حبيبي الأبدي
ظلالٌ على أفقِ الوفاق
بقلم فاطمة النجار
عادَ "سالم" إلى منزلِه في ذلكَ المساءِ وقلبُه مُثقلٌ بالهموم. لم تكنْ مسألةُ دراسةِ "نور" في الخارجِ مجردَ خلافٍ بسيط، بل كانتْ تُشكّلُ تحدياً حقيقياً لِمسارِ حياتِهما المُتفقِ عليه. كانَ "سالم" رجلاً يُؤمنُ بالتقاليدِ والعاداتِ، وبالدورِ التقليديِّ للمرأةِ في البيتِ والمجتمع. لم يكنْ لديهِ مشكلةٌ في تمكينِ زوجتِه علمياً، بل كانَ يُشجعُها على ذلكَ، لكنَّ فكرةَ ابتعادِها لفترةٍ طويلةٍ، وتحديداً إلى بلدٍ أجنبيٍّ، كانَ أمراً يُثيرُ قلقَهُ العميق.
"يا أبي"، قالَ "سالم" لوالدِه، "نورُ حصلتْ على قبولٍ لدراسةِ الماجستيرِ في الخارج. وهذا أمرٌ يفرحُني، لكنَّ موعدَ زواجِنا قريبٌ جداً، ولا يمكنُها أنْ تجمعَ بينَ الأمرين." نظرَ والدُ "سالم"، "الشيخُ راشد"، وهو رجلٌ كبيرُ السنِّ، ذو لحيةٍ بيضاءَ كثيفة، وعينينِ تحملانِ حكمةَ السنين، إلى ابنِه بصمتٍ لبرهة. ثمّ قالَ بصوتٍ رزين: "يا بني، أنتَ تعلمُ أنَّ هذهِ الزيجاتِ ليستْ مجردَ عواطفَ. إنها تحالفاتٌ تُبنى عليها سمعةُ العائلتَين. لا يمكنُنا أنْ نُعطي انطباعاً بأنَّنا لا نُقدّرُ التزاماتِنا." "لكن يا أبي، إنها فرصةٌ نادرةٌ لـ نور. لم أردْ أنْ أحرمَها منها." "لا تقلْ ذلكَ يا سالم. أنتَ لم تحرمْها. لكنَّ هناكَ وقتاً لكلِّ شيء. ولابدَّ أنْ تُقدّمَ هيَ أيضاً بعضَ التنازلات. الزواجُ هو شراكةٌ، والتنازلُ جزءٌ أساسيٌّ منها."
كانَ "الشيخُ راشد" يُدركُ أنَّ "نور" فتاةٌ طموحةٌ وذكية، وأنَّ حرمانَها من فرصةٍ كهذهِ قدْ يُولّدُ لديها شعوراً بالاستياءِ على المدى الطويل. لكنَّه كانَ أيضاً يُدركُ أنَّ "سالم" لديهِ ما يُبررُ قلقَه. في مجتمعِهم، كانَ ابتعادُ الزوجةِ عن زوجِها لفتراتٍ طويلةٍ أمراً غيرَ مألوف، وقدْ يُفسّرُ بطرقٍ خاطئة.
من ناحيةٍ أخرى، كانتْ "نور" تشعرُ بضيقٍ شديد. لم تتوقعْ أبداً أنْ يُشكّلَ حلمُها العلميُّ عقبةً أمامَ زواجِها. كانتْ تُدركُ أنَّ والدي "سالم" رجلانِ تقليديان، وأنَّهما قدْ لا يتفهمانِ دوافعَها. لكنَّها لم تتوقعْ أنْ تكونَ ردةُ فعلُ "سالم" نفسه بهذا القدرِ من التردد. "يا أمي"، قالتْ "نور" لوالدتِها، "لا أعرفُ ماذا أفعل. هل يجبُ عليَّ أنْ أُضحيَ بحلمي؟" "يا ابنتي"، أجابتْ السيدةُ فاطمةُ بحنان، "الحياةُ مليئةٌ بالتحديات. وأحياناً، يتطلبُ منا بناءُ مستقبلٍ سعيدٍ أنْ نتخلى عن بعضِ الأمورِ التي نُحبُّها. لستُ أقولُ أنْ تتخلي عن حلمِكِ للأبد، لكنْ ربما تؤجلينَه. زوجُكِ هوَ الأهمُّ الآن. هوَ شريكُ حياتِكِ." "لكن يا أمي، إنها فرصةٌ قدْ لا تتكرر." "أتفهمُ ذلكَ يا نور. لكنْ تأكدي أنَّ "سالم" يُحبُّكِ، ويريدُ لكِ الأفضل. ربما تحدثي معهُ بصدقٍ عن مشاعرِكِ. ربما تجدون حلاً. إذا لم تجدوا، فالصبرُ مفتاحُ الفرج."
في لقائِهما التالي، حاولتْ "نور" التحدثَ معَ "سالم" بهدوء. "سالم"، قالتْ لهُ، "أنا أفهمُ مخاوفَكِ أنتَ ووالدَيك. لكني أريدُ أنْ تعرفَ أنَّ دراستي ليستْ هروباً، وليستْ تحدياً لِزواجِنا. بل هيَ رغبةٌ في النموِّ والتطور. أنا أؤمنُ بأنَّ الزوجةَ المتعلمةَ والمثقفةَ تُثري بيتها ومجتمعَها." نظرَ "سالم" إليها بعينينِ تحملانِ مزيجاً من الإعجابِ والأسف. "وأنا أُقدّرُ ذلكَ يا نور. لكنَّ الوضعَ مُعقد. والدي مصرٌّ على إتمامِ الزواجِ في موعدِه. وإذا سافرتِ، فسيُفسّرُ ذلكَ على أنَّكِ لا تُقدّرينَ التزاماتِكِ." "وهل أنا لا أُقدّرُ التزاماتي؟" سألتْ "نور" بصوتٍ فيهِ نبرةُ ألم. "لقدْ وافقتُ على الزواجِ، وبدأتُ في الاستعدادِ له. لكنَّ هذهِ الفرصةُ أتتْ فجأةً."
شعرَ "سالم" بأنَّ هناكَ حاجزاً غيرَ مرئيٍّ بدأَ ينمو بينهما. لم يكنْ يعرفُ كيفَ يتعاملُ معَ هذا الموقف. كانَ يُحبُّ "نور" ويُقدّرُها، لكنَّ تقاليدَ عائلتِه ومجتمعِه كانتْ أقوى من أنْ يتجاهلَها. "ربما... ربما يمكنكِ أنْ تُقنعي والديَّ؟" سألَ "سالم" بتردد. "كيفَ؟" سألتْ "نور" بيأس. "هل أتوقعُ منهما أنْ يُغيّرا قناعاتِهما الراسخةَ بينَ عشيةٍ وضحاها؟"
كانَ الصمتُ يخيّمُ بينهما. شعرتْ "نور" بأنَّها وحيدةٌ في هذا الصراع. كانتْ تتمنى لو أنَّ "سالم" وقفَ معَها، ودعمَ حلمَها، ودافعَ عنها أمامَ عائلتِه. لكنَّه كانَ مُقيّداً بمسؤولياتِه وظروفِه.
بعدَ أسبوعٍ من هذهِ المحادثة، وصلَ خبرٌ آخرُ هزَّ كيانَ "نور". اكتشفتْ أنَّ خطيبَها "سالم" كانَ لديهِ علاقةٌ سابقةٌ بفتاةٍ من عائلةٍ أخرى، وأنَّ هذهِ العلاقةَ انتهتْ بشكلٍ مأساوي، وهوَ ما يُفسّرُ حزنَه وغموضَه أحياناً. هذهِ المعلومةُ تسربتْ إليها من إحدى قريباتِها، التي أرادتْ أنْ تُحذرَها.
صُدمتْ "نور". لم تكنْ تتوقعُ هذا أبداً. هل كانَ "سالم" لا يزالُ يحملُ مشاعرَ لتلكَ الفتاة؟ هل كانَ زواجُهما مجردَ محاولةٍ لنسيانِ الماضي؟ في لقائِهما التالي، لم تستطعْ "نور" كتمانَ ما عرفتْ. "سالم"، قالتْ بصوتٍ مرتعش، "سمعتُ عن... عن علاقةٍ سابقةٍ لك. هل هذا صحيح؟" نظرَ "سالم" إليها بصدمةٍ، ثمّ بانَ عليهِ الارتباك. "من أخبرَكِ بهذا؟" "هذا ليسَ مهماً. المهمُّ هوَ الحقيقة. هل كنتَ تُحبُّها؟" تنهدَ "سالم" بعمق. "نعم يا نور. كنتُ أحبُّها. لكنَّ هذهِ العلاقةَ انتهتْ قبلَ فترةٍ طويلة. كانتْ مرحلةً من حياتي، وانتهتْ. لم تكنْ زواجاً شر