حب وكرامة الجزء الثالث

العاصفة التي سبقت السكون

بقلم مريم الحسن

كانت ليلةً لا تشبه الليالي. السماء، التي عهدتها نور، قد انسدلت فوق بيت السيد أحمد كغطاءٍ داكن، لا يفتحه إلا وميضٌ خاطفٌ من برقٍ يكشف عن ظلامٍ أعمق. داخل المجلس، حيث كانت الأنوار الخافتة تخلق ظلالاً راقصة على الجدران العتيقة، اجتمع ثلاثة رجالٍ، تحلّق حولهم ثقلُ ما لا يمكن البوح به. السيد أحمد، وقد استحال وجهه إلى خريطةٍ من القلق، يحدّق في ولده الوحيد، الشاب المهذب، الشاب الذي لطالما اعتزّ به، ولكنّ ابتسامته كانت تتوارى خلف ضبابٍ كثيفٍ من الحيرة.

"يا بني،" بدأ السيد أحمد بصوتٍ متعبٍ، كأنّ الحروف نفسها قد تثقلت بالهموم، "ما أقوله الآن قد يزلزل أركان عالمك الذي تعرفه. قد يؤلمك، وقد يغضبك، ولكنّي أقسم بمن رفع السماء بلا عمد، أني ما أخفيتُ عنك شيئاً إلا حرصاً على سلامتك، وعلى كرامة هذه العائلة."

كان حسام، ذلك الشاب ذو القلب النقي والعينين اللامعتين ببريق الأمل، ينتظر بلهفةٍ مشوبةٍ بالحذر. استمع إلى والده، وقلبُه يقرعُ في صدره قرعَ الطبولِ في ساحةِ معركةٍ قادمة. لقد أدرك أنَّ حديثَ والدهِ لم يكنْ مجردَ حديثِ أبٍ عن مستقبلِ ابنهِ، بل كانَ حديثاً عن ماضٍ مدفونٍ، عن سرٍّ أبى إلا أنْ يطفوَ على السطحِ في هذهِ اللحظةِ الحرجة.

"ما الأمر يا أبي؟" سأل حسام، وصوتهُ بالكادِ خرجَ، محملاً بآلافِ الأسئلةِ التي لم تجدْ لها متنفساً. "هلْ هناكَ ما يقلقُك؟ هلْ فعلتُ شيئاً؟"

ابتسم السيد أحمد ابتسامةً باهتة، كأنها ومضةٌ من شمسٍ احتجبتْ خلفَ غيوم. "لا يا بني، أنتَ نورُ عيني، ولم تفعلْ شيئاً يستوجبُ العتب. الأمرُ أعمقُ من ذلك، وأقدم." استطردَ، وقدْ أحاطَ ببصرهِ وجهَ الرجلِ الآخرِ الجالسِ بجانبهِ، وهوَ رجلٌ نحيلٌ، ذو شاربٍ أبيضَ ووجهٍ تكسوهُ خطوطُ الزمنِ والتجارب، إنهُ الحاجّ سالم، صديقُ العائلةِ الأثير، وشاهدٌ على أحداثٍ ماضيةٍ لم يبحْ بها إلا اليوم.

"قبلَ سنواتٍ طويلة، يا حسام،" بدأ الحاجّ سالم، وصوتهُ كهمسِ الريحِ في واديٍ سحيق، "قبلَ أنْ تولدَ أنتَ، وقبلَ أنْ تتجاوزَ أحلامُ والدكَ حدودَ الواقع، كانتْ هناكَ قصةٌ أخرى. قصةٌ تتعلّقُ بالمالِ، بالثقةِ، وبالخيانة."

تجمّدتْ الدماءُ في عروقِ حسام. خيانة؟ ثقة؟ هذهِ الكلماتُ بدتْ غريبةً في سياقِ حديثِ والديهِ وعائلتهِ التي عرفها، تلكَ العائلةُ التي كانتْ مثالاً للأمانِ والنزاهة.

"كانَ هناكَ شريكٌ لوالدكَ،" تابعَ الحاجّ سالم، وكلماتهُ تتساقطُ ببطءٍ، كقطراتِ مطرٍ غزيرةٍ تهطلُ على أرضٍ عطشى، "شريكٌ في بدايةِ مشروعهِ الطموح. رجلٌ كانَ يدّعي الأخوّةَ والصداقة، ولكنّ قلبهُ كانَ مليئاً بالجشعِ والحقد. لقدْ استغلَّ ثقةَ والدكَ، وسرقَ جزءاً كبيراً من رأسِ المالِ، واختفى بعدها كالشبح."

شعرَ حسامُ بأنّ الأرضَ تميدُ به. لم يكنْ يتخيلُ قطّ أنَّ والدَهُ، ذلكَ الرجلَ الذي بنى مجدَهُ بيديهِ، قدْ تعرّضَ لمثلِ هذهِ الضربةِ القاسية. "ولكنْ... لماذا لمْ تخبروني؟ لماذا أخفيتمْ عني؟"

"لأنَّ الأمرَ لمْ يكنْ مجردَ مالٍ يا بني،" قالَ السيدُ أحمد، وقدْ ارتفعتْ نبرتهُ قليلاً، تحملُ حملاً ثقيلاً من الأسفِ والألم. "لقدْ كانَ هناكَ أمرٌ آخرُ، أمرٌ أشدُّ وطأةً. هذا الشريكُ، لمْ يكتفِ بالمالِ. لقدْ كانَ لهُ مطامعٌ أخرى. كانَ يسعى خلفَ... خلفَ ما هوَ أثمنُ من المال."

صمتٌ رهيبٌ خيّمَ على المجلس. لمْ يجرؤْ أحدٌ على التنفس. كانَ حسامُ ينتظرُ المزيد، وقلبُهُ يخفقُ بقوة، يتوقعُ ما هوَ أسوأ.

"لقدْ حاولَ أنْ يتزوّجَ من ابنةِ عمّكَ، زينب،" كشفَ الحاجّ سالم، ووجههُ عبسَ من شدّةِ الألم. "زينبُ تلكَ الفتاةِ البريئةِ التي لمْ تكنْ تعلمُ شيئاً عن خططِهِ الماكرة. كانَ يظنُّ أنَّ الزواجَ منها سيقوّي مركزهُ، وسيطيحَ بوالدكَ. ولكنّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى لمْ يكتبْ لهُ ذلك. لقدْ استطعتُ أنا ووالدكَ أنْ نفضحَ نواياه، ونجبرهُ على التراجع."

في هذهِ اللحظة، انفتحتْ أبوابُ الماضي على مصاريعها، وكشفتْ عن حقائقَ مظلمةٍ كانتْ تتوارى خلفَ ستارِ الزمن. أدركَ حسامُ أنَّ المشاكلَ التي واجهها والدهُ في الماضي، ليستْ مجردَ ظروفٍ عابرة، بلْ هيَ صراعاتٌ خاضها بضراوةٍ دفاعاً عن شرفِهِ وعن عائلته.

"ولكنْ... ولكنْ ماذا حدثَ لهُ؟" سأل حسام، وعيناهُ تائهتان. "هلْ عادَ؟ هلْ عادَ ليفعلَ شيئاً؟"

"لقدْ اختفى،" قالَ السيدُ أحمد، ونبرتهُ تحملُ سخريةَ القدر. "اختفى كما ظهر، تاركاً وراءهُ جروحاً عميقة، وصدمةً لمْ نستطعْ أنْ ننساها. ولكنّ الأشدَّ ألماً، هوَ أنَّ هذهِ الحادثةَ تركتْ أثراً عليها، على زينب، وعلى عائلتها. لقدْ اضطرتْ زينبُ للزواجِ من رجلٍ آخر، رجلٍ لمْ تكنْ تحبهُ، فقطْ لتتجاوزَ تلكَ الفترةَ العصيبة. وبعدَ سنواتٍ، طُلّقَتْ، وعادتْ تعيشُ معَ والديها."

تغلغلَ هذا الخبرُ إلى أعماقِ روحِ حسام. فهمَ الآنَ سببَ الحزنِ الذي كانَ يراهُ في عينَي زينب، وسببَ تردّدِها في قبولِ خطبته. إنها لمْ تكنْ مجردَ تردّدٍ عادي، بلْ كانتْ صدىً لألمٍ قديم، لخوفٍ لمْ يندثر.

"ولكنْ... ما علاقةُ هذا كلهِ بنا الآن؟" سأل حسام، وعقلهُ يتسابقُ معَ المشاعرِ المتضاربة. "ما علاقةُ هذهِ القصةِ بما يحدثُ الآنَ معَ زينب؟"

"تلكَ هيَ المصيبةُ الكبرى يا بني،" قالَ السيدُ أحمد، وقدْ استجمعَ كلَّ قوتهِ للقول. "هذا الرجلُ الذي خانني، هذا الرجلُ الذي حاولَ أنْ يدمرني، قدْ عاد. لقدْ عادَ، وليسَ لهُ هدفٌ إلا الانتقام. وهوَ يعرفُ أنَّ أقربَ طريقٍ لإيذائي، هوَ عن طريقِ عائلتي. وهوَ يستهدفُ زينب. لقدْ علمَ بعودةِ زينبِ إلى منزلِ والديها، وبأنّها أصبحتْ تحتَ حمايتنا."

شعرَ حسامُ بأنَّ الدمَ قدْ جفّ في عروقه. كلُّ شيءٍ قدْ انقلبَ رأساً على عقب. الحبُّ الذي شعرَ بهِ تجاهَ زينب، والتقديرُ الذي يكنّهُ لأسرتها، كلُّ ذلكَ قدْ أصبحَ الآنَ في خطر.

"إنهُ يرسلُ رسائل،" تابعَ السيدُ أحمد، وصوتهُ ارتجفَ قليلاً، "رسائلُ تهديدٍ مباشرة. إنهُ يبتزُّ العائلة، ويطالبُ بتعويضاتٍ باهظة، وإلا... وإلا فإنّهُ سيُفضحُ زينب، ويدمّرُ سمعتها، ويدّعي أنَّ لها علاقةٌ معَ رجالٍ آخرين. إنهُ يستغلُّ ضعفَ موقفها، ويستغلُّ خوفَ والديها. وهوَ يعلمُ أنَّ لدينا علاقةٌ جيدةٌ بأسرتها، وأننا سندافعُ عنها."

كانتْ الكلماتُ كالسياطِ تلهبُ روحَ حسام. الغضبُ والحقدُ على هذا الرجلِ الذي لمْ يرهُ قطّ، تملّكا منه. ولكنْ، الأهمُّ من ذلك، هوَ الشعورُ بالمسؤوليةِ العميقةِ تجاهَ زينب.

"هلْ يعلمُ أحدٌ بهذا؟" سأل حسام، وبصوتٍ قويٍّ هذهِ المرة، يحملُ قراراً لا رجعةَ فيه. "هلْ تعلمُ زينبُ بنفسها؟"

"زينبُ تعلمُ أنَّ هناكَ مشاكل، ولكنّها لا تعلمُ التفاصيل،" قالَ الحاجّ سالم. "والدُها يريدُ أنْ يحميها منَ الهموم، ولكنهُ في نفسِ الوقتِ ضعيفٌ أمامَ هذا التهديد. وأبوكَ، السيدُ أحمد، يشعرُ بالذنبِ لأنَّ هذهِ المشكلةَ بدأتْ بسببِ مشروعِهِ، ولأنها امتدتْ لتؤذي زينب."

"هذا هوَ ما لمْ أستطعْ تحمّله!" قالَ حسام، وقدْ نهضَ من مقعدهِ، وعيناهُ تشتعلانِ بنارٍ لمْ تعرفْها من قبل. "لنْ نسمحَ لهُ بأنْ يدمرَ حياتَنا، وأنْ يدمرَ حياةَ زينب. لنْ نسمحَ لهُ بأنْ يلعبَ بنا. لقدْ آنَ الأوانُ لإنهاءِ هذا الفصلِ المظلمِ من حياتنا. آنَ الأوانُ لأنْ نواجهه."

نظرَ السيدُ أحمدُ إلى ولدهِ، ورأى فيهِ الشجاعةَ والصلابةَ التي ورثها عنه، ولكنّها كانتْ ممزوجةً ببريقِ الحداثةِ والإصرار. ابتسمَ ابتسامةَ أملٍ ضعيف، ولكنهُ كانَ يرى فيها ضوءاً في نهايةِ نفقٍ طويل.

"ولكنْ كيفَ يا بني؟" سأل السيدُ أحمد، وهوَ يعلمُ أنَّ الأمرَ ليسَ بالسهولةِ التي تبدو عليها. "هذا الرجلُ ماكرٌ، ولاعبٌ بارعٌ في الخفاء. إنّهُ يريدُ الانتقام، وهوَ مستعدٌ لفعلِ أيِّ شيءٍ لتحقيقِ ذلك."

"سنواجههُ بقوتنا، يا أبي،" قالَ حسام، وعيناهُ ثاقبتان. "بقوةِ الحقِّ، وبقوةِ العائلة. وبقوةِ الحبِّ الذي يجمعني بزينب. لنْ نتركَ الشرَّ ينتصر. لقدْ عشتُ حياتي أعرفُ أنَّ الحلالَ هوَ الطريق، والآنَ، سأثبتُ لزينب، ولنفسي، وللجميع، أنَّ حبنا، حبنا الذي يسيرُ في طريقِ الحلال، هوَ أقوى من أيِّ شرٍّ قدْ يواجهنا."

وقفَ حسامٌ على عتبةِ الباب، يستعدُّ للخروجِ لمواجهةِ مصيرٍ مجهول. لقدْ استيقظَ وحشٌ قديم، ولكنّ حساماً كانَ قدْ أفاقَ بدوره، مستعداً للدفاعِ عن كلِّ ما هوَ عزيزٌ عليه. لقدْ بدأتْ العاصفةُ الحقيقية، ولكنّهُ كانَ يعلمُ في قرارةِ نفسه، أنَّ السكونَ الذي يليها، سيكونُ أبلغَ وأقوى.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%