حب وكرامة الجزء الثالث

خيوط متشابكة في ظل الياسمين

بقلم مريم الحسن

كان نسيم المساء يحمل عبق الياسمين من حديقة منزل الجدة، يداعب الستائر البيضاء ويتسلل إلى داخل الغرفة التي احتضنت نور ووالدتها. كانت نور، بشعرها المسدول على كتفيها كليل حالك، تستمع بصمت إلى حديث والدتها المتعب، عينيها تحدقان في فنجان الشاي البارد أمامها. الأفكار تتصارع في رأسها، مزيج من الأمل والقلق، والأسئلة التي لم تجد لها إجابات شافية.

"لا أزال أتساءل يا أمي، كيف تمكن السيد عبد الرحمن من التوصل إلى تلك الحقيقة؟" سألت نور أخيراً، وصوتها كان خافتاً يكاد لا يُسمع. "لقد كان الأمر سرياً للغاية، ولم يشارك فيه سوى عدد قليل من الأشخاص."

تنهدت الأم، وهي تمسح جبينها بيدها الشفافة. "الله أعلم يا ابنتي. ربما لديه من الحكمة ما لا نملك. أو ربما، وهو الأقرب إلى قلبي، أن الصدق يخرج من صدور المؤمنين كالنور، مهما حاول الظلام إخفاءه."

أشارت الأم إلى أوراق كانت مبعثرة على الطاولة، تحمل بصمات أصابعها. "لقد حاولت جاهَدة أن أجد أي دليل، أي أثر، يعيد إلينا ما سُلب منا. لكن تلك العقود القديمة، والأختام الباهتة، كل شيء كان ضائعاً في غياهب الزمن. إلى أن جاء ذلك الرجل، ليفتح باباً كان موصداً منذ زمن بعيد."

كانت نور تفكر في تلك اللحظة التي دخل فيها السيد عبد الرحمن إلى مكتب المحاماة، بوجهه الوقور وملامحه التي تحمل آثار سنوات من الخبرة والهدوء. كانت قد فقدت الأمل تقريباً، ظانة أن قضيتها ستظل معلقة في قفص الاتهام، وأن سمعة والدها ستظل ملوثة. لكن السيد عبد الرحمن، بأسلوبه الهادئ والكلام المنطقي، بث فيها روحاً جديدة.

"قال لي إنه كان يبحث عن تفاصيل صفقة قديمة تتعلق بمشروع عقاري، وأنها قادته، بطريقة غير مباشرة، إلى ملف والدي." قالت نور، وعيناها تلمعان بذكريات تلك المقابلة. "لم يفصح عن كل شيء، لكنه أوحى بأن والدي لم يكن مخطئاً، وأن هناك من استغل طيبته."

"وهذا ما أردده لكِ دائماً يا ابنتي." قالت الأم، وصوتها يرتفع قليلاً، يعكس شغفاً متجدداً. "والدكِ كان رجلاً شريفاً، صاحب قلب كبير. لكن هناك دوماً من يتصيدون الأنقياء ليوقعوهم في شباكهم. لم أصدق أبداً أنه خان الأمانة. لم أصدق أبداً أن السم كان في رحيق حياتنا."

كانت الأم تتحدث عن الفترة التي تبعت وفاة الأب المفاجئة. كانت هناك اتهامات وجهت إليه بالتلاعب المالي، وغياب بعض المستندات الهامة. وقد استغل خصوم العائلة تلك الظروف لتقويض سمعة الأب، وزعزعة استقرار العائلة. كانت تلك الفترة عصيبة، مرت بها الأم كنفق مظلم، تحملت فيه العبء وحدها، وهي تحاول حماية ابنتها من قسوة الواقع.

"ولكن، يا أمي، إن كان السيد عبد الرحمن قد اكتشف الحقيقة، فلماذا لم يظهرها للجميع؟ لماذا لم يتقدم ببلاغ رسمي؟" سألت نور، والقلق يعود ليقبض على صدرها. "مجرد كلام، وإن كان ثقيلاً، لا يكفي لتبرئة ساحة أبي."

"قد تكون لديه أسبابه يا ابنتي." ردت الأم بهدوء. "ربما هو في طور جمع الأدلة الكافية، أو ربما هناك أشخاص آخرون متورطون، ويخشى أن يفروا قبل أن يتم القبض عليهم. لا نستطيع أن نحكم عليه قبل أن نعرف كل شيء."

نظرت نور إلى صور عائلية معلقة على الحائط، صورة والدها بابتسامته الواسعة، وصورتها وهي طفلة تحمل بين ذراعيه. دمعت عيناها. "أتمنى يا أمي أن تنتهي هذه المعاناة. أتمنى أن يعود الحق إلى أهله، وأن ينعم أبي بالسلام في قبره، ونحن بالراحة في حياتنا."

في تلك الأثناء، في منزل المهندس أحمد، كان الجو مشحوناً بالترقب. أحمد، بملامحه التي تعكس تركيزاً عميقاً، كان يراجع بعض المخططات الهندسية. لكن عينيه كانتا تائهتين، تفكران في تطورات الأوضاع. لقد علم بما حدث بين نور ووالدتها، وبالمعلومات التي يبدو أن السيد عبد الرحمن قد بدأ بكشفها.

"هل تسمعين يا سارة؟" قال أحمد لزوجته، وهو يشير إلى هاتفها. "السيد عبد الرحمن يتصل بكِ."

أمسكت سارة بالهاتف، وقلبها يدق بسرعة. كانت تعلم أن السيد عبد الرحمن يمثل أملها الأخير في إعادة بناء علاقة سليمة مع عائلتها. "أهلاً بك يا سيد عبد الرحمن. كيف حالك؟"

"الحمد لله يا أختي سارة. أخبار طيبة إن شاء الله." جاء صوت السيد عبد الرحمن هادئاً ومطمئناً. "لقد تمكنت من جمع بعض المعلومات الهامة المتعلقة بقضية المرحوم والدك. أعتقد أننا على وشك كشف حقيقة ما حدث."

شعر أحمد ببعض الارتياح، ولكنه في الوقت نفسه، شعر بقلق متجدد. أي معلومة جديدة قد تعني تغييراً جذرياً في مسار الأمور، وقد تكون هذه التغييرات غير متوقعة.

"وهل هذه المعلومات كافية لتقديمها للجهات المختصة؟" سألت سارة، بصوتها الذي يحمل نبرة أمل وحذر.

"نحن نعمل على ذلك. لكن الأمر يحتاج إلى بعض الوقت والتأني. هناك خيوط أخرى لا بد من ربطها. سأطلعكم على المستجدات فور توفر المزيد من التفاصيل." قال السيد عبد الرحمن.

بعد انتهاء المكالمة، نظرت سارة إلى أحمد. "يبدو أن الأمور بدأت تتحرك. ولكن لا أعرف إلى أين ستؤدي بنا."

"لا تقلقي يا حبيبتي." قال أحمد، وهو يمسك بيدها. "ما دمنا معاً، وما دامت نوايانا صافية، فسيوفقنا الله. المهم الآن هو أن نظل قريبين من نور، وأن ندعمها بكل ما نملك."

كانت نور تشعر بثقل المسؤولية وهي تقف أمام نافذة غرفتها، تتأمل النجوم المتلألئة في سماء الليل. كانت تعلم أن ما يفعله السيد عبد الرحمن قد يغير كل شيء، ولكنها كانت تخشى العواقب، وتخشى أن يكون الثمن الذي ستدفعه العائلة أكبر مما تتخيل. كانت تلك الليالي، تحت سماء واسعة، مليئة بالتساؤلات والقلق، لكنها أيضاً مليئة بالأمل الخفي، والأمل بأن تنقشع غيوم الماضي يوماً ما، وتعود الشمس لتشرق على حياتهم.

في زاوية أخرى من المدينة، كان السيد صلاح، بخبثه المعتاد، يتلقى مكالمة هاتفية. وجهه عبس وهو يسمع الخبر. "ماذا؟ عبد الرحمن؟ وكيف عرف؟" تمتم بصوت خفيض، وعيناه تضيقان. "هذا مستحيل! لم أترك أثراً واحداً."

"الأمر ليس مستحيلاً يا سيدي." جاء صوت الطرف الآخر، بارداً كجليد. "يبدو أن الزمن قد بدأ يكشف أسراره."

"يجب أن أتحرك بسرعة. لا يمكنني السماح بأن ينكشف كل شيء." قال السيد صلاح، وتلاشت ابتسامته المعهودة ليحل محلها قلق شديد. لقد أدرك أن اللعبة بدأت تنتهي، وأن خصمه الجديد، وإن كان قوياً، إلا أنه لم يكن ليتوقع هذا التدخل المفاجئ.

انتهى المساء، ولكن خيوط القصة كانت قد بدأت تتشابك، وبعض هذه الخيوط كانت تحمل عبء الماضي، وبعضها الآخر يحمل وعد المستقبل، وكان الكل في انتظار ما ستكشفه الأيام القادمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%