الفصل 6 / 25

حب الأبطال

ثمن الخطيئة وأشباح الماضي

بقلم فاطمة النجار

كانت الحقيبة الجلدية الثقيلة بين يدي خالد، تزن بما لا يقاس من ماله. لم يكن الوزن مجرد ثقلٍ مادي، بل كان ثقلاً معنوياً يضغط على روحه، ويهمس له بصوتٍ خبيث عن لذةٍ سريعة، وعن حلولٍ آنية لمشاكله. أمير، بابتسامته المتعالية، كان يراقبه كصقرٍ يتربص بفريسته.

"لا تفكر طويلاً يا خالد"، قال أمير بصوتٍ متهكم، "إنها مجرد خطوة. خطوةٌ إلى عالمٍ لا يعرف حدوداً، عالمٌ سيعيد إليك الشعور بالقوة والسيطرة. والدك لن يعرف شيئاً. مجرد صفقةٌ سريعة، وكفى".

كانت كلمات أمير تغذي نار الشهوة والرغبة في الاستعجال. كان خالد يعلم أن هذه الصفقة، مهما كانت سريعة، ستترك وراءها أثراً، أثراً لا يمكن محوه بسهولة. رأى في خيالِه وجه والده، الشيخ سالم، وقلبه الطيب، وحكمته البالغة. هل يستطيع أن يرى نفسه في مرآة هذا الفعل؟ هل يستطيع أن يواجه نظرة والده، ونظرة خالقه؟

"لا أستطيع"، قال خالد بصوتٍ متهدج، والارتجاف يسري في أوصاله. "هذا ليس طريقي. أنا... أنا تبت عن هذا الطريق".

تفاجأ أمير. لم يكن يتوقع هذه المقاومة. كان يعتمد على ضعف خالد، على حاجته للمال، وعلى انقطاعه عن الطريق الصحيح. "هل تمزح معي يا خالد؟" قال أمير بضحكةٍ مريرة. "تذكر من أنت! لقد كنتَ واحداً منا. لا تتظاهر بالصلاح الآن، فذلك لن يجدي معك. أنت تعرف أن هذا العالم هو عالمك، وعالم القوة الحقيقية".

"القوة الحقيقية ليست في الظلام"، رد خالد، وحاول أن يجد في صوته ثباتاً لم يكن يشعر به. "القوة في النور، وفي الحق. لقد أخطأتُ كثيراً، لكني أسعى للإصلاح. وأنا لن أعود إلى ما كنت عليه".

تغيرت ملامح أمير. زالت الابتسامة، وحلت محلها نظرةٌ باردة، تحمل تهديداً صريحاً. "أنت تخذلني يا خالد. بعد كل ما فعلته من أجلك. تذكر أنني الوحيد الذي مدّ لك يد العون عندما تركك الجميع. ألا تخاف من الأشباح التي ستلاحقك؟ ألا تخاف مما سيحدث إذا انكشفت أمور أخرى؟"

كانت هذه الكلمات كالسمّ في أذني خالد. كانت تذكّره بأمورٍ حاول أن ينساها، بأخطاءٍ دفنها في أعماق قلبه. كان يعرف أن أمير لم يكن مجرد شخصٍ عادي، بل كان يمتلك معلوماتٍ خطيرة، ومعلوماتٍ قد تدمر سمعته، وتجلب له العار.

"أنا لا أخشى شيئاً إلا الله"، قال خالد، وحاول أن يجعل كلماته قوية، لكن صوته كان يهتز. "ولن أجعل من خوفي وسيلتك لتعود بي إلى طريق الجحيم".

غضب أمير. "سوف تندم على هذه اللحظة يا خالد. سوف تندم أشد الندم. ولن تكون في مأمن مني أبداً".

ترك أمير المكان بغضبٍ شديد، تاركاً خالد واقفاً وحيداً مع الحقيبة. نظر خالد إلى الحقيبة، ثم إلى السماء المظلمة. شعر بوحشةٍ عميقة، وبأنّ أشباح الماضي قد بدأت تلوح في الأفق. كان يعلم أن رفضه لأمير لن يمرّ مرور الكرام.

عاد خالد إلى منزله في وقتٍ متأخر من الليل. كانت الأضواء مطفأة، والهدوء يلفّ المكان. دخل غرفته، ورمى بنفسه على السرير. لم يستطع النوم. كانت الأفكار تتصارع في رأسه. لقد أنقذ نفسه من صفقةٍ مظلمة، لكنه فتح باباً لصراعٍ جديد، صراعٍ مع أمير، ومع ماضٍ لم يندثر تماماً.

في تلك الليلة، وبينما كان خالد يحاول أن يغفو، سمع صوتاً خافتاً يأتي من خارج غرفته. صوتٌ يشبه صوت طائرٍ صغيرٍ يبكي. استيقظ بالكامل، وخرج من غرفته بحذر. وجد "ليلى"، ابنته ذات السنوات الخمس، واقفةً في ممرّ المنزل، وهي تبكي بصمت.

"ليلى؟" قال خالد بصوتٍ حنون، وهو يحملها بين ذراعيه. "ماذا بك يا حبيبتي؟ لماذا تبكين؟"

"رأيتُ حلماً سيئاً يا أبي"، قالت ليلى وهي تحتضنه بقوة. "رأيتُ ظلاماً كبيراً، وظلالاً مخيفة".

عانقها خالد بشدة، محاولاً أن يطمئنها. كان يعلم أن خوفها هو انعكاسٌ لخوفه الداخلي. كان يريد أن يحميها من كل سوء، وأن يبني لها مستقبلاً مشرقاً. لكن كيف له أن يحميها، وهو نفسه يتصارع مع أشباح الماضي؟

جلس خالد مع ليلى في غرفة المعيشة، يحاول أن يهدئها. كان يقرأ لها قصصاً عن الأبطال والشجعان، عن الذين واجهوا الشر وانتصروا عليه. كان يحاول أن يغرس فيها قيم الشجاعة والإيمان، لعلها تكون درعاً لها في المستقبل.

في صباح اليوم التالي، ذهب خالد إلى مكتب والده. كان يرغب في الاعتراف بكل شيء. أراد أن يضع حداّ للصراع الداخلي. "أبي"، قال خالد بتردد، "هناك أمرٌ هام أريد أن أتحدث معك فيه".

نظر الشيخ سالم إليه بعينين مليئتين بالحنان. "قل يا بني، أنا أسمعك".

"لقد... لقد عدتُ إلى بعض علاقات الماضي السيئة"، قال خالد ببطء، وكل كلمة كانت كالحجر. "لقد حاولتُ أن أطلب مني العودة إلى طريقٍ مظلم، طريقٍ كنتُ قد تبتُ منه. ولقد رفضتُ ذلك. لكني... لكني أخاف. أخاف من عواقب هذا الرفض، ومن الأسرار التي يمتلكها هؤلاء الأشخاص".

استمع الشيخ سالم إلى كلام ابنه بصبرٍ وهدوء. لم يقاطعه، بل سمح له بأن يفرغ كل ما في صدره. عندما انتهى خالد، تنهد الشيخ سالم بعمق.

"يا بني"، قال والده بصوتٍ مليءٍ بالحكمة، "الشيطان لا ييأس أبداً من إغواء الإنسان. لكن الله رحيمٌ بعباده. إن توبتك الصادقة، ورفضك لهذا الشر، هما أكبر انتصار. أما عن أشباح الماضي، فمهما كانت مخيفة، فإن نور الحق أقوى منها. وسنتعاون معاً لنتجاوز هذه المحنة. تذكر، أنت لست وحدك. معك عائلتك، ومعك الله".

شعر خالد ببعض الارتياح. لم يكن يلوم والده، ولم يكن يتوقع منه سوى الدعم. كانت كلمات والده كبلسمٍ شافٍ لجروحه. لكنه كان يعلم أن الصراع لم ينتهِ بعد. لقد رفض أمير، لكن أمير لن ينسى.

في تلك الأثناء، كانت فاطمة، ابنة عم خالد، تشعر بقلقٍ متزايد. لاحظت أن خالد أصبح أكثر انطواءً، وأن هناك أمراً ما يثقل كاهله. حاولت أن تتحدث معه، لكنه كان يتهرب من الحديث. كانت تخشى أن يكون قد وقع في فخٍ ما.

"أتمنى أن يكون خالد بخير"، قالت فاطمة لوالدتها، وهي تنظر إلى سماءٍ ملبدةٍ بالغيوم. "أشعر أن هناك شيئاً ما يحدث، شيئاً قد يؤثر علينا جميعاً".

كانت الرياح العاتية تعصف بالأشجار، وكأنها تحمل معها نذير شؤم. لقد رفض خالد الظلام، لكن الظلام كان يستعد للانتقام. والقبضة التي حاول أن يتملص منها، بدأت تتشابك بخيوطٍ أكثر خبثاً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%