قلب طاهر الجزء الثاني
الهمسات تتكشف والأوهام تتبدد
بقلم مريم الحسن
تزداد الشكوك وتتشابك الخيوط، وتتجه نور بحذر نحو كشف ماضي والدها. استمرت في البحث عن أي دليل قد يضيء لها زاوية مظلمة في حياة الرجل الذي أحبته. في أحد الأيام، ذهبت إلى مكتبة قديمة في وسط المدينة، اشتهرت بوجود كتب نادرة ووثائق قديمة. بعد بحث مضنٍ، عثرت على مجلة تجارية قديمة تعود إلى أوائل التسعينات. وبين صفحاتها، وقعت عيناها على صورة لرجل أعمال كان له دور بارز في تلك الفترة، كان اسمه "سالم بن عبيد". لم يكن الاسم مألوفاً لها، ولكن الوصف المرافق للصورة ذكر مشاريع استثمارية ضخمة، وبعض الصفقات التي كانت مثيرة للجدل.
بدأت نور تشعر بأنها تقترب من شيء ما. عادت إلى المنزل، وبدأت تسأل والدتها بأسلوب أكثر إصراراً عن أي علاقة بين والدها وبين رجال أعمال آخرين. "أمي، هل كان والدي يعمل مع شخص اسمه سالم بن عبيد؟"
ترددت السيدة زينب. "سالم بن عبيد؟ آه، نعم. كانا يعرفان بعضهما البعض. كانا يتنافسان في بعض الصفقات. ولكن والده لم يكن يحب التعامل معه كثيراً، كان يعتبره رجلاً طموحاً بلا حدود."
"وماذا عن المرأة في الصورة؟" سألت نور، وهي تري والدتها صورة المرأة الغامضة.
نظرت السيدة زينب إلى الصورة، ثم أخذت نفساً عميقاً. "هذه هي 'ليلى'. كانت شريكة سالم بن عبيد في بعض المشاريع. كانت امرأة قوية، وطموحة جداً. علاقتها بوالدك كانت علاقة عمل بحتة، لا أكثر."
"ولكن، يا أمي، انظري إلى عينيهما في الصورة. كان هناك تقارب. هل أنت متأكدة أنهما كانا مجرد زملاء عمل؟"
صمتت السيدة زينب، وبدت وكأنها تتذكر شيئاً مؤلماً. "يا ابنتي، والدك كان رجلاً يحبني كثيراً. لقد عشت معه حياة سعيدة. هذه الأمور قديمة، ولا أدري إن كان لها أي أهمية الآن."
شعرت نور بأن والدتها ما زالت تخفي عنها شيئاً. ولكنها لم تضغط عليها أكثر. بدأت تبحث عبر الإنترنت عن سالم بن عبيد وزوجته ليلى. وجدت أن ليلى لم تكن مجرد شريكة أعمال، بل كانت زوجة سالم بن عبيد. وأن لديهما ابناً وحيداً.
في هذه الأثناء، كان حسام يحاول فهم الصورة التي تتشكل أمامه. بعد حديثه مع خالد، قرر أن يزور مكتبة عامة قديمة، بحثاً عن أي أخبار تتعلق بصفقة والده المفقودة. كان يأمل أن يجد أي معلومة تربط بين والده وبين "أبو سليمان" أو عن صفقة "الشيخ إبراهيم". وجد في أحد الأرشيفات الصحفية خبراً قديماً يعود إلى ما يقرب من خمسة عشر عاماً، يتحدث عن صفقة تجارية ضخمة ألغيت في اللحظة الأخيرة، وكان طرفاها شركة "النجاح للاستثمارات" (التي كان يملكها والد حسام) ورجل أعمال يدعى "سليمان العلي". ذكر الخبر أن الصفقة كانت تتعلق بمشروع عقاري ضخم في منطقة سياحية واعدة.
شعر حسام بأن قلبه يخفق بشدة. "سليمان العلي". هذا هو "أبو سليمان" الذي تحدث عنه خالد. لكن الخبر لم يذكر أي تفاصيل عن سبب الإلغاء، أو عن الطرف الذي كان السبب. فقط ذكرت أن الصفقة ألغيت فجأة، مما أدى إلى خسائر مالية كبيرة للطرفين.
عاد حسام إلى السيدة ليلى، والدة خالد، وحدثها عما اكتشفه. "يا سيدة ليلى، لقد وجدت خبراً عن صفقة بين والدي وبين سليمان العلي، ألغيت فجأة. هل سمعتِ شيئاً عن هذا الأمر؟"
نظرت إليه السيدة ليلى بتفكير عميق. "نعم، أتذكر. كان ذلك في فترة حرجة. والدي كان يحاول جاهداً إنجاح هذه الصفقة. ولكنها ألغيت. لا أدري لماذا، ولكنني سمعت همسات بأن هناك تدخلات خارجية كانت وراء هذا الإلغاء. ولكن لم يكن أحد يتحدث عن ذلك علناً. لقد كان عالماً مليئاً بالمنافسات الشرسة. والدي، كان يحاول دائماً العمل بشرف. ولكنه كان يعلم أن هناك من لا يخافون الله في أرزاق الآخرين."
"وهل سمعتِ عن اسم 'سالم بن عبيد'؟" سأل حسام، وهو يشعر بأن كل شيء بدأ يتصل.
اتسعت عينا السيدة ليلى. "سالم بن عبيد؟ نعم، كان منافساً لدوداً لوالدي. كانا يتنافسان على نفس المشاريع. سمعت أن والدك كان لديه بعض الخلافات معه في السابق."
هنا، بدأت تتكون في ذهن حسام صورة مرعبة. والد نور، وعلاقته بزوجة سالم بن عبيد. ووالده، وعلاقته بسليمان العلي، المنافس اللدود لسالم بن عبيد. هل كانت هناك علاقة بين هذه الأسرار؟ هل كان مصير والديه مرتبطاً بطريقة ما؟
في هذه الأثناء، كان أحمد يتلقى اتصالاً هاتفياً. كان صوتاً رجولياً عميقاً، يقول: "السيد أحمد، هل أنت مهتم بمعرفة الحقيقة كاملة؟ حقيقة والدك، وحقيقة بعض الشركاء الذين لم يكونوا بالصورة التي رأيتها."
شعر أحمد ببرودة مفاجئة. "من أنت؟ وماذا تريد؟"
"أنا شخص يهتم بالعدالة، ويكره الظلم. أعرف أن والدك، الشيخ إبراهيم، لم يكن مجرماً كما قد يظن البعض. ولكن هناك من استغل طيبته، وهناك من أوقع به. أعرف عن بعض الصفقات التي تمت في الخفاء، وعن بعض الأشخاص الذين لهم يد فيما حدث."
"ماذا تعرف؟" سأل أحمد، وبدأ قلبه يخفق بقوة.
"أعرف عن علاقة الشيخ إبراهيم بسيدة تدعى 'زينب'. وأعرف عن صفقة كان على وشك إبرامها مع رجل يدعى 'سليمان العلي'. وأعرف أن هناك من كان يخطط لإفشال هذه الصفقة، لسبب ما. وإذا أردت أن تعرف المزيد، عليك أن تأتي إلى العنوان الذي سأرسله لك. وحدك."
قبل أن يتمكن أحمد من الرد، أغلق المتصل الخط. ترك أحمد في حيرة عميقة، وبداية شكوك جديدة. هل كانت هذه الصفقة، وهذه السيدة، مرتبطة بوالدته؟ أم أن هناك شيئاً آخر؟