حب وكرامة الجزء الثالث

بوادر الشك ومرارة الفراق

بقلم مريم الحسن

كانت نسمات الفجر الأول تتسلل ببرود نحو نافذة غرفة سارة، حاملة معها وعداً بيوم جديد، لكن قلبها كان لا يزال غارقاً في ظلام ليلة أمس. تذكرت بصيص الأمل الذي لاح في عينيها حين وعدها أحمد بالعودة، لكن الشك بدأ يتسلل إلى روحها كالحشرة الزاحفة. هل كان وعده مجرد تلطيف لواقع مرير؟ هل كانت المسافة التي ستفصل بينهما، تلك المسافة التي قد تتسع كل يوم، قادرة على أن تخنق ما بدأ ينمو بينهما من حب طاهر؟

نهضت من فراشها، وبدأت تتجهز ليومها، لكن كل حركة كانت تخلو من حيوية الأمس. اختارت ثوباً بلون السماء الصافية، علّ اللون يمنحها بعضاً من سكينته، لكن انعكاسها في المرآة بدت شاحبة، وعيناها تحملان أثراً عميقاً للحزن. نزلت إلى المطبخ حيث كانت والدتها تعدّ الفطور، ورائحة القهوة العربية تفوح لتملأ المكان.

"صباح الخير يا ابنتي،" قالت الأم بصوت دافئ، وهي تراقب وجه ابنتها بقلق. "هل نمتِ جيداً؟"

ابتسمت سارة ابتسامة باهتة. "صباح النور يا أمي. نعم، الحمد لله."

"تبدين متعبة،" قالت الأم، وهي تضع أمامها طبقاً من التمر والجبن. "أحمد لم يترك لكِ أثراً من الراحة؟"

تنهدت سارة، وأخذت تقلب تمرة بين أصابعها. "الأمر ليس كذلك يا أمي. لكن... الانشغال بشؤون السفر، وترتيب ما تبقى... كل هذا مرهق."

لم تنخدع الأم بكلمات ابنتها. كانت تعرف ابنتها جيداً، وتدرك أن وراء هذه الكلمات تساؤلات أعمق ومشاعر لم تبح بها. "إذا كنتِ تريدين التحدث، أنا هنا. دائماً."

"أعلم يا أمي،" قالت سارة، وامتزج صوتها بالامتنان. "لكنني أرجو أن يكون الأمر مجرد سحابة صيف."

في بيت أبي أحمد، كان الأب يتابع ابنه في ترتيب حقائبه. كانت الوجوه حوله تحمل قلقاً ممزوجاً بالاصرار. أحمد، بصلابته المعهودة، كان يبدو حازماً، لكن عينيه كانتا تخفيان صراعاً داخلياً.

"هل أنت متأكد من هذا القرار يا بني؟" سأل الأب، وهو ينظر إلى أحمد بنظرة أبوية تحمل الكثير. "الأمر ليس هيناً، والسفر طويل."

أجاب أحمد بهدوء. "أعلم يا أبي. لكن الفرصة أمامنا، ولا يمكن أن نفوتها. إنها مسؤولية عظيمة، وأنا مستعد لأدائها."

"ولكن هل سارة مستعدة؟" طرح الأب سؤالاً مباشراً، يعرف أن أحمد يكنّ لها مشاعر عميقة.

احمرّ وجه أحمد قليلاً. "لقد تحدثنا يا أبي. وهي تتفهم. كلانا يتفهم."

"التفاهم شيء، وتقبل الأمر واقعياً شيء آخر،" قال الأب، ووضع يده على كتف ابنه. "لا تستهن بما تحمله القلوب من مشاعر، خاصة تلك التي تتشكل في مثل هذه الظروف. أنت تحمل معها أملاً، وأملها فيك."

تنهد أحمد. "أنا أعلم. وسأعود. وعد."

"الوعد يحتاج إلى سنده، وسند الوعد هو العمل والحرص،" قال الأب. "كن قوياً، وكن حكيماً. وتذكر أن قلبها معك."

وفي هذه الأثناء، كانت لبنى، صديقة سارة المقربة، تصل إليها حاملة معها بعض الأغراض التي نسيتها في عجلة تحضير سفر أحمد. فور أن رأت وجه سارة، عرفت أن أمراً جللاً قد حدث.

"ما بك يا سارة؟" سألت لبنى بقلق، وهي تضع الحقائب جانباً. "وجهك شاحب. هل حدث شيء؟"

جلست سارة، وأخذت تتنفس بعمق. "أحمد... غادر صباح اليوم."

"آه،" قالت لبنى، وهي تشعر بأسف كبير. "كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي. ولكني لم أتخيل أن يكون بهذا الحزن."

"الحزن ليس في المغادرة يا لبنى،" قالت سارة بصوت مخنوق. "الحزن في... في ما دار بيننا بالأمس."

نظرت لبنى إلى سارة بفضول. "ماذا دار؟"

"أحمد... كان متردداً. كان يشعر بثقل المسؤولية، وبضرورة التأكد من أن كل شيء سيكون على ما يرام قبل أن يكمل ما بدأناه."

"هل تقصدين... الخطبة؟" سألت لبنى.

أومأت سارة ببطء. "نعم. لقد كان هناك حديث عن هذا. ولكن... لم يكن كل شيء واضحاً. كان هناك شيء من التردد، ومن... الشك."

"شك في ماذا؟"

"شك في قدرته على... على توفير كل ما تطمح إليه. شك في أن الظروف ستكون مواتية. كان يخشى أن يربطني به في وقت غير مناسب."

"وهذا... هل هذا ما أحزنك؟"

"ليس بالضبط،" قالت سارة، ودمعة صغيرة تشق طريقها على خدها. "أحزنني أنه شعر بهذا الشك. أحزنني أننا لم نكن متفقين تماماً على ما يجب أن يكون. أحزنني أنه ذهب وفي قلبه بعض من هذه التساؤلات."

"ولكنه وعدك بالعودة، أليس كذلك؟"

"وعدني. ولكنه قال إنه سيأخذ وقتاً ليراجع كل شيء. ليقيّم الأوضاع. وهذا يعني أن المسافة ستكون بيننا، وأن القلق سيلازمني."

جلست لبنى بجانب سارة، وربتت على كتفها. "يا سارة، هذا طبيعي. هو رجل يتحمل المسؤولية. وهو يحبك، ويريدك أن تعيشي حياة كريمة. قد تكون هذه الفترة صعبة، ولكنها ستكشف الكثير. ستكشف معدن حبكما، وقوة علاقتكما."

"ولكن... ماذا لو كان الشك صحيحاً؟ ماذا لو كانت الظروف أكبر من حبنا؟"

"لا تفكري بهذا الشكل. فكري بالأمل. فكري بأن هذا التفكير منه هو دليل على حرصه عليك. وهو حين يعود، سيأتي وقد اتضحت له الرؤية."

"أتمنى ذلك يا لبنى. حقاً أتمنى ذلك."

"وأنا معك. وسندعمك. مهما كان. لكن حاولي أن تستعيدي رباطة جأشك. فهو يحتاج منكِ القوة."

نظرت سارة إلى السماء من النافذة، وأخذت نفساً عميقاً. كانت الشمس قد ارتفعت، ورمت بضوئها الذهبي على البيوت. كان يوم جديد قد بدأ، لكن أثقال الأمس كانت لا تزال تحملها. كانت تعلم أن هذه الفترة ستكون اختباراً، اختباراً لقلبها، ولصبرها، ولحبها. وكانت تخشى أن تكون نتائج هذا الاختبار موجعة.

*

في الجانب الآخر من المدينة، كان شادي، صديق أحمد المقرب، يتناولهما فطوراً في مقهى هادئ. كان القلق بادياً على وجه شادي، وهو يتابع أحمد الذي كان يقلب كوب قهوته دون أن يتذوقه.

"أحمد، ما الذي يجري؟" سأل شادي أخيراً. "تبدو كمن يحمل هموم العالم على كتفيه."

تنهد أحمد. "الأمر يتعلق بسارة، يا شادي."

"وهل هناك ما يقلق؟ ألم تتحدثا؟"

"تحدثنا. ولكن... لم أشعر بالرضا التام. لم أشعر بأنني قادر على منحها الأمان الذي تستحقه الآن. الظروف... معقدة."

"ولكنك وعدتها، أليس كذلك؟"

"وعدتها بالعودة. ولكن ماذا عن باقي الوعود؟ وعود الزواج، وعود الحياة المستقرة. كل هذا يحتاج إلى أرض صلبة، وشادي... الأرض تحت قدمي ليست صلبة بما يكفي الآن."

"ولكنك تعرف أنها تحبك. وأنها مستعدة للمضي معك. قد تكون لديها بعض التساؤلات، ولكنها ستثق بك."

"الثقة شيء، والمخاطرة بشيء ثمين شيء آخر. لا أريد أن أقدم لها حبّاً مشوباً بالحرمان، أو حياة مليئة بالقلق. أفضل أن أمنحها بعض الوقت، وأنا أعمل على تأمين مستقبلنا."

"ولكن هذا يعني أنك ستتركها... وحيدة؟"

"ليست وحيدة تماماً. لديها أسرتها. ولديها أصدقاؤها. وأنا سأتواصل معها باستمرار."

"التواصل عبر الهواتف ليس كالقرب يا أحمد. القرب هو ما يحتاجه الحب لينمو."

"وأنا أعرف ذلك. ولكن في هذه المرحلة، أرى أن هذا هو الخيار الأفضل. سأعمل بكل جهدي. سأصلح ما يمكن إصلاحه. وسأعود أقوى."

"أتمنى ذلك. ولكن لا تجعل قلقك هذا يأكل قلبك. ولا تجعله يؤثر على رؤيتك للمستقبل. سارة ليست مجرد فتاة، هي شريكة حياتك. وهي تفهم قيمة المسؤولية."

"لهذا السبب هي كل شيء بالنسبة لي،" قال أحمد، وتسللت ابتسامة خفيفة إلى وجهه. "هي من جعلتني أفكر بهذه الطريقة. هي من جعلتني أرغب في أن أكون أفضل."

"إذاً، توكل على الله. وسأكون معك في كل خطوة."

وقف أحمد، ونظر إلى الأفق. كان يعلم أن الطريق لن يكون سهلاً. ولكن في عمق قلبه، كان هناك شعاع من الأمل، يضيء طريقه. كان يعلم أن هذا الاختبار، وإن كان مؤلماً، فقد يكون هو ما يجمع قلوبهما أكثر، ويجعل حبهما أقوى.

*

وفي منزل سارة، كانت الأم تراقب ابنتها وهي تتحدث إلى والدها عبر الهاتف، محاولة أن تبدو قوية. لكن عينيها كانتا تفيضان بالدموع حين أغلقت الهاتف.

"هل كل شيء على ما يرام يا ابنتي؟" سألت الأم.

"نعم يا أمي. كل شيء على ما يرام. أبي يشجعني، ويذكرني بأن صبر الأنبياء هو ما حملهم على ما حملوا."

"وهذا صحيح. الصبر مفتاح الفرج. ولكن هل أنتِ مستعدة لهذا الفرج؟"

نظرت سارة إلى أمها، بضعف ظاهر. "أنا... لا أعرف يا أمي. أشعر بالوحدة، أشعر بالبرد. كلما ذكرت اسمه، أحسست بمسافة أكبر تبتعد بيننا. هل يمكن للحب أن يعيش في مثل هذه المسافات؟"

"إذا كان حباً حقيقياً، سينمو ويتجذر، حتى في أصعب الظروف،" قالت الأم، وهي تحتضن ابنتها. "تذكري، يا سارة، أن أحمد ليس مجرد رجل، بل هو رجل يحمل أخلاقاً ومبادئ. هو لن يترككِ. هو يبحث عن الأفضل لكِ، ولكم. وهذا دليل على عظمته."

"ولكن... ماذا لو كان هذا البحث سيأخذ وقتاً طويلاً؟ ماذا لو...؟"

"لا تقولي ماذا لو. قولي بماذا. بماذا سنفعل؟ سنحتسب الأجر عند الله. سنحافظ على ما بيننا. وسندعو الله أن يجمعنا في خير. أنتِ قوية يا ابنتي. وأحمد يعرف ذلك. وهذا سبب آخر لثقته بك."

احتضنت سارة والدتها بقوة، مستشعرة دفء الأمان والحنان. كانت تعلم أن الطريق أمامها لن يكون سهلاً، وأن الشك الذي تسلل إلى قلبها سيبقى رفيقه. ولكن بوجود والدتها، وبقوة إيمانها، وبذرة الأمل التي زرعها أحمد في قلبها، كانت تأمل أن تجتاز هذه المحنة، وأن تعود لتجد حبها أقوى وأكثر ثباتاً.

استمرت نسمات الفجر في حمل وعد يوم جديد، لكن هذه المحاولة لتهدئة النفس كانت صعبة. كانت سارة تعلم أن عليها أن تكون أقوى. أقوى من المسافة، أقوى من الشك، وأقوى من الخوف. وأن عليها أن تنتظر، وتصلي، وتثق، بأن وعد أحمد لن يكون مجرد كلمات، بل سيكون بذرة لحياة جديدة، ستنمو وتزهر يوماً ما.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%