغيرٌ مظلم، يكاد لا يُرى.
"هنا!" قال أحمد، وعيناه تلمعان بالإثارة. "هذا هو المكان السري."
مد أحمد يده في الفتحة، وشعر بشيءٍ صلبٍ تحت أصابعه. سحب ما وجده، فكان صندوقًا خشبيًا قديمًا، مزينًا بنقوشٍ دقيقة، وبقفلٍ صدئ.
"هذا هو الصندوق!" قال أحمد، وقلبه يخفق بقوة. "الآن، كيف سنفتحه؟"
نظر أحمد إلى القفل. كان قديمًا جدًا، ولكنه قوي. "لدي بعض الأدوات في حقيبتي." قال.
بعد دقائق من الجهد، وبمساعدة بعض الأدوات الدقيقة، تمكن أحمد من فتح القفل. انفتح الصندوق ببطء، وكشف عن محتوياته. كانت هناك حزمةٌ من الأوراق القديمة، وبعض الرسائل، ومفتاحٌ صغيرٌ نحاسي.
"هذه هي الوثائق!" قال أحمد، وعيناه تلمعان. "لقد وجدناها!"
بدأ أحمد يتفحص الأوراق بعناية، بينما كانت لينا تقف بجانبه، وقلبها يخفق أملًا. كانت الأوراق مكتوبةً بخطٍ قديم، ومليئةً بالمعلومات التي لا يعرفان معناها الكامل.
"هذه الرسائل، تبدو أنها بين جدكِ وأحد المحامين." قالت لينا. "ولكن، هناك وثيقةٌ تبدو مهمة جدًا."
كانت الوثيقة عبارة عن شهادةٍ، مكتوبةً وموقعةٍ من قبل شاهدٍ، تشهد على أن جدي لم يكن له دورٌ في إلحاق الأذى بوالدة السيد فؤاد. بل، إنها تشير إلى أن جدي كان يحاول حمايتها، وأن هناك مؤامرةً كانت تُحاك ضدها، وضد جدي.
"يا إلهي." قال أحمد، وهو يشعر بثقل الأخبار. "هذه الوثيقة، تثبت براءة جدي. وتشير إلى أننا كنا ضحية مؤامرة."
"ومن هو الشاهد؟" سألت لينا.
"الشاهد، يبدو أنه شخصٌ كان يعمل لدى عائلة آل المنصوري." قال أحمد. "شخصٌ كان يعرف الحقيقة، ولكنه لم يستطع كشفها خوفًا."
"ولماذا لم تظهر هذه الوثيقة من قبل؟"
"ربما، تم إخفاؤها عمدًا. ربما، أرادوا أن يضللوا الناس." قال أحمد. "ولكن، الآن، لدينا الدليل."
نظر أحمد إلى المفتاح النحاسي الصغير. "ما هذا المفتاح؟"
بحث أحمد في الصندوق مجددًا، ووجد صندوقًا صغيرًا آخر، مصنوعًا من الخشب الفاخر. كان لديه قفلٌ صغيرٌ يتطابق مع المفتاح.
فتحه أحمد، ووجد بداخله خنجرًا قديمًا، مزينًا بالفضة، وبجانبه قطعةٌ من القماش، وعليها توقيعٌ غريب.
"هذا الخنجر، يبدو أنه قطعةٌ أثرية." قال أحمد. "ولكن، ما هذا التوقيع؟"
"دعني أرى." قالت لينا، ونظرت إلى التوقيع. "هذا التوقيع، يبدو مألوفًا."
تذكرت لينا شيئًا. "يا أحمد، هذا التوقيع، يشبه توقيع والد السيدة سلمى. والدها، كان رجل أعمالٍ معروفًا، وله سمعةٌ طيبة."
"حقا؟" سأل أحمد، وشعر بأن الدائرة تكتمل. "إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن والد السيدة سلمى، كان متورطًا في المؤامرة؟"
"يبدو ذلك." قالت لينا. "ولكن، لماذا؟ ولماذا تريد ابنته الانتقام منا الآن؟"
"ربما، أرادت أن تحمي سمعة والدها، أو أن تستمر في انتقامه." قال أحمد. "إنها لعبةٌ معقدة، يا لينا. ولكن، الآن، لدينا الأوراق، ولدينا الدليل."
"ولكن، هل يكفي هذا؟" سألت لينا، وهي تشعر بالقلق. "السيد فؤاد المنصوري، رجلٌ قويٌ جدًا، وقد لا يصدق هذا الدليل بسهولة."
"علينا أن نحاول." قال أحمد، وعيناه تلمعان بالعزم. "علينا أن نواجه السيدة سلمى، ونكشف لها كل شيء. وإذا لم تنفع هذه الطريقة، فسنتجه إلى السيد فؤاد، ونقدم له هذه الوثائق."
"ولكن، كيف سنواجه السيدة سلمى؟"
"لدي خطة." قال أحمد. "سأدعو السيدة سلمى للقاء، وسأحضر هذه الوثائق. سأواجهها بالحقيقة، وسأخبرها أننا نعرف كل شيء."
"هل أنت متأكدٌ من ذلك؟"
"نعم. لم أعد أستطيع الانتظار. علينا أن ننهي هذا الفصل المظلم من حياتنا."
خرج أحمد ولينا من الغرفة القديمة، يحملان معهما ثقل الأسرار، ولكن أيضًا، يحملان معهما بصيص الأمل. كانت رحلة البحث عن الحقيقة قد انتهت، وبدأت رحلة المواجهة.
"يا أحمد." قالت لينا، بينما كانا يسيران في الممر. "أنا فخورةٌ بك. لقد كنت قويًا وشجاعًا."
"وأنا فخورٌ بكِ يا لينا." قال أحمد. "بدون مساعدتكِ، ما كنتُ لأجد هذه الوثائق. أنتِ مصدر قوتي."
نظرت لينا إليه، وشعرت بأن حبهما أقوى من أي مؤامرة، وأثقل من أي سر. كانت المعركة قادمة، ولكن، كانت مستعدةً لخوضها، متسلحةً بالحب، وبالحقيقة.