حب وكرامة الجزء الثالث
رياح عاتية تهب على قصر الأندلس
بقلم مريم الحسن
كانت يداها ترتعشان وهي تسحب قضبان القفص المعدني الثقيل، وصوت احتكاكه بالحديد يصم الآذان في صمت الليل المطبق. تحت ضوء القمر الباهت الذي تسلل عبر النوافذ العالية، بدت الظلال راقصة على جدران غرفة الحبس، ترسم أشكالاً مخيفة لوحت بها مخيلتها المرهقة. لم يكن هذا سجناً تقليدياً، بل كان جناحاً واسعاً في قصر الأندلس، قصر عائلتها الذي احتضنها منذ نعومة أظفارها. أما هي، فكانت أميرة حبيسة، أسيرة لجدران مذهبة وستائر مخملية، وأسيرة لواقع لا تطمح إليه.
"لن أسمح لكم بتقييدي!" همست لنفسها، وصوتها بالكاد وصل إلى مسامعها. كانت عيناها، اللتان اعتادتا أن تشعّا بالذكاء والحياة، تحملان الآن بريقاً متمرداً وعزيمة صلبة. تركت القضبان لتصدر صوتاً مكتوماً، وارتدت خطوتها المتأنية نحو النافذة. اتكأت بجبهتها على الزجاج البارد، تتنفس الهواء العليل الذي حمل رائحة الياسمين المتسللة من الحديقة السفلية. في الخارج، كانت النجوم تتلألأ كدموع ماسية على وشاح الليل، وكأنها تشاطرها وحدتها وسأمها.
كانت هذه الليلة هي الأخيرة. لقد اتخذت قرارها. لن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى مصيرها يُنسج خلف الكواليس، بعيداً عن إرادتها. زواج، ليس عن حب، بل عن صفقة. صفقة تبدو لأبيها، السيد عدنان، ضرورية لبقاء مجد عائلته، ولها، كانت بمثابة حكم إعدام لحلم طالما داعب قلبها.
مرت في مخيلتها صور الأيام الخوالي، أيام البراءة والضحك، عندما كانت تجري في أرجاء هذه القاعة الواسعة، تلعب مع أخيها الأصغر، وتسمع قصص جدتها عن أصولهم العريقة. كانت تحب هذا المكان، تحب كل حجر فيه، كل زاوية، كل نسمة. ولكن الآن، أصبح رمزاً لقيودها.
"يا ليل، هل تسمعني؟" نطقت باسم الليل، شريكتها الوحيدة في هذه الساعات الحالكة. "أنا لست مجرد أميرة، أنا أرواح، أنا أحلام، أنا ماضٍ ومستقبل. لن تكونوا لي سجاناً."
تراجعت عن النافذة، وعادت إلى وسط الغرفة. كانت حقيبة صغيرة، قد جهزتها سراً على مدى أيام، ملقاة على الأريكة العتيقة. كانت تحتوي على ما يكفي من المال، وبعض الملابس البسيطة، وكتاب بخط يدها، تحوي خواطرها وأشعارها. كل ما تحتاجه لتبدأ من جديد.
بصوت خافت، تلاشت فيه تلك النبرة المتمردة ليحل محلها حزن عميق، قالت: "أبي، سامحني. لم أعد أحتمل. هذه القيود أثقل من أن أحملها."
كانت خادمتها الأمينة، فاطمة، قد ساعدتها في هذه الخطة. فاطمة، التي ربّتها وأحبتها كابنتها. لقد تركت لها رسالة وداع، ووعدت بأن ترسل لها ما تيسر عندما تستقر.
استمعت إلى أصوات خافتة قادمة من خارج الجناح. كانت أصوات الخدم، وهم يتجولون في أروقة القصر. أدركت أن الوقت يداهمها.
تسللت إلى خزانة ملابسها الضخمة، التي كانت مليئة بالفساتين الفاخرة، إلا أنها لم تكن تملك منها شيئاً تفضله. اختارت ثوباً بسيطاً من القطن، بلون أبيض ناصع، وبنطالاً مريحاً. غيرت ملابسها بسرعة، ثم ارتدت عباءة داكنة، ووشاحاً غطى شعرها الطويل، الذي كان دائماً مصدر فخرها.
نظرت إلى صورتها المعلقة على الحائط، صورة بالزي الرسمي، بابتسامة مصطنعة، وعينين تخفيان بحراً من الأسئلة. لم تكن تلك هي. هي الآن مختلفة. أقوى، وأكثر تصميماً.
توجهت نحو الباب، ثم توقفت. سمعت صوت خطوات تقترب. أسرعت نحو الحائط، وضغطت على أحد الألواح الخشبية المزخرفة. انفتح باب سري صغير، بالكاد مرئي. كان هذا مخرجاً قديماً، عرفته من قصص أجدادها.
انزلقت في الممر الضيق المظلم، وأغلقت الباب خلفها بصوت مكتوم. استنشقت رائحة الغبار والرطوبة، رائحة تاريخ منسي. ظلام دامس، ولكنه لم يكن ليخيفها. كان الظلام أحياناً ملاذاً، وليس سجناً.
مسكت بمصباح زيتي صغير، كان قد وجدته في أمتعتها. أشعلت فتيلته، فتطاير ضوء خافت، يكشف عن جدران متهالكة، وشبكات عنكبوتية. بدأت تسير، خطوة بخطوة، متتبعة الممر الذي اعتقدت أنه سيقودها إلى خارج أسوار القصر.
كانت تقف أمام قرار مصيري، قرار سيكتب مستقبلها. لم تكن تعرف ما الذي ينتظرها خارج هذه الجدران، ولكنها كانت تعلم شيئاً واحداً: أنها لن تستسلم. وأن كرامتها، التي هددوها بسلبها، هي أغلى ما تملك.
بينما كانت تسير في الممر، سمعت صوتاً قادماً من الأمام. توقفت، وقلبها يخفق بقوة. هل هو أحد الحراس؟ هل اكتشفوا هروبها؟
أطفأت المصباح، واندمجت في الظلام. استمعت جيداً. لم يكن صوت حارس، بل كان صوتاً مختلفاً، صوتاً لحوار هادئ.
"هل أنت متأكد من هذا، يا فهد؟" سأل صوت رجولي عميق.
"والله يا عمي، لا أستطيع تحمل هذا الوضع أكثر. لقد حاولنا كل شيء." أجاب صوت آخر، بدا شاباً، ومليئاً بالضيق.
"هذه القرارات ليست سهلة. ولكن، ربما يكون هذا هو الحل الوحيد." قال الصوت الأول، مع تنهيدة ثقيلة.
من تكونان؟ وماذا يتحدثان؟ هل هما من ضمن خطة أبيها؟ أم أنهما أشخاص عاديون، يتحدثون عن مشكلة مشابهة؟
واصلت التسلل، حتى وصلت إلى نهاية الممر. كان هناك ضوء خافت يتسلل من شق صغير في أحد الجدران. ألقت نظرة، فرأت مشهداً فاجأها.
كانت الغرفة التي يقفان فيها، على ما يبدو، مستودعاً قديماً. والشخصان كانا يجلسان على صندوق خشبي. أحدهما، يبدو رجلاً في منتصف العمر، ذو لحية بيضاء، وملامح حانية. والآخر، شاب وسيم، ذو عينين تحملان شغفاً وحزناً في آن واحد.
لم تستطع رؤية وجه الشاب كاملاً، ولكنها سمعت صوته بوضوح. بدا مألوفاً بطريقة غريبة.
"أتمنى أن تجد ما تبحث عنه، يا فهد." قال الرجل المسن. "وأن يكون هذا الطريق مباركاً لك."
"آمين، يا عمي. ودعواتكم تظل معي." قال الشاب، ثم نهض.
شعرت بأنها تعرف هذا الشاب. لم تعرف كيف، ولكنها شعرت بذلك. هل يمكن أن يكون هو؟ الرجل الذي تتحدث عنه الألسنة في حفل الخطوبة؟
سمعت صوت خطواته تقترب من اتجاهها. رفعت يدها، واستعدت للفرار. ولكن شيئاً ما جعلها تتوقف. فضول؟ أم شعور غامض؟
توقف الشاب أمام الباب السري، ووضع يده على اللوح الخشبي. توقفت أنفاسها. هل اكتشفها؟
ثم، حدث ما لم تتوقعه. لم يفتح الباب. بدلاً من ذلك، تراجع قليلاً، وقال بصوت مرتفع: "لا أظن أنني سأجد ما أريده في هذا المكان. يبدو أن كل شيء هنا قد دفن."
ثم ابتعد، واختفت خطواته.
بقيت واقفة في الظلام، وذهنها يتسابق. من هو هذا الشاب؟ ولماذا كان يبحث في هذا المستودع؟ هل كان يبحث عن شيء مفقود، أم عن مخرج؟
شعرت بأنها قد استُدرجت إلى لعبة أكبر مما كانت تتخيل. وأن هروبها ليس سوى بداية لما هو قادم.