الفصل 3 / 25

حبيبي الأبدي

نبضٌ جديدٌ في صحراءِ الانتظار

بقلم فاطمة النجار

مرتْ أيامٌ قليلةٌ منذُ ليلةِ الخطبةِ الرسمية، وأصبحتْ "نور" و"سالم" على تواصلٍ دائمٍ، وإنْ كانَ محدوداً بحدودِ الشرعِ والأخلاق. كانتْ لقاءاتُهما في أوقاتِ الظهيرة، غالباً في حديقةِ القصرِ الفسيحة، أو في ركنٍ هادئٍ من ديوانِ والدِها. يتحدثانِ عن كلِّ شيءٍ تقريباً: عن الكتبِ التي يقرآنِها، عن أحلامِهما المستقبلية، عن رؤيتِهما للحياةِ الأسرية، وعن تطلعاتِهما لبناءِ بيتٍ سعيدٍ ومُستقر.

كانَ "سالم" يفاجئُ "نور" بذكائِهِ الحادِّ، ورؤيتِهِ الثاقبةِ للأمور. كانَ يمتلكُ قدرةً على تحليلِ المشكلاتِ من زوايا مختلفة، وتقديمِ حلولٍ عمليةٍ ومُقنعة. لم يكنْ مجردَ شابٍّ ثريٍّ يعيشُ حياةَ رفاهية، بل كانَ رجلاً ذا مسؤولية، يُدركُ تماماً واجباتِهِ تجاهَ عائلتِه ومجتمعِه.

أما "نور"، فكانتْ تُبهرُ "سالم" بعمقِ تفكيرِها، وسلامةِ منطقِها، وحسِّها المرهفِ. كانتْ تمتلكُ قدرةً فريدةً على فهمِ مشاعرِ الآخرين، وإظهارِ التعاطفِ معهم. في كلِّ مرةٍ يتحدثانِ فيها، كانَ "سالم" يشعرُ بأنَّه يتعرفُ على جوانبَ جديدةٍ ومُذهلةٍ من شخصيتِها. كانَ يتساءلُ كيفَ لم يلتقيا قبلَ ذلك، وكيفَ عاشَ حياتَه كلها دونَ أنْ يعرفَ هذهِ الروحَ الجميلة.

في إحدى المرات، كانا يتحدثانِ عن الأوضاعِ الاقتصاديةِ في المنطقة، وكيفَ يمكنُ لعائلتِهما أنْ تُساهمَ في تحسينِها. "أرى أنَّ هناكَ الكثيرَ من الشبابِ العاطلينَ عن العملِ يا سالم"، قالتْ "نور" بجدية. "أتمنى أنْ نجدَ طريقةً لفتحِ مشاريعَ صغيرةٍ لهم، تُساعدُهم على كسبِ رزقِهم الكريم." أومأَ "سالم" برأسِه. "فكرةٌ رائعةٌ يا نور. هذا ما كنتُ أفكرُ فيهِ أيضاً. والدي لديهِ الكثيرُ من العلاقاتِ في دوائرِ المالِ والأعمال. يمكنُنا أنْ نُقنعَه بدعمِ مبادراتٍ شبابية." "وهل تعتقدُ أنَّ هذا ممكنٌ؟" سألتْ "نور" بتردد. "لماذا لا؟" أجابَ "سالم" بثقة. "الأهمُّ هو أنْ نكونَ على نفسِ الهدفِ. وبما أنَّنا كذلك، فكلُّ شيءٍ يصبحُ ممكناً."

كانتْ هذهِ المحادثاتُ تُنمّي في قلبِ "نور" شعوراً متزايداً بالتقديرِ لـ "سالم". لم يكنْ مجردَ شابٍّ وسيمٍ يُحبُّ التفاخر، بل كانَ رجلاً جاداً، لديهِ رؤيةٌ وطموح. كانَ يُظهرُ لها احتراماً عميقاً، ويستمعُ إلى آرائِها بإنصاتٍ واهتمام.

في إحدى لقاءاتِهما، كانَ "سالم" يتحدثُ عن رحلةٍ قامَ بها إلى بلادِ الشامِ، وعن الأماكنِ التاريخيةِ التي زارَها. "أتمنى أنْ تُسافري معي يوماً ما يا نور"، قالَ "سالم" وهو ينظرُ إلى السماء. "أحبُّ أنْ أُريكِ جمالَ العالمِ، وأشاركُكِ هذهِ التجارب." ابتسمتْ "نور". "سيكونُ ذلكَ جميلاً. لطالما حلمتُ برؤيةِ الأماكنِ التي ذكرَها اللهُ في القرآن." "هذا ما يجعلُكِ مميزةٌ يا نور"، قالَ "سالم" بصدق. "روحُكِ تتعلقُ بما هوَ أعمقُ من مجردِ المتعِ الدنيوية."

في المقابل، كانتْ "نور" تُدركُ أنَّ "سالم" لديهِ أيضاً جوانبُ غامضةٌ بعضَ الشيء. كانَ يتجنبُ أحياناً الحديثَ عن ماضيهِ الشخصي، أو عن تفاصيلَ معينةٍ تخصُّ علاقاتِه السابقة. كانتْ تلاحظُ أحياناً في عينيهِ شيئاً من الحزنِ أو القلق، لكنه كانَ سرعانَ ما يُخفيهِ خلفَ ابتسامةٍ واثقة.

في أحدِ الأيام، بينما كانا يتناولانِ الشايَ في الحديقة، سألتهُ "نور" عن والدتِهِ المتوفاة. "هل كانتْ تُشبهُكِ؟" سألتْ بلطف. نظرَ "سالم" إلى بعيد، وبدأتْ علاماتُ الألمِ تظهرُ على وجهِه. "كانتْ امرأةً عظيمةً. علّمتني الكثيرَ عن الحياةِ، وعن معاني الحبِّ الحقيقي. وفاتُها كانَ أصعبَ شيءٍ مررتُ به." "أنا آسفةٌ لسماعِ ذلك"، قالتْ "نور" بصوتٍ خافت. "لكنني متأكدةٌ أنَّها كانتْ فخورةً بكَ." "أتمنى ذلك"، قالَ "سالم" بتنهيدةٍ عميقة. "لقدْ تركتْ لي أمانةً. وهي أنْ أكونَ دائماً عندَ حسنِ ظنِّها."

هذهِ اللحظاتُ من الضعفِ والصدقِ، جعلتْ "نور" تشعرُ بأنَّ "سالم" ليسَ مجردَ رجلٍ مثالي، بل هوَ إنسانٌ لهُ مشاعرُه وآلامُه. وهذا جعلَ حبَّها لهُ يزدادُ عمقاً، ويصبحُ أكثرَ واقعية.

في أحدِ الأيام، وصلَ خطابٌ إلى منزلِ "نور"، كانَ يحملُ ختمَ إحدى الجامعاتِ المرموقةِ في الخارج. فتحتْهُ "نور" بتردد، وقرأتْ محتواهُ. كانتْ دعوةً للحصولِ على درجةِ الماجستيرِ في الأدبِ العربي. كانتْ هذهِ فرصتها التي طالما حلمتْ بها، لتُعمّقَ دراستَها في مجالِها المُفضل.

عندما أخبرتْ "سالم" بالأمر، رأى في عينيهِ مزيجاً من الإعجابِ والقلق. "هذهِ أخبارٌ رائعةٌ يا نور! أنا سعيدٌ جداً لكِ"، قالَ "سالم" بحماس. "لكن... متى ستُسافرين؟" "لا أعرفُ بعد"، قالتْ "نور" بتفكير. "كلُّ شيءٍ يعتمدُ على ترتيباتِ الزواجِ. ربما يمكنُنا تأجيلُه؟" نظرَ "سالم" إليها بعينينِ واسعتين. "تأجيلُ الزواج؟ لا أظنُّ أنَّ هذا ممكنٌ. والداي ينتظرانِ بفارغِ الصبر. كما أنَّ ترتيباتِ الزفافِ بدأتْ بالفعل."

شعرتْ "نور" بوخزةٍ من خيبةِ الأمل. لقدْ كانتْ هذهِ فرصتها الوحيدة، ولطالما عملتْ بجدٍّ لتحقيقِ هذا الحلم. "لكن سالم، هذهِ فرصةٌ لا تُعوّض"، قالتْ بصوتٍ يُحاولُ أنْ يبدوَ هادئاً. "وأنا أفهمُ ذلكَ يا نور. لكنَّ التزاماتِنا الأسريةَ أيضاً لها أهميتُها. هل فكرتِ في إمكانيةِ إكمالِ دراستِكِ بعدَ الزواج؟ ربما في جامعةٍ هنا؟" "هذهِ الجامعةُ التي قبلتني هي الأفضلُ في العالمِ في تخصصي يا سالم. والبرنامجُ مكثفٌ للغاية."

صمتَ "سالم" قليلاً، وبدا عليهِ شيءٌ من التردد. "أنا لا أريدُ أنْ أُقيّدَ أحلامَكِ يا نور. لكنَّ زواجَنا أصبحَ أمراً واقعاً. ربما يمكنُنا إيجادُ حلٍّ وسط؟" لم تجدْ "نور" جواباً. كانتْ مشاعرُها مُتضاربة. سعادتُها بالحلمِ الذي تحقق، والقلقُ من احتمالِ خسارتِه. وفجأة، شعرتْ بأنَّ هذا الانتظارَ الطويلَ، وهذهِ الاستعداداتِ المُكثفة، قدْ أصبحتْ تُلقي بظلالِها على مستقبلِها. هل كانَ عليها أنْ تتخلى عن أحلامِها من أجلِ هذا الزواج؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%