قلب طاهر الجزء الثاني

ظلال الماضي تلاحق الحاضر

بقلم مريم الحسن

كانت نسمات الليل العليلة تحمل معها عبير الياسمين المتسلق على أسوار قصر آل النور، ولكنه لم يبلغ مسام الأستاذة ليلى، فقد استوطنت روحها غيوم من القلق والأسى. جلسَتْ في جناحها المطل على الحديقة الهادئة، وكأنها تنتظر بصيص فجرٍ لا تبدو بوادره. الأرق كان رفيقها اللدود هذه الليلة، يشدها إلى أريكة الصبر، ويرخي عليها ستائر الأحزان. منذ زيارة المفاجئة لـ "شخصٍ" لم تفصح عن هويته حتى لمن تثق بهم، تغلغلت في جسدها رعشةٌ لم تفارقها. تلك الزيارة، التي وصفتها بأنها "أحاديثٌ عابرةٌ لكنها ألقَتْ بظلالٍ ثقيلة"، كانت بمثابة الشرارة التي أشعلت نار الشكوك التي كادت أن تخمد.

كانت حكاية يوسف، حكايةٌ قديمةٌ اختلطت فيها صور الماضي بالحاضر، وحملت معها ألغازًا طال انتظار كشفها. تذكرت ليلى لقاءها الأول بيوسف، الشاب الذكي والنبيل الذي دخل حياتها كالشعاع، ورسمت معه أحلامًا بسيطةً وخالدة. لم تكن تعلم حينها أن ذاك القلب المفعم بالحب، يحمل في طياته أسرارًا ماضيةً قد تعصف بكل ما بنته. كانت قد تحدثت إليه مراتٍ عديدةٍ حول أهمية الشفافية في العلاقات، وكيف أن الكتمان مهما بدا صغيرًا، فإنه قد يكبر ليصبح جدارًا يفصل بين القلوب. ولكن هل كان هو نفسه يطبق هذه المبادئ؟

في الغرفة المجاورة، كان يوسف يشعر بثقلٍ غير مألوفٍ على صدره. لم يكن الأمر مجرد عبءٍ جسدي، بل كان ثقلَ وعيٍ متزايدٍ بحقيقةٍ أصبحت تلاحقه. استيقظ من سباتٍ عميقٍ على صوتٍ خافتٍ من هاتفه، رسالةٌ مفاجئةٌ أعادت إلى ذهنه ذكرياتٍ كان قد حاول جاهدًا دفنها. الرسالة كانت مقتضبة: "ما زلتُ أذكرُ كل شيء. الوقتُ مناسبٌ لكي تعلمَ الحقيقة". هذه الكلمات البسيطة، حملت في طياتها وعدًا بكارثةٍ وشيكة. من يكون مرسلها؟ ولماذا الآن؟

في تلك اللحظة، تذكر يوسف اللقاء الذي دار في مكتبه قبل أيامٍ قليلة. كان اللقاء مع شخصٍ غريبٍ، رجلٌ له نظراتٌ حادةٌ وابتسامةٌ تخفي خلفها ألفَ معنى. تحدث الرجل عن ماضٍ مشتركٍ، عن أخطاءٍ قديمةٍ، وعن حقوقٍ ضائعة. لم يكشف الرجل عن كامل هويته، ولكنه ترك يوسف في دوامةٍ من الشكوك والأسئلة. كان يتحدث عن "أمانةٍ" يجب أن تُرد، وعن "حقٍ" يجب أن يُسترد. في ذلك الحين، ظن يوسف أنها مجرد محاولةٍ لابتزازه أو كسبٍ ماديٍ بطرقٍ ملتوية. ولكن الآن، بعد هذه الرسالة، بدأ يربط الخيوط المبعثرة.

كانت ليلى تتأمل صورةً صغيرةً ليوسف، التقطت له في إحدى رحلاتهما إلى الصحراء، حيث كانت الشمس تغيب خلف الكثبان الرملية، يرسم لون السماء لوحةً آسرة. كان يوسف يبتسم فيها بسعادةٍ غامرة، وقد ألقى بذراعه حولها. تمنت لو أن تلك اللحظات السعيدة كانت خالدةً، وأنها لم تعرف أبدًا أن وراء تلك الابتسامة، قد تكون هناك قصةٌ لم تُروَ. استشعرت إحساسًا غريبًا بالخيانة، ليس بالضرورة خيانةً رومانسيةً، بل خيانةً للأمانة، خيانةً للثقة التي وضعتها فيه.

في قصر آل الصياد، كان الشيخ أحمد، والد فجر، يستقبل زائرًا لم يكن يتوقعه. كان الزائر رجلاً يبدو عليه الوقار، لكن عينيه كانتا تحملان بريقًا غريبًا. تحدث الرجل بصوتٍ هادئٍ، سرد فيه قصةً مفصلةً عن ماضٍ قديمٍ، عن وعدٍ قطعه، وعن مسؤوليةٍ لم يفِ بها. أشار الرجل إلى يوسف، وأخبر الشيخ أحمد أن يوسف ليس سوى واجهةٍ لقصةٍ أكبر، وأن هناك أسرارًا تتعلق بـ "ميراثٍ" ضخمٍ، وبـ "مصيرٍ" قد يتغير. كانت كلمات الرجل أشبه بضرباتٍ متتاليةٍ على جدار الطمأنينة الذي بناه الشيخ أحمد حول ابنته.

فجر، التي كانت تستمع من خلف الباب، شعرت بأن رأسها يدور. هل يمكن أن تكون كل هذه الأحاديث عن يوسف، عن ماضيه، عن صفقةٍ ما، كلها حقائق؟ لطالما نظرت إلى يوسف كالملاك المنقذ، الذي انتشل حياتها من ظلام اليأس، وأنار دربها بالحب والأمل. كيف يمكن لهذه الصورة النقية أن تتلطخ بهذه الشكوك؟ كانت تثق بيوسف ثقةً عمياء، بلغت حد إيمانه بصدق كلماته، وبنقاء نواياه. ولكن الأحاديث المتسارعة، والنظرات القلقة التي كانت تتبادلها ليلى مع يوسف، بدأت تشكل ضبابًا كثيفًا أمام رؤيتها.

عاد يوسف إلى غرفته، وقد استيقظ قلبه النابض بالحقيقة. نظر إلى هاتفه مرةً أخرى، ثم بحث في ألبومات الصور القديمة. عثر على صورةٍ له مع والديه، قبل أن يرحلوا. كانت صورةٌ تحمل ذكرياتٍ عزيزة، لكنها أيضًا تحمل ندوبًا قديمة. أدرك أن الرجل الذي تحدث إليه، ومن أرسل الرسالة، يعرفان شيئًا عن ماضيه. شيئًا يتعلق بـ "صفقةٍ" عقدها والده قبل وفاته، صفقةٌ غامضةٌ كانت تهدف إلى حماية العائلة، لكنها قد تكون الآن السبب في تدمير حياته.

بدأت تترابط في ذهنه خيوطٌ متناثرة. تذكر أحاديث والده المبهمة قبل وفاته، تذكر خوفه المفاجئ من بعض الأشخاص، وتذكر إصراره على أن يسلم مفاتيح شركته لشخصٍ موثوقٍ به. هل كان يخطط لمثل هذا اليوم؟ هل كان يتوقع أن يأتي أحدٌ ليطالب بما لم يكن له؟

قررت ليلى مواجهة يوسف. لم تعد تستطيع تحمل هذا التوتر الذي يكاد يخنقها. دخلت جناحه بهدوء، فوجدته جالسًا على طرف السرير، يتأمل شيئًا في يده. رفعت صوتها قائلةً: "يوسف، نحتاج إلى الحديث."

نظر إليها يوسف، وقد علت وجهه علامات الحزن العميق. قال بصوتٍ خفيضٍ: "أعلم يا ليلى. يبدو أن ما كنتُ أخشاه قد حدث."

استطردت ليلى، وقد امتلأت عيناها بالدموع: "ماذا تخفي عني؟ عن حياتنا؟ هل هناك ما يجب أن أعرفه؟"

تردد يوسف لبرهة، ثم اتخذ قراره. قال: "نعم يا ليلى. هناك ما يجب أن تعرفيه. وحقيقةٌ كنتُ أتمنى ألا تضطر أبدًا لسماعها. ولكن يبدو أن الأقدار قد فرضت نفسها."

في تلك اللحظة، دخلت فجر إلى القصر، وقد ألقت بعباءتها بعناية. كانت عيناها تبحثان عن يوسف. سمعت صوت ليلى، وصوت يوسف. شعرت بأن شيئًا جللًا قد حدث. تقدمت نحو غرفته، وقلبها يخفق بشدة.

وقفت فجر عند باب الغرفة، ورأت المنظر. ليلى ويوسف جالسين، يتحدثان بجديةٍ بالغة، بينما يوسف يمسك بيده شيئًا غامضًا. شعرت بانقباضٍ في صدرها. هل كان الأمر يتعلق بما سمعته من والدها؟ هل كان يوسف يخفي عنها حقيقةً صادمةً؟

قال يوسف، وهو ينظر إلى ليلى بعينين مليئتين بالألم: "لقد ورثتُ عن والدي عبئًا ثقيلًا، يا ليلى. عبئًا يتعلق بصفقةٍ قديمةٍ، وبأمانةٍ لم تُوفَ بها. وأعتقد أن من أرسل لي تلك الرسالة، يعرف كل شيء."

لم تكن كلمات يوسف سوى بدايةٍ لكارثةٍ كانت تتكشف. كانت ظلال الماضي تلقي بثقلها على حاضرهم، وتهدد بتمزيق مستقبلهم. كان الجميع على وشك اكتشاف حقيقةٍ كانت مخبأةً لسنوات، حقيقةٌ قد تغير كل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%