قلب طاهر الجزء الثاني
صدى صوتٍ من زمنٍ بعيد
بقلم مريم الحسن
انفلتت "نور" من قيود الأرقام والهواتف، وتسللت خلسةً إلى قسم المخطوطات النادرة في دار الكتب والوثائق القومية. كانت تعلم أن هذا المكان، أشبه بكهفٍ سحري، يحتضن بين رفوفه غبار السنين وحكمة الأجداد. اختارت هذا المكان، لأنها شعرت بأن مفتاح لغز "أحمد" قد يكون مطمورًا بين دفات الكتب القديمة، وبين أوراقٍ لم تلمسها يدٌ منذ عقود.
كانت ترتدي قفازاتٍ بيضاء رقيقة، تمنع أي أثرٍ لأصابعها على الأوراق الثمينة. عيناها تتنقلان بتركيزٍ بين العناوين المكتوبة بخطوطٍ عربيةٍ كلاسيكية، ورائحة الورق القديم، الممزوجة بعبقٍ خفيفٍ من الشمع، تملأ المكان. شعرت بأنها في عالمٍ آخر، عالمٍ يتنفس الماضي، ويتحدث بلغةٍ صامتة.
بعد ساعاتٍ من البحث المضني، وبينما كانت تكاد تفقد الأمل، وقع بصرها على كتابٍ جلديٍ سميك، عنوانه مكتوبٌ بحروفٍ ذهبيةٍ باهتة: "شذور الذهب في تاريخ الأسر العريقة". سحبت الكتاب بحذر، وبدأت تتصفحه ببطء. كان الكتاب يحتوي على سيرة أسرٍ نبيلةٍ حكمت مصر قديمًا، ووصفٌ لعاداتهم وتقاليدهم، ورموزهم.
وفجأة، توقفت "نور" أمام صفحةٍ معينة. كان هناك رسمٌ صغيرٌ، باللون الأسود، لعينٍ محاطةٍ بدائرةٍ متعرجة. نفس الرمز الذي وصفه "سالم". أسفله، كُتبت عبارةٌ قصيرةٌ بخطٍ أصغر: "رمز آل بحر، حماة الأسرار."
"آل بحر!" همست "نور" لنفسها، تذكرت اسمًا كان قد ذُكر لها في قضايا سابقة، اسمٌ مرتبطٌ ببعض الأعمال التجارية الضخمة، وببعض الغموض. ولكن لم يكن لديها أي دليلٍ على ارتباطهم بهذه المخطوطة.
بدأت "نور" تقرأ المزيد عن آل بحر. كانوا عائلةً قديمة، اشتهرت بالحكمة والتدبير، وحارسةً لبعض الأسرار التي تتعلق بتاريخ مصر. ولكن الكتاب لم يذكر أي شيءٍ عن مخطوطةٍ محددة، أو عن أماكن اختبائها.
شعرت "نور" بأنها تقترب، ولكن الطريق لا يزال غامضًا. أخذت صورةً للرمز والعبارة المكتوبة، ووضعتها في هاتفها. ثم غادرت دار الكتب، متوجهةً إلى منزل "أحمد" للقاء عائلته مرةً أخرى.
وجدت والدة "أحمد"، السيدة "فاطمة"، جالسةً في غرفتها، تحيط بها صورٌ لابنها. كانت عيناها متورمتين من البكاء، ولكن كان هناك شعاعٌ من الأمل في نظرها وهي ترى "نور".
"أهلاً بكِ يا ابنتي. هل وجدتي شيئًا؟" سألت، صوتها متهدج.
"ما زلت أبحث يا أم أحمد. ولكنني وجدت شيئًا قد يكون مهمًا." أجابت "نور"، وعرضت عليها صورة الرمز.
نظرت السيدة "فاطمة" إلى الهاتف، وبدأت عيناها تتسعان. "هذا الرمز... لقد رأيته من قبل. كان أحمد يضعه كوشمٍ صغيرٍ على معصمه. قال لي إنه رمزٌ قديمٌ لعائلتنا. ولكنه لم يخبرني بمعناه."
"هل كان يتحدث عن أي شيءٍ يتعلق بهذا الرمز؟ عن أسرارٍ؟ عن مخطوطة؟"
"نعم. لقد كان مهووسًا بشيءٍ ما. كان يقول إن جده كان يخفي سرًا كبيرًا، سرًا يتعلق بتاريخنا. كان يقضي ساعاتٍ طويلة في البحث في أوراق جده القديمة. ولكنني كنت أظن أنه مجرد هوسٍ شبابي."
"أين هذه الأوراق يا أم أحمد؟ هل يمكنني رؤيتها؟"
"بالطبع يا ابنتي. إنها كلها هنا. في هذه الغرفة."
قادت السيدة "فاطمة" "نور" إلى غرفةٍ صغيرة، مليئةٍ بالصناديق الخشبية القديمة. فتحت "نور" أحد الصناديق، وبدأت تفحص محتوياته. كانت هناك صورٌ قديمة، رسائلٌ مكتوبةٌ بخطٍ أنيق، ودفاترٌ صغيرةٌ مليئةٌ بالحسابات والتدوينات.
وبينما كانت تتفحص أحد الدفاتر، شعرت بشيءٍ غريب. كان هناك فصلٌ كاملٌ، مكتوبٌ بخطٍ متعرج، يتحدث عن "آل بحر"، وعن "مخطوطة الأسرار". كان جد "أحمد" قد كُلف بحراسة هذه المخطوطة، ولكن في ظروفٍ غامضة، اختفت. ولم يتمكن من العثور عليها.
"لقد وجدتها!" صاحت "نور"، قلبها ينبض بسرعة. "لقد وجدنا المفتاح."
"ماذا وجدتِ يا ابنتي؟"
"جدتُ تفاصيل عن المخطوطة. إنها ليست مجرد أوراق، بل هي عبارة عن مجموعةٍ من الألغاز، كل لغزٍ يقود إلى اللغز التالي. ويبدو أن جد أحمد كان قريبًا جدًا من حلها. ولكن هناك شيءٌ ما أوقفه."
"ما الذي أوقفه؟" سألت السيدة "فاطمة"، وعيناها تلمعان بالدموع.
"لست متأكدةً بعد. ولكن يبدو أن هناك شخصًا ما كان يراقبه. شخصٌ لا يريد لهذه المخطوطة أن تظهر."
شعرت "نور" بأنها تقترب من الحقيقة، ولكنها شعرت أيضًا بأن الخطر يزداد. لقد كشفت عن وجود المخطوطة، والآن، ربما أصبح هدفًا.
وفي تلك اللحظة، وبينما كانت "نور" تتحدث إلى السيدة "فاطمة"، سمعت صوتًا غريبًا قادمًا من الشارع. صوتٌ خافتٌ، ولكنه مألوفٌ بشكلٍ غريب. صوتٌ كان يتردد في أرجاء ذاكرتها، صوتٌ لم تسمعه منذ سنوات.
"عمر..." همست "نور"، وعيناها تلمعان بالذهول.