الفصل 15 / 25

حب الأبطال

وشوشات الماضي وصخب الحاضر

بقلم فاطمة النجار

تعمقت غلالة القلق التي نسجت حول روح نور. لم تكن مجرد أفكار عابرة، بل بدأت تتشكل كظلال باهتة تلقي بعبئها على أيامها. كانت تحاول جاهدة أن تعيش حياتها بشكل طبيعي، أن تنغمس في دراستها، وأن تشارك والدتها في أمور المنزل، ولكن خيالها كان يعود باستمرار إلى تلك اللحظات التي قضتها مع عبد الرحمن. كانت تتذكر تفاصيل دقيقة: طريقة جلوسه، عمق صوته، لمعان عينيه عندما كان يتحدث عن أحلامه، تلك الابتسامة الخجولة التي كانت ترتسم على شفتيه أحياناً. كانت تدرك أن هذا التفكير لم يعد ضمن الحدود الطبيعية للإعجاب.

في أحد أيام الأسبوع، وبينما كانت نور عائدة من مكتبة الجامعة، مرت بحديقة قريبة من منزل جدتها. كان المكان يعج بالأطفال والنساء، وزقزقة العصافير تملأ الأجواء. جلست على مقعد خشبي قديم، تتأمل أوراق الشجر المتمايلة بفعل نسمة الهواء. فجأة، سمعت صوتاً مألوفاً ينادي اسمها. رفعت رأسها لترى السيدة ليلى، جدتها، تقف أمامها بابتسامة دافئة، ويدها تمسك بعصاها التي أصبحت رفيقتها الدائمة.

"نور يا حبيبتي! ما الذي أتى بك إلى هنا؟" سألت جدتها وهي تقترب منها وتجلس بجانبها. ابتسمت نور وشعرت بارتياح مفاجئ. "كنت في طريقي للعودة إلى المنزل يا جدتي. أردت فقط أن أستنشق بعض الهواء النقي." نظرت إليها السيدة ليلى بنظرة ثاقبة، تلك النظرة التي كانت نور تخشاها وتتوق إليها في آن واحد. "يبدو أن هناك ما يثقل صدرك يا ابنتي. هل تريدين أن تحدثيني؟" ترددت نور للحظة. كانت جدتها دائماً مستودع أسرارها، وملجأها في أوقات الشدة. لكن الحديث عن مشاعر كهذه كان صعباً، مليئاً بالخوف من الحكم أو سوء الفهم. "الأمر ليس مهماً يا جدتي. مجرد ضغوط الدراسة."

تنهدت السيدة ليلى وقالت بصوت خفيض: "يا نور، الحياة ليست مجرد دراسة. إنها رحلة مليئة بالتحديات والعواطف. وأنتِ في عمر تشعرين فيه برغبة في الحب والارتباط. لا تخافي من هذه المشاعر، بل افهميها. المهم هو كيف نتعامل معها." صمتت نور، ولكن كلماتها كانت قد لامست وتراً حساساً بداخلها. "هل تعتقدين يا جدتي أنني... مخطئة في ما أشعر به؟" أمسكت السيدة ليلى بيد نور، وضغطت عليها برفق. "ليس الخطأ أن تشعري، يا ابنتي. الخطأ هو أن تنكري ما تشعرين به، أو أن تسلكي طريقاً لا يرضي الله. الحب شعور مقدس، ولكنه يحتاج إلى أرضية صلبة لينمو ويزدهر. أرضية من الاحترام، والصدق، والنية الحسنة." كانت جدتها تتحدث بلغة لم تستطع نور فهمها بالكامل، ولكنها كانت تشعر بعمق ما تقوله. "هل تقصدين... شخصاً معيناً يا جدتي؟" نظرت السيدة ليلى إلى الأفق، وعيناها تحملان حكمة السنين. "يا نور، الله يضع في قلوبنا أشياء. وأحياناً، تكون هذه الأشياء إشارات. إشارات لخير قادم، أو لتحذير من شر. المهم أن نستمع إلى هذه الإشارات، وأن نفكر ملياً."

لم تكن نور تعرف ماذا تقول. كانت تشعر بأن جدتها تعرف الكثير، وأنها تحاول أن تدفعها بلطف نحو اتخاذ قرار. لكن القرار لم يكن سهلاً. كان هناك ما يقلقها بشأن عبد الرحمن، بشأن الظروف المحيطة به. كانت قد سمعت بعض الهمسات من والدتها عن وضعه المالي، وعن مسؤولياته الكبيرة تجاه عائلته. كانت تخشى أن يكون هذا الارتباط عبئاً ثقيلاً عليها وعلى مستقبلها.

في نفس الوقت، كان عبد الرحمن يشعر بضغوط متزايدة. لم يكن يستطيع إخبار والدته عن مشاعره تجاه نور. كان يعلم أنها قد لا تفهم، وقد ترفض الأمر جملة وتفصيلاً. كانت السيدة زينب تفضل دائماً الارتباطات التي تضمن استقراراً مادياً واجتماعياً، وكانت تخشى من تعقيدات قد ترافق أي ارتباط خارج إطار ما تعتبره "مناسباً".

"يا عبد الرحمن، لقد تحدثت مع السيدة حميدة، خالتك. وهي متحمسة لفكرة الارتباط بينك وبين سارة. قالت إن سارة فتاة تحلم بك منذ فترة." قالت والدته ذات مساء، وعيناها تلمعان بالأمل. شعر عبد الرحمن بالدوار. "لكن يا أمي، أنا..." "لا أريد سماع 'ولكن' يا بني. سارة فتاة ممتازة، وأرى فيها الزوجة المثالية لك. إنها تفهم ظروفنا، وتستطيع أن تكون سنداً لك." كانت والدته تضع الأمور أمام الأمر الواقع. لم يكن لديه خيار سوى أن يوافق ظاهرياً، ولكنه كان يعلم أن قلبه لا يزال مشغولاً بشخص آخر. كان يتساءل إن كانت نور تشعر بنفس القدر من الارتباط، أم أنها تراه مجرد صديق أو زميل.

كانت والدة سارة، السيدة حميدة، قد بدأت بالفعل في ترتيب بعض الأمور. تحدثت مع والدة عبد الرحمن عن إمكانية عقد خطبة قصيرة، ثم الزواج مباشرة. كانت ترى في هذه الزيجة فرصة لتقوية الروابط العائلية، ولضمان مستقبل جيد لابنتها. كانت سارة نفسها، رغم خجلها، تشعر بالفرحة. كانت ترى في عبد الرحمن الرجل الذي طالما حلمت به: قوي، كريم، ومسؤول.

"يا عبد الرحمن، سمعت أن والدتك ترتب لأمر زواجك من سارة. هل هذا صحيح؟" سأل صديق مقرب له، يدعى أحمد. نظر عبد الرحمن إلى صديقه، وشعر بالحرج. "أمي تدفع باتجاه هذا الأمر. لكنني لست متأكداً تماماً." "لماذا يا صديقي؟ سارة فتاة رائعة. وأظن أن هذه فرصة جيدة لك." "لا أعرف يا أحمد. هناك أمور أخرى في ذهني." "هل تقصد نور؟" سأل أحمد بجرأة، وكان يلمح إلى شيوع هذا الأمر في بعض الدوائر. احمر وجه عبد الرحمن. "ليس لدي أي شيء مع نور. إنها مجرد زميلة." "زميلة؟ همسات أخرى تقول غير ذلك." قال أحمد بابتسامة. "رأيتها معك في رياض جدتها، وبدت عليكما علامات ارتياح كبير." شعر عبد الرحمن بأن الحيرة تزداد. هل كان ظاهره يدل على ما يشعر به؟ وهل كان هذا الظهور قد أثار تساؤلات أخرى؟

في تلك الأمسية، بينما كانت نور تتحدث مع والدتها عن تفاصيل يومها، قالت السيدة فاطمة ببعض التردد: "يا نور، والدتك سارة، خالتك حميدة، تحدثت إلي اليوم. كانت تسأل عنك." رفعت نور عينيها بدهشة. "عني؟ وماذا قالت؟" "كانت تسأل إن كنتِ... مرتبطة بأحد. وكانت تتحدث عن إمكانية ارتباطك بابنها عبد الرحمن. تقول إنها ترى فيكِ الزوجة المناسبة له." صمتت نور، ولم تستطع أن تقول شيئاً. كانت الكلمات تتداخل في عقلها، مشاعرها تتصادم مع الواقع. الارتباط بعبد الرحمن؟ هل كان هذا حقيقياً؟ أم أن والدتها كانت تتوهم؟

"لكن يا أمي، لا أعرف... أنا لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة." قالت نور بصوت مرتعش. "وأنا أيضاً يا ابنتي. لم أكن أتوقع هذا. لكن يبدو أن الأمور بدأت تأخذ منحى آخر." شعرت نور بأن العالم يدور بها. كانت تقف على مفترق طرق، وطريقان يمتدان أمامها، كل منهما يحمل وعداً وخطراً. طريق نحو ارتباط قد يكون مبنياً على رغبة الآخرين، وطريق آخر يحمل في طياته مشاعر خفية، مشاعر كانت تخشى أن تعترف بها حتى لنفسها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%