قلب طاهر الجزء الثاني

لقاء تحت ظلال الياسمين

بقلم مريم الحسن

عاد سيف إلى البيت وقد استقرّ قراره. لم يعد يحتمل ذاك البعد الذي فرضه القدر، ولا ذاك الشوق الذي استقرّ في حناياه كنهر خفيّ. كانت الأيام تمرّ ثقيلة، وكلّ وجهٍ يلقاه لم يكن إلاّ شبحاً لوجهها الذي طالما راوده في أحلامه. لم يكن الأمر مجرّد تعلّق عابر، بل كان روحاً وجدت توأمها، وقلباً استأنس بوجود آخر يشاركه نبضاته.

جلست والدته، السيدة فاطمة، في بهو الدار، تتصبب عرقاً بارداً وهي تتصفح كتاب الله، ولكن عيناها كانتا شاردتين، تترقبان خروج ابنها الوحيد. كان للقلق بصمة واضحة على ملامحها التي طالما عرفت بالبسمة والهدوء. منذ أن قرر سيف السفر إلى الخارج لدراسته، لم تفارقها تلك الهواجس التي لا ينساها قلب الأم.

"أهلاً وسهلاً يا بني،" قالت بصوتٍ ارتجف قليلاً، وهي تنهض لاستقباله. عناقٌ طويلٌ جمع بينهما، شعرت فيه الأم بقوة ابنها الذي عاد رجلاً، وشعر فيه سيف بحنان أمه الذي طالما اشتاق إليه.

"كيف حالك يا أمي؟" سأل سيف، وهو يمسح على رأسها بحنان. "تبدين متعبة."

"ما دام أنت بخير، فكلّ شيءٍ بخير يا ولدي. قل لي، كيف كانت رحلتك؟ وكيف هي أحوال الدراسة؟" سألت بشوق، وهي تشده نحو مجلسها.

جلس سيف، واستعرض أمامها صوراً جميلة لوطنه الذي تركه، ولكنه لم يستطع أن يطوي في قلبه ذكرى ذلك الوجه المشرق الذي خطف لبه. "الدراسة جيدة يا أمي، والحمد لله. ولكن، هناك أمرٌ أريد أن أخبرك به."

ارتسم القلق على وجه السيدة فاطمة مرة أخرى. "ما هو يا سيف؟ هل حدث شيء؟"

"لا، لا شيء مكروه. بل العكس. لقد قررت أن أخطو خطوةً جادةً في حياتي." قال سيف، ونبرة من الحزم والتصميم تعلو صوته.

"ماذا تقصد يا بني؟" سألت بترقب.

"أريد أن أطلب يد الآنسة نورا. لقد عرفت في فترة وجيزة أن قلبي لا يطمئن إلاّ بجوارها، وأن سعادتي الحقيقية تكمن في بناء أسرةٍ معها."

ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه السيدة فاطمة، وبدا وكأنّ جبلاً من الهمّ قد أزيح عن صدرها. "نورا؟ ابنة الحاج محمود؟ الفتاة الطيبة الخلوقة؟ يا له من خبرٍ يسعد القلب يا سيف! لقد سمعت عنها الكثير من الثناء، ورأيت فيها آثار التقوى والصلاح. إنها حقاً فتاةٌ تستحقّ كلّ خير."

"نعم يا أمي، هي كذلك. أريد أن نذهب لطلب يدها الأسبوع القادم، إذا كان رأيك موافقاً."

"بالطبع يا بني، إنّ رأيي من رأيك، وسأكون معك بكلّ سرور. هذا ما كنت أنتظره منك دائماً، أن تكمل نصف دينك وتؤسس بيتاً مباركاً."

في الجهة الأخرى من المدينة، كانت نورا تعيش حياتها في هدوءٍ نسبي، ولكنّ قلبها لم يكن غافلاً عن ذكريات اللقاءات الخاطفة مع سيف. كان كلّ ذكرى بمثابة نجمةٍ تضيء ظلمة أيامها. كانت تتجنب الخروج إلاّ للضرورة، وتستغلّ وقتها في العبادة ومساعدة والدتها في شؤون المنزل.

"يا نورا، هل سمعتِ أخباراً عن سيف؟" سألتها والدتها، وهي تحضر معها كوباً من الشاي.

"لا يا أمي، لم أسمع منه شيئاً منذ سفره." أجابت نورا، وهي تحاول أن تخفي ارتجافةً في صوتها.

"عسى الله أن يجمع شملكم قريباً. إنه شابٌ مبارك، وأخلاقه رفيعة. لقد أعجبتني فيه حرصه على إرضاء والدته، وطيبته التي لا تخفى على أحد."

ابتسمت نورا ابتسامةً خفيفة، ثمّ رفعت رأسها وقالت: "إنّ الأخلاق الطيبة صفةٌ نادرةٌ في هذا الزمان يا أمي."

في ذلك المساء، بينما كان سيف يتحدث مع والدته عن تفاصيل زيارة عائلة نورا، وصل رسالةٌ نصيةٌ إلى هاتفه. كانت من صديقه المقرب، أحمد. "سيف، أحتاج رؤيتك بأسرع وقت. الأمر عاجل."

شعر سيف ببعض القلق. أحمد كان نادراً ما يلجأ إليه بهذه الطريقة. "حسناً يا أحمد، أنا في طريقي إلى مكتبك."

انطلق سيف مسرعاً، وقلبه يعتصره بعض الخوف. ماذا يمكن أن يكون هذا الأمر العاجل؟ هل له علاقة بمشاريعه التي تركها قبل سفره؟ أم بشيءٍ آخر لم يخطر بباله؟

عندما وصل إلى مكتب أحمد، وجده في حالةٍ مضطربة. كان يمشي ذهاباً وإياباً، ووجهه يعكس قلقاً شديداً.

"ما بك يا أحمد؟" سأل سيف.

"يا سيف، لقد حدث أمرٌ جلل." قال أحمد، وهو يتوقف أمامه. "هل تتذكر الشركة التي كنا نستثمر فيها مع السيد عمر؟"

"نعم، أتذكرها. ماذا عنها؟"

"لقد أعلنوا الإفلاس. والأسوأ من ذلك، أن السيد عمر اختفى. يبدو أنّه قد هرب بأموالنا وأموال المستثمرين الآخرين."

تساقطت الكلمات على سيف كالصواعق. لقد كان هذا الاستثمار يمثل جزءاً كبيراً من مدخراته، والتي كان ينوي أن يستغلها في بناء مستقبله مع نورا. "لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً! كيف حدث ذلك؟"

"لا أعرف بالضبط، ولكنّ التقارير الأولية تشير إلى تلاعبات مالية كبيرة. لقد خسرت كلّ شيء يا سيف. كلّ ما كنت أملكه." قال أحمد، والصوت متهدجاً بالدموع.

شعر سيف ببرودةٍ تسري في عروقه. هذه الضربة كانت موجعة، ومفاجئة، وفي وقتٍ كان فيه على وشك تحقيق سعادته. لقد كان يخطط لكلّ شيء، ولديه رؤية واضحة لمستقبله، ولكنّ هذا الخبر المفاجئ هدم كلّ شيء.

"اهدأ يا أحمد. لا تفقد الأمل. سنبحث عن حلٍ لهذه المشكلة. إنّ الله مع الصابرين." قال سيف، محاولاً أن يطمئن صديقه، وقلبه هو الذي كان ينزف ألماً.

عاد سيف إلى منزله في تلك الليلة، وعقله مشغولٌ بالتفكير في الأزمة الجديدة. كيف سيخبر والدته؟ وكيف سيواجه والد نورا بهذه الأخبار؟ كان الأمر أشبه بسقوطٍ من علٍ. كان يتمنى لو أنّه لم يغادر وطنه، أو لو أنّه لم يستثمر كلّ أمواله بهذه السرعة.

جلس على شرفة غرفته، يراقب النجوم التي بدت بعيدةً وباردة. تذكر وجه نورا المشرق، وابتسامتها التي كانت تضيء أيامه. هل سيستطيع أن يحافظ على وعده لها؟ هل سيستطيع أن يمنحها الحياة الكريمة التي تستحقها؟

شعر بعبءٍ ثقيلٍ يقع على كاهله. لم يكن الأمر مجرّد خسارة مالية، بل كان تحدياً لقدرته على الصمود، وإصراره على تحقيق أحلامه. نظر إلى السماء، ودعا الله أن يمنحه القوة والصبر، وأن يفتح له باباً من أبواب الفرج. كان يعلم أن معركةً جديدةً قد بدأت، ولم يكن يعرف بعد كيف ستنتهي.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%