حب وكرامة الجزء الثالث
مفاجأة في الأفق وفرحة تنتظر
بقلم مريم الحسن
كانت كلمات أحمد الأخيرة في رسالته الأخيرة كالنور الذي انبلج فجأة في سماء سارة الملبدة بالغيوم. "سأعود... في نهاية الشهر القادم... وسنكمل ما بدأناه." استشعرت سارة في هذه الكلمات حاسماً لم تعهده من قبل، نفحة من الأمل العظيم، وبشارة بخاتمة سعيدة لفترة من الانتظار والشك. لم تكن مجرد عودة، بل كانت وعداً بإتمام ما بدآه، بإكمال حلم الزواج الذي طالما انتظرت تحقيقه.
"أمي! أمي! تعالي! تعالي بسرعة!" نادت سارة والدتها بلهفة، وقلبها يدق كالطبل.
دخلت الأم مسرعة، وقد علت وجهها علامات القلق، لكن سرعان ما تحولت إلى ابتسامة حين رأت سعادة ابنتها الغامرة.
"ما الأمر يا سارة؟ ما الذي أسعدكِ هكذا؟"
"أحمد! أحمد سيرجع! سيرجع في نهاية الشهر القادم! وسنكمل ما بدأناه!" قالت سارة، وبدت كلماتها وكأنها نغمات عذبة.
عانقت الأم ابنتها بحرارة، وهي تشعر بصدق سعادتها. "الحمد لله! الحمد لله! هذا خبر رائع جداً يا ابنتي. كنت أدعو الله أن يجمعكما على خير."
"إنه يبدو حازماً هذه المرة يا أمي. يبدو أنه قد وجد ما يبحث عنه، وأنه مستعد للمضي قدماً."
"هذا ما نتمناه دائماً. أن يعود الرجل أقوى، وأكثر إصراراً. ثقته بكِ، وثقتكِ به، هي ما ستبني لكم مستقبلاً مشرقاً."
انتشر الخبر السعيد في أرجاء المنزل، وتلقت سارة تهاني والدها ووالدتها. بدأت الأجواء تكتسي بوشاح من البهجة، وبدت الحياة وكأنها تعود إلى مسارها الطبيعي، بل وأجمل.
لم يمضِ وقت طويل حتى تلقت سارة اتصالاً من أحمد. كانت كلماته تحمل دفئاً وحناناً لم تسمعهما منذ فترة.
"سارة حبيبتي،" قال بصوت عميق، "هل وصلتني رسالتي؟ هل أنتِ سعيدة؟"
"نعم يا أحمد، لقد وصلتني. وأنا سعيدة جداً. جداً جداً. أنت تعرف كم كنت أنتظر هذه اللحظة."
"أنا أيضاً يا سارة. لقد كان الطريق صعباً، ولكنني وجدت ما كنت أبحث عنه. وجدت الأمان، ووجدت الأرض الصلبة التي يمكننا أن نبني عليها. لقد تمكنا من الحصول على تمويل إضافي للمشروع، وهناك شراكات واعدة على وشك التوقيع. هذا يعني أنني سأتمكن من العودة، وأنا أحمل معي ما يكفي لنبدأ حياتنا."
"هذا رائع يا أحمد. حقاً رائع. أنا فخورة بك."
"وأنا فخور بكِ لأنكِ تحملتِ كل هذا بصبر وقوة. أنتِ النجمة التي تضيء دربي."
ضحكت سارة بخفة. "هل ستستمر في إلقاء الشعر عليّ بهذا الشكل؟"
"لن أتوقف أبداً عن ذلك، ما دمتِ أنتِ مصدر إلهامي."
دار بينهما حديث طويل، مفعم بالحب والشوق. تبادلا الخطط المستقبلية، والأحلام التي ستحقق. شعر كلاهما بأن المسافة التي كانت تفصلهما قد تقلصت، وأن وعد اللقاء أصبح قريباً وواقعياً.
وفي الوقت ذاته، كان شادي، صديق أحمد، يتواصل مع سارة.
"سارة، كيف حالك؟" سأل شادي. "هل سمعتِ الأخبار؟ أحمد سيعود قريباً."
"نعم يا شادي، لقد تلقيت رسالة منه. أنا سعيدة جداً."
"هذا رائع! أحمد كان يعمل بجد، وكان مصمماً على إنهاء الأمور بسرعة. لقد نجح في تأمين تمويل كبير للمشروع، وهذا ما سمح له بالعودة. كان مصمماً على أن يعود إليكِ في أقرب وقت."
"هذا لطف منه. أشكرك أنت أيضاً لمتابعتك له، ولدعمك."
"لا شكر على واجب. أحمد صديقي، وأنتم تجمعكم علاقة مميزة. أنا سعيد لأن الأمور تسير على ما يرام."
بدأت سارة تخبر عائلتها بالأمر. والدها كان سعيداً جداً، وبدأ يتحدث عن ترتيبات الزفاف. والدتها كانت في قمة سعادتها، وبدأت تخطط لقائمة الضياوف، ولتجهيزات العروس.
"يجب أن نجهز كل شيء بأفضل شكل يا سارة،" قالت الأم. "نريد أن تكون فرحتكم بأبهى حلة."
"بالتأكيد يا أمي. ولكني أريد أن يكون كل شيء بسيطاً وجميلاً، كما يحب أحمد."
"بالطبع. ولكن بعض اللمسات الفاخرة تزيد من بهجة المناسبة."
في بيت أبي أحمد، كان الخبر قد وصل أيضاً. كان الأب والأم يعبران عن سعادتهما الغامرة.
"الحمد لله،" قال الأب. "لقد أثبت أحمد أنه رجل المسؤولية. لقد استطاع أن يجمع بين تحقيق طموحاته، وتأمين مستقبل أسرته."
"نعم،" قالت الأم. "وهو يعلم جيداً قيمة سارة. لقد اختارها عن علم وقناعة، وهذا ما يجعلهما سنداً لبعضهما البعض."
بدأت سارة تتلقى بعض المفاجآت الأخرى. زميلاتها في العمل، وبعض الصديقات المقربات، قررن تنظيم حفل استقبال صغير لها، احتفاءً بقرب زواجها. كانت هذه اللفتات الطيبة تزيد من سعادتها، وتجعلها تشعر بالحب والتقدير من محيطها.
في أحد الأيام، تلقت سارة طرداً بريدياً. لم تكن تعرف مصدره. فتحته بحذر، فوجدت بداخله صندوقاً أنيقاً. فتحت الصندوق، فوجدت بداخله قطعة مجوهرات جميلة، عقد من الذهب الخالص يتوسطه حجر كريم لامع. لم يكن هناك أي بطاقة، أو رسالة.
"من يكون هذا؟" تساءلت سارة، وهي تنظر إلى العقد بذهول.
"ربما هدية من أحمد؟" اقترحت والدتها. "ربما أراد أن يفاجئكِ بشيء."
"لا أعتقد يا أمي. لم يذكر شيئاً عن ذلك. وهو ليس من النوع الذي يرسل هدايا دون إعلان."
"إذاً، من يكون؟"
"لا أعرف. ولكنها هدية جميلة جداً."
وفي المساء، تلقت سارة رسالة من رقم هاتف غير مسجل. "عزيزتي سارة،" بدأت الرسالة، "هذه هدية متواضعة مني، احتفالاً بزواجك القريب. أتمنى لكِ كل السعادة. وأنا على ثقة بأن أحمد هو الرجل المناسب لكِ. صديق قديم، يتمنى لكما كل الخير."
شعرت سارة بالفضول. "صديق قديم؟" ولكنها سرعان ما أدركت. "ربما... ربما يكون ذلك الرجل الذي رأيته في المقهى مع أحمد؟"
"من تقصدين؟" سألت والدتها.
"لا شيء يا أمي. مجرد شخص تعرفت عليه بالصدفة."
في اليوم التالي، رأت سارة ذلك الرجل مرة أخرى، كان يمشي في الشارع، يبدو عليه الوقار. ابتسم لها ابتسامة خفيفة، ثم أومأ برأسه. لم تعلق سارة، لكنها شعرت بأن هناك قصصاً خفية، وأن هناك أناس يحملون لها الخير في قلوبهم، حتى لو لم تعرفهم.
استمرت الأيام، وكل يوم كان يحمل معه استعدادات جديدة، ولهفة أكبر للقاء أحمد. كانت سارة تعيش في عالم من الفرح والتفاؤل. كانت تشعر بأن كل شيء يسير نحو النهاية السعيدة التي طالما حلمت بها.
ولكن، هل كانت نهاية الانتظار حقاً بداية كل شيء؟ أم أن هناك مفاجآت أخرى، لا تزال تنتظر في الأفق؟