قلب طاهر الجزء الثاني
همسات الماضي في سوق خان الخليلي
بقلم مريم الحسن
تسللت أشعة الشمس الذهبية الأولى عبر نوافذ المقهى الشعبي، ملقيةً بوهجٍ دافئ على وجوه رواده الأوائل. كانت "نور" قد وصلت مبكرًا، تبحث عن مكانٍ هادئٍ في قلب القاهرة النابض بالحياة، في قلب سوق خان الخليلي التاريخي، حيث تمتزج رائحة البخور بالبهارات، وحيث تحكي جدران المحلات قصصًا من قرونٍ مضت. اختارت طاولةً في زاويةٍ هادئة، بعيدةً عن ضجيج الباعة وصخب المتسوقين، وأمرت بفنجان قهوةٍ سادة، لتستيقظ حواسها على إيقاع المدينة.
كانت ترتدي ثوبًا بلون رمال الصحراء، مع وشاحٍ حريريٍ مطرزٍ بلمساتٍ من اللون الفيروزي، إطلالةٌ تجمع بين البساطة والأناقة، وتمنحها هالةً من الغموض. عيناها الواسعتان، بلون العسل، كانتا تتجولان في المكان، تلتقطان تفاصيل دقيقة: نقوشٌ على الأبواب الخشبية القديمة، تماثيلٌ فخاريةٌ تنام في الظل، ألوانٌ زاهيةٌ للزجاج المعشق، ووجوهٌ تحمل بصمات الزمن والتجاعب.
لم تكن "نور" مجرد محاميةٍ تتبع أدلة، بل كانت فنانةً في التقاط التفاصيل، وفي فهم لغة الأماكن والأشخاص. كانت تؤمن بأن كل شيءٍ يحكي قصة، وأن كل شيءٍ يحمل بصمة، وأن الحقيقة تكمن أحيانًا في الأماكن المهملة، وفي الوجوه التي يمر بها الناس دون أن يلتفتوا إليها.
جلست "نور" تتأمل الوجوه المتنوعة التي مرت أمامها. سياحٌ فضوليون، باحثون عن تذكاراتٍ لا تنسى، بائعون يصدحون بأصواتهم، يدعون إلى شراء بضاعتهم، وحرفيونٌ صغارٌ يعملون بمهارةٍ فائقة، يصنعون الفن بأياديهم. شعرت بانسجامٍ غريب مع هذا المكان، كأن روحها تتناغم مع إيقاع الحياة القديمة.
وصلها فنجان القهوة، تفوح منه رائحةٌ قويةٌ ومرّة. أخذت منه رشفةً، ثم أخرجت دفتر ملاحظاتها الصغير، وقلماً فضياً. بدأت تكتب، تسجل ملاحظاتها عن القضية التي أتت من أجلها: اختفاء شابٍ يدعى "أحمد"، طالبُ فنونٍ، معروفٌ بنشاطه الطلابي، اختفى قبل أسبوعين دون أن يترك أثرًا. عائلته، كما هو متوقع، في حالةٍ من اليأس، وقد توسلوا إليها أن تبحث عن ابنهم.
كانت "نور" قد بدأت بالفعل عملها، أجرت مقابلاتٍ مع أصدقاء "أحمد" وعائلته، ولكن القليل من المعلومات كان متاحًا. الكل يتحدث عن شابٍ ملتزم، موهوب، وله آراءٌ قوية. ولكن لا أحد يعرف ما الذي قد يكون أدى إلى اختفائه.
تذكرت "نور" كيف أن "عمر" كان يحب هذا السوق. كان يصفه بأنه "قلب القاهرة الذي لا ينبض بالدم، بل بالحكايات". كان يأتيه كلما شعر بالضياع، أو بالرغبة في استعادة توازنه. كان يتجول بين الأزقة الضيقة، يتأمل الأعمال الفنية، ويتحدث إلى الباعة. ربما كان هذا هو السبب الذي جعلها تختار هذا المكان بالذات للقاء أول مرشدٍ محتمل لها في هذه القضية.
ورد لها اتصالٌ على هاتفها، كان رقمًا غريبًا. ردت بصوتٍ هادئ: "نور على الهاتف."
جاء صوتٌ عميقٌ، أشبه بالهمس: "أهلاً بكِ يا سيدتي. هل أنتِ في خان الخليلي؟"
"نعم، من أنت؟" سألت، وعيناها تبحثان عن مصدر الصوت في المقهى.
"أنا شخصٌ يعرف بعض الأمور التي قد تهمك. لدي معلومةٌ عن اختفاء الشاب أحمد. هل يمكننا اللقاء؟"
ارتسمت علامة استفهامٍ كبيرة على وجه "نور". نظرت حولها، ولكن لم ترَ أحدًا يلفت انتباهها. "أين يمكننا اللقاء؟"
"لا تقلقي، سآتي إليكِ. ابقي في مكانك. ابحثي عن رجلٍ يرتدي طاقيةً قديمة، ويحمل في يده كتابًا صغيرًا."
أنهى المتحدث المكالمة. شعرت "نور" بتيارٍ من الإثارة والخوف يسري في عروقها. هل هذا الشخص هو من أرسل لها تلك الرسالة الغامضة قبل يومين؟ الرسالة التي كانت تقول: "الحقيقة موجودة في الأماكن التي لا تبحث فيها."
انتظرت "نور" بتركيز، تراقب كل من يدخل المقهى. وبعد دقائق، رأت رجلًا مسنًا، يرتدي طاقيةً صوفيةً بالية، وعلى وجهه الكثير من التجاعيد التي تحكي قصصًا لا نهاية لها. كان يحمل في يده كتابًا جلديًا عتيقًا. اتجه الرجل نحو طاولة "نور"، وجلس دون استئذان.
"مساء الخير يا سيدة نور. أنا سالم." قال، صوته أضعف من أن يسمع جيدًا، ولكنه يحمل حكمة السنين.
"مساء النور يا عم سالم. تفضل، هل تريد شيئًا؟"
"أنا من تحدثت معكِ على الهاتف. وأعرف عن أحمد أكثر مما يعتقد أي شخص." قال، وأخذ بيده فنجان قهوتها. "لا تقلقي، قهوتكِ لن تفسد."
كانت "نور" تستمع إليه بانتباه. "كيف تعرف عن أحمد؟ ومن أنت؟"
"أنا هنا منذ زمن طويل، يا سيدة نور. أرى كل شيء، وأسمع كل شيء. أحمد كان شابًا طموحًا، ولكنه كان يدخل في أمورٍ لم يكن يفهمها. كان يبحث عن شيءٍ ما، شيءٌ يتعلق بتاريخ عائلته، وشيءٌ غامضٌ جدًا."
"ما الذي كان يبحث عنه؟" سألت "نور"، شعورٌ بالقلق يزداد.
"كان يبحث عن مخطوطةٍ قديمة، قيل إنها تحتوي على أسرارٍ قوية. مخطوطةٌ تتوارثها عائلته منذ قرون. ولكن هناك آخرين يبحثون عنها أيضًا. آخرين لا يريدون لهذه المخطوطة أن ترى النور."
"ومن هم هؤلاء الآخرون؟"
"هم من يملكون القوة والنفوذ، يا سيدة نور. هم من لا يريدون أن تتكشف الحقائق. أحمد كان قريبًا جدًا من العثور عليها، ولكنهم أمسكوا به."
شعر "نور" بأن أحداث القضية تتشابك بطريقةٍ مخيفة. لم تعد مجرد قضية اختفاء شاب، بل أصبحت صراعًا على أسرارٍ قديمة. "أين يمكن أن تكون هذه المخطوطة؟"
"هذه هي المشكلة. لا أحد يعرف على وجه اليقين. ولكن أعتقد أنها قريبة من هنا، في مكانٍ ما في هذه الأزقة القديمة. أحمد كان يتحدث عن رمزٍ غامض، رمزٌ وجده في أوراق جده. ربما كان هذا الرمز مفتاحًا."
"رمز؟ هل يمكنك وصفه؟"
"كان يشبه عينًا، محاطةً بدائرةٍ متعرجة. كان أحمد يعتقد أنها تشير إلى مكانٍ ما."
"العين والعجلة؟" قالت "نور" فجأة، وكأنها تستعيد ذكرى بعيدة. "لقد رأيت هذا الرمز من قبل، في كتابٍ قديمٍ في مكتبة الجامعة. كان يتعلق بتاريخ عائلةٍ قديمة كانت تعيش هنا في القاهرة."
اتسعت عينا "سالم" ببطء. "حقًا؟ هذا خبرٌ مهم. قد يكون هذا هو الدليل الذي نحتاجه."
"ولكن لماذا تريد مساعدتي يا عم سالم؟ وما هو دورك في كل هذا؟" سألت "نور"، تشك في دوافعه.
"لأنني رأيت ما فعلته يا سيدة نور. رأيت كيف أنكِ لا تخافين من البحث عن الحقيقة. ورأيت كيف أن هذه المدينة العظيمة تخفي الكثير من الأسرار. وأنا أريد أن أرى هذه الأسرار تتكشف، قبل أن يرحل بي الزمن."
كانت كلمات "سالم" تحمل صدقًا غريبًا، ولكن "نور" لم تكن لتثق بسهولة. كانت تعلم أن هذه القضية ستكون أكثر تعقيدًا مما توقعت. "شكرًا لك يا عم سالم. سأبحث عن هذا الرمز. إذا كان لديك أي معلومات أخرى، فلا تتردد في الاتصال بي."
نهض "سالم" ببطء، ووضع الكتاب الجلدي على الطاولة. "الحذر يا سيدة نور. هؤلاء الناس لا يرحمون." ثم غادر، تاركًا "نور" في حيرةٍ وتفكير.
نظرت "نور" إلى فنجان القهوة البارد، وإلى دفتر ملاحظاتها المفتوح. كانت تشعر بأن خيوط القضية بدأت تتشابك، وأنها تدخل إلى متاهةٍ خطيرة. ولكن في نفس الوقت، شعرت بشيءٍ من الأمل. ربما، وربما فقط، ستجد إجاباتٍ لما تبحث عنه، إجاباتٌ قد تتجاوز قضية "أحمد" لتصل إلى أعمق أسرار ماضيها.