حب وكرامة الجزء الثالث
همسات الماضي في مدينة الغربة
بقلم مريم الحسن
بعد لقاء فهد المفاجئ في سوق القرية، شعرت "ليلى" (اسمها الحقيقي) بنسيم غريب ينساب في عروقها. كان لقاءً غير متوقع، في وقت لم تكن تتوقع فيه سوى الوحدة والضياع. كلماته، نظرته، حتى الطريقة التي ذكر بها مكتب المحاماة، كل ذلك بدا وكأنه صدفة مرتبة، أو ربما، تدبيراً إلهياً.
"هل أنتِ بحاجة إلى مساعدة؟" تلك العبارة، التي بدت عابرة، ألقت بظلال من الأمل في نفسها. كانت تبحث عن شيء، أي شيء، ليمنحها القوة والاستمرار.
وضعت هاتفها الجديد، الذي اشترته من بقايا مالها، بجانبها. كانت تتصفح الأرقام، تحاول أن تجمع شتات نفسها. فهد. هل كان حقاً مجرد محامٍ عادي؟ أم أنه كان يعلم شيئاً عنها؟
تذكرت حديثه عن "الخروج من المكان". هل كان يقصد القصر؟ أم شيئاً أعمق؟
قررت أن تذهب إلى المدينة. كانت المدينة مكاناً مجهولاً، ولكنه كان مليئاً بالفرص، وبعيداً عن الأعين المتطفلة لعائلتها. حزمت أمتعتها البسيطة، وقالت وداعاً للإمام وللناس الذين منحوها المأوى.
وصلت إلى المدينة، وضجيجها وصخبها. كانت تبدو صغيرة، وضائعة وسط الزحام. ولكنها كانت تحمل في قلبها قراراً صارماً.
بحثت عن عنوان مكتب المحاماة الذي ذكره فهد. وجدته في شارع حيوي، بناية شاهقة، وزجاج حديث. دخلت، وشعرت بأنها في عالم آخر.
استقبلتها سكرتيرة أنيقة، بابتسامة مصطنعة. "هل أنتِ هنا لمقابلة الأستاذ فهد؟"
"نعم." أجابت، وهي تشعر بقليل من التوتر.
"تفضلي بالجلوس، وسأنادي عليه."
جلست ليلى في غرفة الانتظار الفخمة، تتأمل تفاصيل المكان. كانت الكتب منظمة على الرفوف، ولوحات فنية حديثة تزين الجدران. كل شيء كان يدل على النجاح، والاحترافية.
بعد دقائق، خرج فهد. كان يرتدي بدلة أنيقة، ويبدو متألقاً. ابتسم لها ابتسامة دافئة.
"أهلاً بكِ، ليلى. أتيتِ بسرعة."
"لم أكن أريد أن أضيع الفرصة." قالت، وهي تشعر بالراحة لرؤيته.
"تفضلي، لندخل إلى مكتبي."
جلسا في مكتبه الفسيح، الذي يطل على المدينة. كانت الشمس تسطع من النافذة، وتلقي بظلالها الذهبية على الأرض.
"إذن، أخبريني عن نفسك." قال فهد، وبدا جاداً. "ما الذي جعلكِ تتربصين بالهرب من قصر الأندلس؟"
فاجأها سؤاله المباشر. لم تتوقع أن يسألها بهذه الصراحة. ترددت قليلاً، ثم قررت أن تقول له الحقيقة، أو جزءاً منها.
"لقد... لقد أُجبرت على زواج لم أكن أريده. زواج سيقيدني، ويسلبني حريتي." قالت، وصوتها يرتعش قليلاً. "لم أستطع أن أتحمل ذلك."
"أتفهم." قال فهد، وبدا متعاطفاً. "المجتمع أحياناً يكون قاسياً في فرض تقاليده. ولكن، هل ظننتِ أن الهروب هو الحل الوحيد؟"
"لم أكن أعرف ماذا أفعل." قالت، بعيون دامعة. "كنت أشعر بأنني محاصرة."
"وهل وجدتِ ما كنتِ تبحثين عنه؟" سأل، بابتسامة خفيفة.
"لست متأكدة. ولكن، لقاؤنا في القرية، ولقاؤنا هنا... يبدو أنهما ليسا مجرد صدفة."
"ربما." قال فهد، وهو ينظر إلى السماء. "ربما أراد الله لنا أن نلتقي. أنا أيضاً، كنت أبحث عن شيء."
"ما هو؟" سألت ليلى بفضول.
"شخص... أو معلومة. تتعلق بوالدي." قال، وصوته بدا حزيناً. "لقد اختفى قبل سنوات. وأنا أبحث عن أي أثر له."
"يا إلهي." قالت ليلى، وشعرت بالأسى. "هل كنت قريباً منه؟"
"نعم. كان كل شيء بالنسبة لي. ولكن، اختفى فجأة، دون أن يترك أي دليل. أخشى أن يكون قد وقع ضحية لشيء ما."
"وهل تعتقد أن عملك في المحاماة سيساعدك في العثور عليه؟"
"ربما. أحياناً ما تظهر القضايا الغريبة، التي قد تحمل إجابات. ولكن، حتى الآن... لا شيء."
صمتت ليلى، وهي تفكر في كلمات فهد. هل كانت هناك علاقة بين اختفاء والده، وبين قرارها بالهروب؟ هل كان هناك خيط يربط بين عائلتها وعائلته؟
"أنا... أنا لا أعرف كيف يمكنني مساعدتك." قالت، وهي تشعر بالعجز. "ولكن، إذا احتجت إلى أي شيء، يمكنني أن أبذل قصارى جهدي."
"شكراً لكِ، ليلى." قال فهد، وأخذ ينظر إليها بعمق. "ربما، هناك ما يمكنكِ تقديمه. ربما، مساعدتك لي، هي جزء من الطريق الذي أراده الله لنا."
"وما هو العمل الذي تقصده؟"
"أحتاج إلى مساعدة في بعض الأبحاث. في بعض القضايا القديمة، التي تتعلق ببعض العائلات هنا. إذا كنتِ تستطيعين القراءة والكتابة، ولديكِ بعض الوقت، يمكن أن تكوني مفيدة."
"نعم، أستطيع. أنا مستعدة." قالت ليلى، بجدية.
"ممتاز." قال فهد، وابتسم. "سأعطيكِ بعض الملفات، وتبدأين في تصفحها. وأي شيء تجدينه مثيراً للاهتمام، أو غريباً، أخبريني به."
"بالتأكيد."
قضت ليلى الأيام التالية في مكتب فهد، وهي تقرأ في ملفات قديمة. كانت قصصاً عن نزاعات عائلية، وصفقات مشبوهة، وحكايات عن ضياع وثروات.
في أحد الأيام، بينما كانت تتصفح ملفاً قديماً، يتعلق بقضية نزاع على أرض، قبل عشرين عاماً، انتبهت لاسم. اسم لم تعرفه، ولكنه كان يذكرها بشيء.
"لقد عثرت على شيء." قالت لفهد، وهي تشير إلى صفحة في الملف. "هذا الاسم... لا أعرفه، ولكنه يبدو مألوفاً."
نظر فهد إلى الاسم. "محمد السالم. نعم، أعرفه. كان صديقاً لوالدي. ولكنه اختفى أيضاً، بعد اختفاء والدي بفترة قصيرة."
"وماذا حدث لهذه القضية؟" سألت ليلى.
"لقد تم التستر عليها. لم يجد أحد تفسيراً. ولكن، كان هناك بعض الهمسات، عن فساد، وعن تلاعب."
"هل يمكن أن يكون هناك علاقة بين اختفاء والدي، وبين اختفاء هذا الرجل؟" سألت ليلى، وبدأت تشعر بشيء من القلق.
"ربما. كل شيء ممكن." قال فهد، وعيناه تلمعان بتركيز. "علينا أن نستكشف هذا الأمر أكثر."
شعرت ليلى بأنها قد خطت خطوة نحو اكتشاف الحقيقة. وأن هروبها من القصر، لم يكن نهاية، بل بداية لمغامرة جديدة، ومحفوفة بالمخاطر.