قلب طاهر الجزء الثاني
كفاحٌ وصمودٌ في وجه العاصفة
بقلم مريم الحسن
لم يمضِ يومٌ واحدٌ دون أن يشغل سيفٌ باله بإيجاد حلٍّ لمشكلته. لقد عاد إلى مكتبه، وبدأ يراجع كلّ الوثائق المتعلقة بالاستثمار الذي تعرض للخسارة. كان يبحث عن أدنى دليلٍ قد يساعده في كشف تلاعبات السيد عمر، أو على الأقلّ استعادة جزءٍ من أمواله.
طلب من أحمد أن يأتيه بجميع الأوراق التي تخصّ تلك الشركة، وكلّ ما يدلّ على علاقة السيد عمر بالصفقات المشبوهة. كان أحمد، رغم حزنه الشديد، متعاوناً، وفياً لصداقتهما.
"يا سيف، هل أنت متأكدٌ من أننا سنتمكن من فعل شيء؟ لقد اختفى الرجل، ويبدو أنه خطط لكلّ شيءٍ بدقة." قال أحمد، وهو يحمل كومةً من الملفات.
"يجب أن نحاول يا أحمد. لا يمكننا أن نستسلم بهذه السهولة. لقد عملنا بجدٍّ لتحصيل هذه الأموال. لن ندعها تذهب سدى." أجاب سيف، ونبرةٌ من التصميم تعلو صوته.
قضى سيف أياماً وليالٍ في المكتب، يدرس المستندات، ويتصل بالمحامين، ويحاول تتبع أيّ أثرٍ للسيد عمر. كان يتلقى دعماً معنوياً كبيراً من والدته، ومن الحاج محمود الذي كان يطمئن عليه بين الحين والآخر.
"كيف حالك يا سيف؟ هل وجدت أيّ خيطٍ يوصلنا إلى الحقيقة؟" سأل الحاج محمود في إحدى مكالماته.
"ما زلت أبحث يا عمي. الأمر معقدٌ جداً. ولكنّي لم أفقد الأمل." أجاب سيف.
"هذا هو الكلام الطيب. تذكر يا بني، أنّ مع العسر يسراً. والله مع الصابرين. وإذا احتجت أيّ شيءٍ، فلا تتردد في إخباري."
كانت هذه الكلمات بمثابة شحنةٍ إيجابيةٍ لسيف. لقد وجد في الحاج محمود سنداً قوياً، ورجلاً يفهم معنى الصداقة الحقيقية.
من ناحيةٍ أخرى، لم تكن نورا غافلةً عما يمرّ به سيف. كانت تدعو له بظهر الغيب، وتصلّي أن ينجيه الله من هذه المحنة. كانت تحدث والدتها عن مخاوفها، ولكنّها كانت تبدي أيضاً ثقةً في قدرة سيف على الصمود.
"يا أمي، أشعر أن سيف يمرّ بأيامٍ عصيبة. أتمنى أن أكون بجانبه، لأقدم له الدعم." قالت نورا.
"وإن شاء الله ستكونين بجانبه، عندما يأتي الوقت المناسب. ولكنّ الأهم الآن هو الدعاء له، وأن تكوني له السند المعنوي. المرأة الصالحة هي التي تقف مع زوجها في السراء والضراء."
كانت كلمات والدتها تمنح نورا قوةً أكبر. لقد أدركت أن دورها في هذه المرحلة هو الصبر والدعاء، وأنّها قادرةٌ على أن تكون السند الذي يحتاجه سيف.
ذات مساءٍ، وبعد ساعاتٍ طويلةٍ من البحث، وجد سيف خيطاً رفيعاً. لقد اكتشف أن السيد عمر كان قد قام بتحويل جزءٍ كبيرٍ من الأموال إلى حسابٍ خارجي، وأنّ هناك شخصاً كان يتعاون معه في عملية الاحتيال هذه. لم يكن يعرف من هو هذا الشخص، ولكنّ لديه بعض المعلومات التي قد تقوده إليه.
"أحمد! لقد وجدت شيئاً!" صاح سيف، وهو يتصل بصديقه. "لقد اكتشفت أن السيد عمر لم يكن يعمل وحده. هناك شريكٌ له."
"من هو؟ هل تعرف هويته؟" سأل أحمد، وعلامات الحماس بدت عليه.
"ليس لديّ اسمٌ محدد، ولكنّ لديّ بعض الأرقام والحسابات التي قد تساعدنا في التعرف عليه. سنحتاج إلى مساعدةٍ من الشرطة."
قرر سيف وأحمد أن يذهبا إلى الشرطة فوراً. لقد أعدا جميع المستندات والأدلة التي جمعاها، وتوجها إلى مركز الشرطة.
"سيادة الضابط، نودّ أن نبلغ عن عملية احتيالٍ كبيرة." قال سيف، وقد قدم لهما الملفات.
بدأ الضباط في فحص المستندات، وبدت علامات الاهتمام على وجوههم. لقد كانت الأدلة دامغة، وتشير إلى وجود عملية نصبٍ ممنهجة.
"سنبدأ التحقيق فوراً. شكركم على تعاونكم. لقد قمتم بعملٍ بطولي." قال الضابط المسؤول، وقد بدا عليه الرضا.
شعر سيف ببعض الارتياح. لقد كانت هذه خطوةً كبيرةً نحو استعادة حقوقه. ولكنّه كان يعلم أن الطريق ما زال طويلاً، وأنّ المعركة لم تنتهِ بعد.
عاد سيف إلى المنزل، مرهقاً ولكنّ قلبه مليءٌ بالأمل. رآه والده، الذي عاد من سفرٍ قصير، في حالةٍ متعبة.
"ما بك يا بني؟ تبدو منهكاً." سأل والده.
"لقد كنت أعمل على قضيةٍ قديمة، واستجدّت فيها بعض المعلومات." أجاب سيف.
"لا ترهق نفسك يا بني. صحتك أغلى من أيّ مال. ولكنّي أعرفك، وأنّك لا ترضى بالظلم. إذا كنت تحتاج إلى أيّ مساعدة، فلا تتردد."
شعر سيف بقوةٍ جديدةٍ تنبعث من كلماته. كان يعلم أن عائلته تقف بجانبه، وأنّ هذا الدعم هو وقودُه للاستمرار.
في تلك الليلة، استيقظ سيف على صوت هاتفه. لقد كان اتصالاً من الشرطة. "سيادة الشاب، لقد تمكنا من تحديد هوية الشخص الذي كان يتعاون مع السيد عمر. إنه شخصٌ معروفٌ في الأوساط التجارية، وله سوابق. نحن في طريقنا للقبض عليه."
شعر سيف بانقباضٍ في قلبه. لقد اقترب الكشف عن الحقيقة، وبدأ يشعر بثقل المسؤولية. لقد أصبح الأمر يتعلق ليس فقط باستعادة أمواله، بل بكشف مجرمٍ سعى إلى تدمير حياة الكثيرين.
نظر سيف إلى صورة نورا التي كانت معلقةً على مكتبه. لقد كانت ابتسامتها مصدر إلهامه، وسبب صموده. لقد وعدها بمستقبلٍ آمن، وسيبذل قصارى جهده ليفي بوعده، حتى لو كلفه ذلك كلّ ما يملك.