حب الأبطال
وهج الشهوة وقبضة القيود
بقلم فاطمة النجار
كانت ليالي خالد تشتعل بنار لا تخمد. لم تعد الغرفة الفسيحة، المزينة بزخارف هندسية دقيقة تحكي قصص حضارات غابرة، ملجأً له، بل سجناً تطارده فيه ظلال الماضي. كان جسده المنهك يئن تحت وطأة سهرٍ لا ينقطع، وعقله المرهق يتخبط في متاهة الأفكار. لم تكن رغبته في إثبات ذاته أمام والده، الشيخ سالم، هي الدافع الوحيد، بل كانت هناك قوة خفية، شهوة جامحة، تدفعه إلى مزيد من الانغماس في عالمٍ كان يظن أنه قد تخلص منه.
في إحدى الليالي، وبينما كانت المدينة النائمة تتنفس هدوء السكون، استيقظ خالد على رنين هاتفه. كان الرقم مألوفاً، وعدوّاً في آن. لم يتمالك نفسه، ومدّ يده المرتعشة ليلتقطه. صوتٌ أجش، مشبعٌ بلمسةٍ خبيثة، اخترق صمت الغرفة: "هل اشتقت إلى الأصوات القديمة يا خالد؟ هل مللت من رتابة الحياة الطيبة؟".
تشنج جسد خالد. لقد عرف هذا الصوت جيداً. صوت "أمير"، الشخص الذي كان رفيق دربه في ماضٍ موحل، والذي لم يترك باباً للخير إلا وحاول سدّه أمامه. قال أمير بتهكم: "لدينا صفقة جديدة، صفقة ستعيد لك بريقك، وتثبت لوالدك كم أنت رجلٌ قادر. لا تفكر طويلاً، فالفرصة لا تأتي مرتين".
ارتعشت شفتا خالد. كان يعرف أن هذا طريقٌ مظلم، طريقٌ يعود به إلى الهوة التي كاد ينجو منها. لكن وسوسات أمير كانت تغذّي ضعفه، وتستغل تباعده عن رفاقه الصالحين. كان يشعر بفراغٍ يتسع بداخله، فراغٌ لم يستطع نور الإيمان وملء الفراغات الروحية أن تملأه كلياً بعد.
في صباح اليوم التالي، وبينما كانت الشمس ترسل خيوطها الذهبية لتداعب واجهات البيوت العريقة في حيّهم، جلس خالد في مجلس والده. كان الشيخ سالم، شيخٌ في السبعين من عمره، يتمتع بحكمةٍ ورزانةٍ اكتسبهما من سنين عمره الطويلة. وجهه البشوش، وعيناه اللتان تحملان نور الإيمان، كانا دائماً مصدر طمأنينةٍ لخالد.
"أبا خالد"، قال الشيخ سالم بصوته الهادئ، "لقد لاحظتُ بعض التغيير عليك في الآونة الأخيرة. يبدو أن أعباء العمل تثقل كاهلك، أو لعلّ هموماً أخرى تشغل بالك. تذكّر يا بني، أن قوتنا ليست في إرهاق أجسادنا، بل في سكينة أرواحنا. استعن بالله، وأكثر من ذكرِه، فإن الذكرى تطمئن القلوب".
تلعثم خالد في الرد. أراد أن يخبر والده عن العرض الذي قدمه أمير، وعن الصراع الذي يدور في داخله. لكن الكلمات تجمدت على شفتيه. كيف له أن يفسر لوالده، الذي بنى حياته على مبادئ التقوى والصلاح، أنه يفكر في العودة إلى طريقٍ كان يحارب فيه كل ما يؤمن به؟
"أبي"، بدأ خالد متردداً، "العمل يتطلب مني جهداً مضاعفاً. هناك بعض التحديات الجديدة، لكني سأجتازها بإذن الله".
ابتسم الشيخ سالم بحنوّ. "وأنا أثق بك يا بني. أنت وارثٌ لجدّك، وأعرف معدنك الأصيل. لكن تذكّر، أن النجاح الحقيقي ليس فيما تجمعه من مالٍ أو جاه، بل فيما تتركه خلفك من أثرٍ طيب، وفي رضا الله عنك. هل تذكر قصة جدّك عندما كان تاجراً؟ لقد كان يمرّ بظروفٍ عصيبة، لكنه لم يتخلّ عن مبادئه أبداً. وكان جزاؤه بركةً في ماله وولده".
كانت كلمات والده سيفاً يقطع في قلبه، لا يجرح ولكنه يذكرّه بمدى خطورة الطريق الذي يفكر في السير فيه. كان يرى في وجه والده نقاءً وطهارةً، ويرى في نفس الوقت صورة أمير، بوجهه الماكر وكلماته المسمومة.
في المساء، وبينما كانت الأسرة مجتمعة حول مائدة الطعام، كانت عينا "فاطمة"، ابنة عم خالد، تراقبه بخفية. كانت فاطمة، شابةٌ في أوائل العشرينيات، تتمتع بجمالٍ هادئ، وبقلبٍ طيب، وملتزمةٌ بتعاليم دينها. كانت تحترم خالد احتراماً كبيراً، وترى فيه صورةً للأخلاق النبيلة، لكنها أيضاً لاحظت ذلك التغيير الغامض الذي طرأ عليه.
"خالد"، قالت فاطمة بصوتٍ خجول، "هل أنت بخير؟ تبدو شاحباً بعض الشيء".
التفت خالد إليها، وقد ارتسم على وجهه ابتسامةٌ مصطنعة. "أنا بخير يا ابنة عمي، لا تقلقي. مجرد بعض التعب من العمل".
"العمر لا يُعوض، يا خالد"، قالت والدته، "فلا تدع العمل يلهيك عن صحتك وراحتك. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: 'إن لجسدك عليك حقاً'".
شعر خالد بالضيق. الكل يلاحظ. الكل يرى ظلال ضعفه تتسلل إلى حياته. كان يتمنى لو يستطيع أن يختفي، أن يعود إلى تلك الغرفة المعتمة التي كانت عالمه الوحيد، حيث لا عين تراقب، ولا صوت يعاتب.
في تلك الليلة، استجاب خالد لنداء أمير. التقى به في مكانٍ بعيد عن الأعين، في طرف المدينة، حيث تتوارى الأضواء وتتسلل الظلال. رأى خالد في عيني أمير بريقاً لم يكن بريق النجاح، بل كان بريق الشياطين.
"هذه هي فرصتك يا خالد"، قال أمير وهو يضع أمامه حقيبةً جلديةً تبدو ثقيلة. "كل ما عليك فعله هو تسليمها لمن أرسلتك إليه. مبلغٌ مغرٍ بانتظارك، وهذا المبلغ سيجعلك تنسى كل همومك، وسيفتح لك أبواباً كانت مغلقة".
نظر خالد إلى الحقيبة، ثم إلى وجه أمير. كان يرى في هذا اللقاء تجسيداً لمعركته الداخلية. هل سيستسلم لضعفه، ويتخلى عن كل ما آمن به؟ أم سيجد القوة الداخلية، تلك القوة التي غرسها فيه والده ووالدته، ليرفض هذا العرض المظلم؟
القرار يقع بين يديه. قبضة القيود بدأت تشتد، ووهج الشهوة يتصاعد. فهل ستكون هذه الليلة بداية سقوطه، أم بداية انتصاره على نفسه؟