الفصل 20 / 25

حب الأبطال

أشباح الماضي وظلال المستقبل

بقلم فاطمة النجار

بعد ليلةٍ سادها الترقب، استيقظ الصباح محمّلاً بأملٍ جديد، لكنّ خيوط القلق كانت لا تزال تتشابك حول القلوب. خبر استجابة علي، رغم ما فيه من بشرى، لم يخفف من حدّة التوتر الذي خيّم على بيت الجدّ عبد الرحمن. كان كلّ واحدٍ من أفراد الأسرة ينظر إلى الآخر بعينين تحملان مزيجاً من الفرح والخوف.

في عصر ذلك اليوم، وصل "سليمان"، والد علي. كان وجهه قد ازداد نحافةً، وعيناه غارت فيهما. لم يعرف بعد باستجابة ابنه، وكان قد جاء محمّلاً بأخباره الخاصة، والتي لم تكن تبشّر بالخير.

"كيف حاله؟" سأل سليمان بصوتٍ أجشّ، فور دخوله المجلس. كان أحمد قد أبلغه قبل وصوله عن تحسّن حالة علي، لكنه لم يذكر تفاصيل الاستجابة.

"الحمد لله، هناك تحسنٌ ملحوظٌ، يا عمي،" أجاب أحمد، وهو يحاول أن يخفي قلقه. "الأطباء متفائلون."

لكنّ سليمان لم يكن يبدو مطمئناً. "التفائل لا يكفي يا أحمد. أنا قادمٌ من عند… من عند بعض الجهات. هناك معلوماتٌ وصلتني. معلوماتٌ خطيرةٌ جداً."

جلس سليمان، وأخذ نفساً عميقاً. "لقد علمت أن علي كان متورطاً في شيءٍ أكبر مما كنا نتصور. شيءٌ متعلقٌ بتلك الصفقة العقارية التي اختفت. يبدو أنه كان يحاول كشف أمرٍ ما، ولم يدرك حجم الخطر الذي كان يحيط به."

نظرت فاطمة إلى أحمد، وشعرت برعدةٍ تسري في أوصالها. كانت تعرف أن علي كان لديه جانبٌ آخر، جانبٌ لم يظهر له إلا في أضيق الحدود.

"صفقة عقارية؟" سأل الجدّ عبد الرحمن، وكان يتابع الحديث بتركيزٍ شديد. "لم تخبرنا شيئاً عن هذا يا سليمان."

"لم أكن أعرف التفاصيل الكاملة، يا أبي. علي كان متحفظاً جداً. لكنّ المعلومات التي وصلتني تشير إلى تلاعبٍ كبير، وإلى أشخاصٍ نافذين. يبدو أن علي اكتشف دليلاً، وكان على وشك تقديمه."

ارتعش صوت سليمان وهو يقول: "والآن، كلّ ما أخشاه هو أن يكون ما حدث له، هو نتيجةٌ لهذا الاكتشاف. الخطر لم ينتهِ يا أحمد. بل ربما بدأ الآن."

شعر أحمد ببرودةٍ تسري في عروقه. إذا كان علي قد اكتشف دليلاً، فهذا يعني أن هناك من لديه مصلحةٌ في إبقائه صامتاً، وفي إخفاء ما اكتشفه. وهذا يعني أيضاً أن "مالك"، الذي كان يحيط بعلي في تلك الفترة، قد يكون متورطاً بشكلٍ مباشر.

"وهل تعرف من هم هؤلاء الأشخاص؟" سأل أحمد، بصوتٍ فيه حدّة.

"هذا ما أحاول معرفته،" أجاب سليمان. "لكنّ المعلومات التي لديّ تشير إلى أسماءٍ كبيرة، أسماءٍ يصعب التعامل معها. لا نريد أن نثير ضجةً قد تضرّ بعلي أكثر."

تداخلت الأحاديث، وعادت الهمسات تتكاثر. كانت فاطمة تشعر بالضياع. هل كان علي بطلاً يحاول كشف الفساد، أم ضحيةً لتهوّره؟ وهل كان نجاته مجرد صدفة، أم إن هناك من سعى لحمايته؟

"يا سليمان،" قال الجدّ عبد الرحمن، وهو ينظر إلى ابنه بعمق. "لا يهمّ الآن من هم، ولا ما هو مدى قوتهم. الأهمّ هو صحة علي. وبمجرد أن يستيقظ، سنعرف الحقيقة. ولكن يجب أن نكون مستعدين. مستعدين لكلّ الاحتمالات."

كان أحمد يشعر بمسؤوليةٍ متزايدة. لقد وعد والده، قبل وفاته، بأن يعتني بعلي. والآن، بعد اكتشافات سليمان، شعر بأنّ هذه الوصية تحمل وزناً أثقل مما كان يتصور. لم يكن الأمر مجرد حادث سير، بل مؤامرةٌ مدبرة.

"وماذا عن "سميرة"؟" سأل أحمد فجأة. "هل لها علاقةٌ بهذا كله؟"

تردد سليمان قليلاً. "سميرة… لم أعرف عنها شيئاً منذ فترة. لكنّ علي كان يتحدث عنها كثيراً قبل الحادث. كان يقول إنها… قد تكون مفتاحاً."

"مفتاحاً لأي شيء؟" سألت فاطمة، وقد استعادت جزءاً من قوتها، وبدأت تشعر بالفضول المشوب بالحذر.

"مفتاحاً للحقيقة، ربما،" قال سليمان، وهو يرفع كتفيه. "لقد كان علي يحاول التأكد من بعض الأمور، وكان يعتقد أن سميرة تعرف شيئاً. لكنّني لم أستطع الحصول على تفاصيل أكثر."

فهم أحمد حينها. علي كان يحاول أن يجمع الأدلة، وكان يعتقد أن سميرة، رغم كلّ شيء، قد تملك معلومةً حاسمة. لكنّ هذا جعل الأمور أكثر تعقيداً. فإذا كانت سميرة متورطةً، فكيف يمكن الوثوق بها؟ وإذا لم تكن كذلك، فهل يمكنها أن تساعد؟

"مالك،" قالت فاطمة فجأة، وقد لمعت عيناها بنورٍ من الفهم. "أحمد، هل تتذكر ما قاله علي عن مالك؟ عندما قال إنه… إنه لا يثق به؟"

نظر أحمد إلى فاطمة. "نعم، أتذكر. كان يقول إن مالك يحاول أن يسيطر على أموره."

"وربما… ربما كان مالك هو الشخص الذي كان علي يحاول كشفه،" أردفت فاطمة، وهي تشعر بأنّ خيوط القصة بدأت تتضح. "ربما كان مالك هو من كان يحاول إخفاء الصفقة، وهو من كان يراقبه."

اشتعلت شرارةٌ في عيني أحمد. لقد ربط كلّ شيء. سمعته يتحدث عن صفقةٍ عقارية، عن أشخاصٍ نافذين، عن سميرة، وعن مالك. كلّ هذه الأجزاء بدأت تتجمع لتكوّن صورةً قاتمة.

"إذا كان الأمر كذلك،" قال أحمد، وهو يشعر بنشوةٍ غريبة ممزوجةٍ بالخوف. "فهذا يعني أننا نواجه عدواً خطيراً. عدواً لا يرحم."

"وماذا سنفعل؟" سأل سليمان، وبدا عليه الإعياء. "نحن لا نملك دليلاً قوياً. وكلّ ما نعرفه هو من كلام علي، وهو الآن… نائم."

"سننتظر حتى يستيقظ،" قال الجدّ عبد الرحمن بحزم. "وعندما يستيقظ، سيخبرنا كلّ شيء. ولكن حتى ذلك الحين، علينا أن نكون على أهبة الاستعداد. وأن نكون أذكى من الذين يحاولون إخفاء الحقيقة."

بدأت الشمس تميل نحو المغيب، تلقي بظلالها الطويلة على المجلس. كانت الظلال تشبه أشباح الماضي التي بدأت تطلّ على الحاضر، وتلقي بظلالها على المستقبل. شعر أحمد بأنّ مسؤوليةً ضخمة قد وقعت على عاتقه. لم يعد الأمر مجرد حماية علي، بل كشف الحقيقة، وإن كان ذلك يعني مواجهة قوى عظيمة.

نظر أحمد إلى فاطمة، وشعر بقوةٍ لا تعرفها إلا القلوب التي تتكاتف في مواجهة المحن. كانت عيناها تفيضان بالعزم، وبالإصرار على كشف كلّ خبايا هذه القصة.

"سنعرف الحقيقة، يا عمي،" قال أحمد، موقناً. "وسنكشف كلّ من يقف وراء هذا. مهما كان الثمن."

كانت تلك الكلمات بمثابة إعلان حربٍ صامتة. حربٌ لا تخاض بالأسلحة، بل بالحقائق، وبالصبر، وبالإيمان. وكانت المعركة الحقيقية قد بدأت للتوّ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%