قلب طاهر الجزء الثاني
لقاء على ضفاف النيل
بقلم مريم الحسن
انهمر المطر بغزارة، قذائف من الماء تهشم الزجاج الثقيل لنافذة المكتب المطل على القاهرة القديمة. في الخارج، أصبحت الشوارع نهرًا متدفقًا، وتلألأت أضواء السيارات المارّة كجواهر مشتتة في ليل بهيم. في الداخل، كان الصمت ثقيلًا، لا يكسره سوى همس الرياح ونداءات المكبرات البعيدة من مساجد تتشبث بأصالتها في قلب هذه المدينة العتيقة. جلست "نور" خلف مكتبها الخشبي المجلوب من بلدها، تتأمل بصمات أصابعها التي تركها المطر على زجاج النافذة. كانت تبحث عن شيء ما، عن بصمة زمن، عن شبح ذكرى، عن لمحة من مستقبل غامض.
ارتدت "نور" ثوبًا أسود فضفاضًا، يتماشى مع رزانة مكانها وحالة روحها. شعرها الأسود الداكن، الذي عادة ما تجمعه في ضفيرة أنيقة، انسدل حول وجهها كوشاح من الظلام، تتخلله خصلات بيضاء بدأت تظهر بعناد، شاهدة صامتة على سنوات قضتها في سعى وراء العدالة. كانت محامية، قوية، صلبة، لم يلينها سوى عزمها الذي لا يتزعزع. لكن هذه الليلة، بدت هشّة، كزهرة تحاول الصمود أمام عاصفة لم تتوقعها.
تنهدت بعمق، وسحبت ورقة من درج مكتبها. كانت صورة باهتة، بالأبيض والأسود، لرجل يبتسم ببرود، وعيناه كبحرتين غامضتين. "عمر". الاسم الذي كان يتردد في أرجاء ذاكرتها كصدى بعيد. سبع سنوات مرت منذ ذلك اللقاء الأخير، لقاءٌ لم يكن سوى بداية قصة، قصةٌ لم تعرف نهايتها أبدًا. لقاءٌ شهدته سماء القاهرة، ذات مساءٍ شتويٍ غائم، أمام بوابة إحدى القاعات الجامعية العريقة.
كانت "نور" في عامها الأخير بالجامعة، طالبة مجتهدة، طموحة، تحلم بأن تترك بصمة في عالم القانون. أما "عمر"، فكان أستاذًا شابًا، يدرس القانون الدولي، يمتلك كاريزما طاغية، وذكاءً حادًا، وجمالًا يسرق الألباب. التقيا في ندوة، ثم تكررت اللقاءات، تجمعهما اهتمامات مشتركة، وشغف بالحقيقة، وحسٌ بالمسؤولية تجاه المجتمع. تطورت العلاقة بحذر، بحياء، متجذرة في الاحترام المتبادل، ورغبة في بناء شيءٍ أصيل.
كانت "نور" تتذكر تفاصيل ذلك اللقاء الأخير جيدًا، وكأنها جرت أمس. كانت الأجواء مشحونة، تسبق عاصفةً حقيقية. كانت قد تلقت عرضًا مغريًا للعمل في الخارج، فرصةٌ لا تعوّض، ولكنها تعني الابتعاد عن "عمر" وعن مصر، وعن كل ما بدأت تبنيه. في تلك الليلة، أمام الجامع الكبير، الذي يغفو على أطراف النيل، التقيا.
"نور، لماذا كل هذا الصمت؟" سأل "عمر"، صوته كان هادئًا، ولكنه يحمل نبرة قلقٍ خفية. كان يقف أمامها، وقد انسدلت خصلات شعره الداكنة على جبهته بفعل نسمةٍ باردة.
"لا أعرف يا عمر. أفكاري متشابكة، وقلبي مثقل." أجابت، وعيناها تبحثان عن عزاءٍ في عينيه.
"هل هو العرض؟" سأل، يعرف الإجابة قبل أن تنطق بها.
أومأت برأسها. "إنها فرصةٌ رائعة، لا يمكنني تفويتها. ولكن..."
"ولكنكِ لا تريدين الابتعاد." أكمل، مدّ يده ليلمس خدها برفق. كانت لمسةً تحمل في طياتها الكثير من المشاعر المكبوتة، الود، الحنان، وربما شيءٌ أعمق، شيءٌ كانا يتهربان من تسميته.
"أنا أحبك يا عمر." نطقت الكلمات بصوتٍ متهدج، وكأنها تكسر حاجزًا من الصمت والخوف.
شعر "عمر" بيدها ترتجف وهي تلمس يده. "وأنا أحبك يا نور. أكثر مما تتصورين."
كانت تلك اللحظة، لحظة اعتراف، لحظة وعدٍ ضمني، لحظة بناءٍ لمستقبلٍ مشترك. ولكنه لم يكتمل. في صباح اليوم التالي، اختفى "عمر". لم يترك وراءه رسالة، لا تفسيرًا، لا أثرًا. فقط فراغٌ هائل، وحيرةٌ قاتلة.
غادرت "نور" مصر، بعد أسابيع من البحث المحموم، دون أن تجد له أي أثر. سافرت إلى باريس، حيث حققت نجاحًا كبيرًا في مسيرتها المهنية، ولكن قلبها ظل معلقًا في مصر، معلقًا على صورة "عمر" وعلى سؤالٍ لم تجد له إجابة.
عادت "نور" إلى القاهرة بعد سبع سنوات، ليس كطالبةٍ جامعية، بل كمحاميةٍ مرموقة، وكمنظمةٍ لحقوق الإنسان. عادت تحمل معها قضيةً جديدة، قضيةً ستعيدها إلى الماضي، إلى حيث تركت جزءًا من روحها. كانت تعود لاستلام قضية اختفاءٍ غامض، اختفاءٍ لشبابٍ نشطاء، اختفوا في ظروفٍ تذكرها بتفاصيل اختفاء "عمر".
فتحت "نور" ملف القضية على مكتبها. صورٌ لوجوهٍ شابة، أحلامٌ معلقة، عائلاتٌ تبحث عن أجوبة. شعرت بنفس اللهاث الذي كان ينتابها في تلك الليلة الماطرة. شعرت بأن هذه القضية ليست مجرد قضية عمل، بل هي رحلةٌ إلى المجهول، رحلةٌ ستعيد فتح جروحٍ قديمة، وربما، وربما، ستجد فيها ضالتها.
صعدت "نور" إلى شرفتها الصغيرة، استنشقت عبير النيل الممزوج برائحة الياسمين المتسللة من حدائق البيوت القديمة. كان المطر قد توقف، وبدأت السماء تصفو، لتظهر نجومٌ خجولة. نظرت إلى السماء، ورفعت يدها في دعاءٍ صامت، "يا رب، أرني الطريق. دلني على الحقيقة."
كانت تعلم أن العودة إلى الماضي، إلى القاهرة، إلى هذه المدينة التي تحمل الكثير من ذكرياتها، لن تكون سهلة. ولكنها كانت مستعدة. كانت مستعدة لمواجهة الظلال، لمواجهة الأسرار، لمواجهة "عمر" إن كان لا يزال في هذا العالم. لقد أصبحت أقوى، وأكثر خبرة، ولكن شيئًا في داخلها ظل كما هو، قلبٌ لا يزال ينبض بالحب، وينتظر اليقين.
بدأت تمطر مجددًا، ولكن هذه المرة، كانت قطرات المطر تداعب وجهها برفق، كأنها تبارك قرارها. أمسكت بالصورة الباهتة مرة أخرى، وابتسمت ابتسامةً خفيفة. "عمر، لقد عدت. وسأجدك."
لم تكن تعلم أن هذه العودة ستكون مفترق طرقٍ جديد، وأن ما ينتظرها خلف ستار الليل، في أزقة القاهرة القديمة، وفي دهاليز الحقيقة الملتوية، سيكون أشد قسوةً وغموضًا مما كانت تتوقع. لكنها كانت "نور"، ولم تكن لتتراجع أمام أي تحدٍ.