قلب طاهر الجزء الثاني
بين ظلال الماضي والحاضر
بقلم مريم الحسن
صُدمت "نور" تمامًا. هل من الممكن أن يكون ذلك الصوت هو حقًا صوت "عمر"؟ سبع سنواتٍ من الصمت، سبع سنواتٍ من الغياب، والآن، هنا، في القاهرة، في هذه اللحظة بالذات، تسمع صوته كأنه شبحٌ من الماضي. تجمدت مكانها، وقلبها يتسارع كالطبل.
"ماذا بكِ يا ابنتي؟ هل سمعتِ شيئًا؟" سألت السيدة "فاطمة"، قلقةً من رد فعل "نور".
"لا شيء يا أم أحمد. ربما كانت مجرد خيالات." أجابت "نور"، وهي تحاول استعادة رباطة جأشها. ولكن عقلها كان يصرخ. الصوت كان واضحًا جدًا، عميقًا، مميزًا. صوت "عمر".
أنهت "نور" حديثها مع السيدة "فاطمة"، ووعدتها بأنها ستستمر في البحث. غادرت منزل "أحمد" وقلبها لا يزال مضطربًا. لم تستطع ترك الفكرة. هل يمكن أن يكون "عمر" هو نفسه "عمر" الذي تعرفه؟ وهل لديه علاقةٌ باختفاء "أحمد"، أو بالمخطوطة؟
تسللت "نور" إلى الشارع، وعيناها تبحثان في كل اتجاه. كان المكان هادئًا نسبيًا، فالليل بدأ يخيّم على القاهرة. لم ترَ أحدًا مريبًا، ولم تسمع الصوت مرةً أخرى. ولكن الشعور بالقلق لم يفارقها.
عادت إلى شقتها، وأغلقت الباب بإحكام. جلست أمام نافذتها، تتأمل أضواء المدينة المتلألئة. فكرت في "عمر"، في صورته الباهتة التي تحملها معها. هل تغير؟ هل اختفى تمامًا؟
فجأة، لمعت فكرةٌ في رأسها. إذا كان "عمر" موجودًا بالفعل، فربما يكون مرتبطًا بطريقةٍ ما بـ "آل بحر". فاسم "عمر" كان دائمًا مرتبطًا بالغموض، وبالأعمال التي لم تكشف عن جميع جوانبها.
قررت "نور" أن تخاطر. أخرجت هاتفها، وبحثت عن رقمٍ قديمٍ لم تستخدمه منذ سنوات. رقمٌ كان يخص شخصًا يعمل في مكتب محاماةٍ كبيرٍ في القاهرة، شخصٌ كان يعتمد عليه "عمر" في بعض الأمور.
طلبت الرقم. بعد عدة رنات، جاء صوتٌ متعب: "نعم؟"
"هل هذا السيد أكرم؟" سألت "نور".
"نعم، من يتحدث؟"
"اسمي نور. كنت أعرف السيد عمر."
صمتٌ مطبقٌ على الطرف الآخر. ثم قال أكرم بصوتٍ أكثر حذرًا: "عمر؟ لقد مرت سنواتٌ طويلة. ما الذي تريده؟"
"أنا أبحث عن معلوماتٍ تتعلق به. أعتقد أنه قد يكون مرتبطًا بقضيةٍ حالية. هل يمكنك مساعدتي؟"
"أنا لا أعرف شيئًا عن عمر. لقد اختفى. لقد حاولت البحث عنه، ولكني لم أجد له أي أثر."
"ولكن هل سمعت أي شيءٍ عنه مؤخرًا؟ أي إشارات؟ أي اتصالات؟"
تنهد أكرم. "هناك أمرٌ واحدٌ قد يفيدك. قبل حوالي شهر، اتصل بي شخصٌ يسأل عن عمر. سأل عن أماكن كان يرتادها، وعن أشخاصٍ كان يتعامل معهم. كان صوته غريبًا، لم أتعرف عليه. ولكنه كان يطلب معلوماتٍ دقيقة جدًا."
"هل يمكنك تذكر أي شيءٍ آخر؟ أي تفاصيل؟"
"طلب مني أن أكون حذرًا. قال إن هناك أشياءً كثيرةً لم تُكشف بعد. ثم أغلق الهاتف. لم يتصل بي مرةً أخرى."
"هل تذكر أي شيءٍ عن أسماءٍ ذكرها؟"
"لا. لم يذكر أسماءً. ولكنه ذكر اسم عائلةٍ معينة. عائلةٌ كانت تتعامل مع عمر في بعض المشاريع. عائلة 'بحر'."
"آل بحر!" صرخت "نور" مرةً أخرى، دون أن تتمكن من السيطرة على نفسها.
"آل بحر؟" سأل أكرم، بدهشة. "ما علاقة عمر بآل بحر؟"
"ربما كانت علاقته أعمق مما كنا نظن." قالت "نور"، وقلبها يخفق بقوة. "شكرًا لك يا سيد أكرم. لقد ساعدتني كثيرًا."
أنهت "نور" المكالمة، وهي تشعر بأنها تقترب من كشف الحقيقة. "عمر" كان موجودًا، وكان على اتصالٍ بشخصٍ مجهول، وكان يبحث عن معلوماتٍ عن "آل بحر". ولكن لماذا؟ وما هو دوره في اختفاء "أحمد"؟
بدأت "نور" تشعر بأن القصة تتشعب، وأنها تدخل في صراعٍ مع قوىً لا تفهمها تمامًا. شعرت بأنها ليست وحدها في هذا البحث. وأن "عمر"، بطريقةٍ ما، كان يسير في نفس الطريق.
في تلك الليلة، لم تستطع "نور" النوم. كانت عيناها مفتوحتين، تتأمل السقف. كانت تفكر في "عمر"، في وجهه، في ابتسامته. هل كان يبحث عن الحقيقة؟ أم كان يحاول إخفاءها؟
ثم تذكرت شيئًا. شيئًا قاله "عمر" لها في إحدى المرات، عندما كانا يتحدثان عن العدالة: "الحقيقة دائمًا ما تكون أقرب مما نعتقد، ولكنها قد تكون مختبئةً خلف أقنعةٍ كثيرة."
كانت هذه الكلمات تدوي في رأسها. ربما "عمر" نفسه كان متخفيًا. ربما كان يبحث عن الأدلة، عن الأدلة التي تثبت براءته، أو تثبت تورط الآخرين.
فجأة، سمعت "نور" صوتًا آخر. صوتٌ قادمٌ من الخارج، من الشارع. لم يكن صوتًا بشريًا، بل كان صوت خطواتٍ حذرة، تتسلل على الرصيف. ثم سمعت صوتًا مكتومًا، كأن أحدهم يحاول كسر باب شقتها.
تجمدت "نور" في مكانها. لقد كشفت عن نفسها. لقد أصبحوا يعرفون أنها تعرف.