حب وكرامة الجزء الثالث
هواجس الليل وظلال الشك
بقلم مريم الحسن
انقضت أيام قليلة، لكنها بدت لعمر كأنها دهور. كان الليل صديقه الوحيد، ووسادته ملجأه من هواجس طالما حاول تجاهلها. لم يكن الأمر يتعلق فقط بحنان، بل كان هناك ما هو أعمق، ما ينسج خيوطًا من القلق في روحه، مخاوف تتراقص على حافة الوعي، كالسراب الذي لا يرتوي منه عطشان. كان يتسلل إلى مكتبه بعد أن يخلد الجميع للنوم، يضيء مصباحه الخافت، ويحدق في أوراق لم يعد يدري ما الذي يبحث عنه فيها. هل كان يبحث عن دليل يبرئ ساحته، أم عن سبب يعزز شكوكه؟
كان يعلم أن ما يعيشه ليس صحيًا. إدمان، هكذا وصفه الدكتور ناصر، صديقه المقرب وطبيبه النفسي. إدمان على البحث، على الشك، على نسج القصص الخيالية التي تغذي قلقه. تذكر تلك اللحظة التي واجهه فيها الدكتور ناصر بنظراته الثاقبة، وقلبه يخفق بقوة. "يا عمر، أنت تدمر نفسك. هذه الهواجس ليست واقعًا، إنها مجرد أوهام تصنعها بنفسك." لكن كيف له أن يصدق؟ كيف له أن يلقي بظلال الشك التي أصبحت جزءًا من كيانه؟
كانت ذكريات الطفولة تتسلل إليه في لحظات ضعفه. بيت والده الكبير، والأب الغائب دومًا، والأم التي كانت تملأ الفراغ بحنان مفرط، ربما كان مفرطًا لدرجة يثير التساؤلات. كان يبدو وكأنها تعوض شيئًا، أو تخفي شيئًا. تلك النظرات التي كانت تتبادلها مع والدته، تلك الهمسات التي كانت تتوارى خلف الأبواب المغلقة، كانت كلها ألغازًا لم يفك رموزها قط. هل كانت حنان مجرد صدى لتلك الألغاز؟ هل كان تعلقه بها وسيلة للبحث عن إجابات لم يجدها في ماضيه؟
ارتشف من قهوته المرة، وكانت مرارة تشبه مرارة الحياة التي يعيشها. نظر إلى صورته المعلقة على الحائط، ابتسامة شاب واثق، شاب لم يكن يعرف بعد حجم العتمة التي ستلتف حوله. كان يعلم أن حنان تستحق أفضل منه. تستحق رجلاً يمنحها الأمان، رجلاً لا تطارده أشباح الماضي. لكنه كان يخاف. يخاف أن يفقدها، وأن يفقد نفسه في غيابات الشك.
في أحد الأيام، وبينما كان يتفحص أوراق قديمة لوالده، وجد ظرفًا غريبًا. لم يكن عليه أي ختم، ولم يكن هناك عنوان للمرسل. فتحته بقلب يخفق. كانت هناك صورة قديمة، تعود لوالدته وهي شابة، وإلى جانبها رجل آخر. رجل لم يعرفه عمر قط. كانت الصورة في ظرف غريب، مخبأة بعناية فائقة، في مكان لا يخطر على بال أحد. من هذا الرجل؟ ولماذا كانت صورة والدته معه؟ هل كان هناك سر دفين لا يعلمه أحد؟
شعر برد فعل عنيف يسري في عروقه. لم يكن غضبًا، بل كان مزيجًا من الحزن والخوف والتساؤل. هل كانت كل هذه السنوات من البحث عن إجابات صحيحة؟ هل كان ما يعتقده حقيقة، مجرد قصة نسجتها الأحداث؟ عاد إلى مكتبه، والأوراق تتناثر حوله. كان يبحث الآن عن شيء محدد. عن أي ذكر لهذا الرجل، عن أي إشارة في مذكرات والده أو والدته.
شعر بوخزة في قلبه، عندما تذكر ابتسامة حنان الهادئة، وثقتها التي يراها في عينيها. كانت تمنحه الأمل، لكنه كان خائفًا أن يخيب ظنها. في تلك الليلة، لم ينم عمر. كان قلبه يدق كطبول الحرب، وعقله يصارع أمواج الشك. هل كان يدمر علاقته بحنان بسبب مخاوفه؟ هل كان يخلط بين الماضي والحاضر، بين الحقيقة والخيال؟
وصلت حنان إلى المنزل في وقت متأخر، وقد تعبت من يوم طويل في العمل. وجدت عمر مستيقظًا، يجلس في عتمة الغرفة، يتأمل الفراغ. اقتربت منه بهدوء، ولمست كتفه. "عمر، هل أنت بخير؟" نظر إليها، كانت عيناه تحملان تعبًا عميقًا. "حنان... هل أنت متأكدة أننا على الطريق الصحيح؟" سأل بضعف. ترددت حنان، لكنها أمسكت بيده بقوة. "عمر، مهما حدث، سنكون معًا. أنت أقوى مما تظن."
كلماتها كانت كبلسم لجرحه، لكنها لم تمحِ الظلال. كانت هناك خطيئة يعتقد أنها ارتكبها، خطيئة الانهماك في الماضي، وتجاهل الحاضر. كان عليه أن يواجه حقيقه، حقيقه أن الشك يمكن أن يكون مدمرًا، وأن الماضي يجب أن يبقى في مكانه. لكن الأصعب كان، كيف له أن يتجاوز ما رأى؟ كيف له أن يطمئن قلبه المرتعب؟ كانت تلك الصورة، وذلك الظرف، قد فتحا بابًا مظلمًا، بابًا لم يكن يعرف ما الذي ينتظره خلفه.
كانت السماء تمطر بغزارة في الخارج، وكأنها تعكس اضطراب روحه. كان يعلم أنه يقف على مفترق طرق. إما أن يواجه مخاوفه، ويتجاوز ماضيه، أو يغرق في بحر من الشك، ويخسر كل شيء. هل كانت حنان هي المرساة التي ستنقذه، أم أنها ستصبح ضحية لإدمانه على القلق؟ كان عليه أن يختار. ولم يكن الاختيار سهلاً على الإطلاق.