الفصل 2 / 25

حبيبي الأبدي

لقاءٌ على شفا الحلم

بقلم فاطمة النجار

تجمّعتْ الأحاديثُ حولَ "نور" كأسرابِ طيورٍ مُغردة، لكنَّ عقلَها ظلَّ مُعلّقاً بتلكَ النظرةِ الأولى. كانَ "سالم" يتحركُ في القاعةِ بوقارٍ لافت، يُصافحُ الرجالَ ويبتسمُ للنساء، لكنَّ "نور" شعرتْ وكأنَّ اهتمامهُ ما زالَ مُوجهاً نحوها. في كلِّ مرةٍ تلتقي فيها عيناهُ بعينيها، كانتْ تشعرُ بتيارٍ خفيٍّ يمرُّ بينهما، تيارٌ لا تعرفُ تفسيرَه، لكنه كانَ باعثاً على مزيجٍ من الرهبةِ والفضول.

كانتْ "السيدةُ فاطمة" تُشيرُ إليها بلطفٍ من بعيد، تُحفزُها على التحدثِ والتفاعل. حاولتْ "نور" أنْ تستجمعَ شتاتَ أفكارِها، وأنْ تندمجَ في أجواءِ الاحتفال. بدأتْ تتحدثُ معَ عماتِها وخالاتِها، وتُجيبُ عن أسئلتهنَّ الودودة. لكنَّ قلبَها كانَ يتدفقُ نحو "سالم"، وكأنَّ هناكَ خيطاً غيرَ مرئيٍّ يربطُهما.

اقتربَ "سالم" منها أخيراً، برفقةِ والدِها. ابتسمَ لهُ الشيخُ عبد العزيزُ بحرارة، ثمّ قالَ بصوتٍ جهوريٍّ يُسمعُ الجميع: "يا بني، هذهِ ابنتي نور، فلذةُ كبدي. وقدْ عرفتَها، لكنَّ العرفَ يُوجبُ تقديمَها لكَ رسمياً." اقتربَ "سالم" من "نور"، ومدَّ يدَهُ نحوها. "أهلاً بكِ يا أختي. أتشرفُ بمعرفتكِ عن قرب." جلستْ "نور" ووقفتْ، تلخبطتْ مشاعرُها للحظة. صافحتْهُ بيدِها المرتعشةِ قليلاً، وقالتْ بصوتٍ هادئ: "أهلاً بكَ يا أخي. الشرفُ لي."

كانتْ كلماتُها بسيطةً، لكنَّ وقعَها كانَ عميقاً. في عيني "سالم"، رأتْ شيئاً لم تتوقعه. لم يكنْ مجردَ نظرةِ اهتمامٍ عابرة، بل كانَ هناكَ شيءٌ من التقديرِ والفضولِ العميق. شعرَتْ بأنَّه يرى ما وراءَ الحجابِ، ويرى روحَها. "لقدْ سمعتُ عنكِ الكثيرَ يا نور"، قالَ "سالم" بصوتٍ هادئٍ وعميق. "سمعتُ عن حِكمتِكِ، وعن طيبةِ قلبِكِ، وعن حافظتِكِ لكتابِ الله. هذهِ صفاتٌ نادرةٌ في عصرِنا."

احمرَّ وجهُ "نور" خجلاً. لم تعتدْ على تلقي مثلِ هذهِ الثناءِ المباشر، خاصةً من رجلٍ لم تعرفْه. "شكراً لكَ يا سالم. هذهِ من فضلِ اللهِ أولاً، ثمّ من فضلِ والديَّ الذينَ ربّياني على هذهِ القيم." ابتسمَ "سالم". "بالتأكيد. لكنَّ التربيةَ الصالحةَ لا تكتملُ إلا بالروحِ النقيةِ التي تحملُها. أتمنى أنْ نكونَ خيرَ سندٍ لبعضِنا البعضِ في المستقبل."

كانتْ جملةُ "نكونَ خيرَ سندٍ لبعضِنا البعضِ" تترددُ في ذهنِ "نور". هل يعني ذلكَ أنَّ لديهِ آمالاً بنفسِ الطريقةِ التي تتمنى بها هي؟ انضمَّ إليهم الشيخُ عبد العزيز. "نعم يا سالم، نورُ فتاةٌ ذكيةٌ، ذاتُ رأيٍ سديد. وأنا واثقٌ أنَّكما ستُشكلانِ ثنائياً رائعاً." بعدَ لحظات، اقترحَ "سالم": "يا عمي، هل لي ببعضِ الوقتِ الخاصِّ لأتحدثَ معَ نور؟ ربما في الحديقة؟" نظرَ الشيخُ عبد العزيزُ إلى ابنتِه. "ما رأيكِ يا نور؟" شعرتْ "نور" بقلبِها يخفقُ بسرعة. وافقتْ بابتسامةٍ خجولة. "بالتأكيد."

سارا معاً في الحديقةِ الغنّاء، حيثُ تتفتحُ أزهارُ الياسمينِ في سكونِ الليل. الهواءُ العليلُ حملَ رائحةَ الأرضِ الرطبةِ والوردِ. كانَ المكانُ هادئاً، يُشجعُ على الحديثِ الصادق. "أعلمُ أنَّ هذا اللقاءَ قدْ يكونُ مفاجئاً لكِ بعضَ الشيء"، بدأَ "سالم" حديثَهُ. "لكنني أردتُ أنْ أُخبرَكِ بشيءٍ، بصراحةٍ وشفافية." "تفضل"، قالتْ "نور"، وعيناها تتأملانِ النجومَ المتلألئةَ في السماء.

"أنا رجلٌ أؤمنُ بأنَّ الزواجَ هو شراكةٌ مقدسة، مبنيةٌ على الاحترامِ، والتفاهمِ، والمودةِ. ولم أكنْ لأوافقَ على هذهِ الخطبةِ لولا أنني رأيتُ فيكِ ما أبحثُ عنه. رأيتُ فيكِ العقلَ، والرُّقيَّ، والخوفَ من اللهِ." توقفتْ "نور" عن النظرِ إلى السماء، ونظرتْ إليهِ بتركيز. "وأنتَ، سالم؟ ماذا ترى في نفسك؟" ابتسمَ "سالم" ابتسامةً هادئة. "أنا رجلٌ أحاولُ جاهداً أنْ أكونَ صالحاً. أعملُ في تجارةِ والدي، وأسعى لأنْ أكونَ على قدرِ المسؤولية. وأؤمنُ بأنَّ الزوجةَ الصالحةَ هي أقربُ طريقٍ إلى جنةِ الله. أتمنى أنْ أكونَ زوجاً صالحاً لكِ، وأباً حنوناً لأبنائِنا في المستقبل."

كانتْ كلماته صادقةً، مفعمةً بالأمل. شعرتْ "نور" براحةٍ كبيرة. هذهِ هي الصفاتُ التي كانتْ تتمنى أنْ تجدَها في شريكِ حياتِها. "أنا أيضاً يا سالم"، قالتْ "نور" بصوتٍ يكتنفهُ الهدوء. "أؤمنُ بأنَّ الزواجَ هو بناءٌ مشترك. وأتمنى أنْ نكونَ خيرَ معينٍ لبعضِنا البعضِ على طاعةِ اللهِ، وأنْ نُكوّنَ أسرةً صالحةً تُرضي خالقَنا."

تلاقتْ عيناهما مجدداً، وهذهِ المرةِ كانَ هناكَ فهمٌ أعمق. لم تكنْ مجردَ نظراتِ إعجابٍ، بل كانتْ نظراتِ تفاهمٍ وتوقعاتٍ مشتركة. "أعتقدُ أنَّنا على وفاقٍ جيدٍ يا نور"، قالَ "سالم" بابتسامةٍ أوسع. "هل تسمحينَ لي بزيارتِكِ مرةً أخرى، ربما بصحبةِ والدي، لنتحدثَ عن تفاصيلِ الخطبةِ الرسمية؟" "بالتأكيد"، أجابتْ "نور"، وقلبُها يشعرُ بخفةٍ غريبة.

عادَ إلى القاعةِ، وشعرَتْ "نور" بأنَّها أصبحتْ أكثرَ استعداداً لمواجهةِ المستقبل. نظرتْ إلى والدتِها، التي ابتسمتْ لها ابتسامةً واسعة، كأنها تقرأُ ما يدورُ في قلبِها. كانتْ هذهِ الليلةُ بدايةً لرحلةٍ جديدة. رحلةٌ بدأتْ بنظرةٍ، وكلمةٍ، وهمسةِ أمل. رحلةٌ قدْ تُصبحُ قصةَ "حبيبي الأبدي".

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%