قلب طاهر الجزء الثاني
وهج الشوق في ليالي السهر
بقلم مريم الحسن
اتسعت عينا زينب وهي ترى يد والدتها ترتجف وهي تتناول كوب الماء. كان السكون يخيم على المجلس، يخلو من أي كلمة، ويحتوي على ألف كلمة لم تُقل. والدتها، السيدة الفاضلة التي كانت دائمًا مصدر القوة والهدوء، بدت كأنها تحمل عبء العالم على كتفيها. زينب، الشابة التي اعتادت أن ترى في وجه أمها بسمة راضية، لم تستطع إلا أن تشعر بقلق غائر في صدرها.
"يا أمي، هل أنتِ بخير؟" سألت زينب بصوت خفيض، تنهيدة رقيقة انفلتت من بين شفتيها.
نظرت الأم إلى ابنتها، وفي عينيها لمعة حزن خفية، حاولت أن تخفيها بابتسامة باهتة. "أنا بخير يا ابنتي، لا تقلقي."
لكن زينب لم تطمئن. كانت تعرف أمها جيدًا. كانت تعرف متى تخفي الهموم خلف جلباب السعادة. "لكنني أرى... أرى أن هناك ما يشغل بالكِ. هل الأمر يتعلق بـ..." ترددت، ثم أتمت بصوت أخفض: "بـ... بموضوع الزواج؟"
ارتعش جسد الأم قليلاً. حاولت أن تشتت انتباه ابنتها، "يا ابنتي، إنها أمور الحياة. يأتي وقتها. المهم أن نكون دائمًا على الطريق الصحيح، وأن نحسن الاختيار."
"ولكن يا أمي، لقد مرت فترة، والوقت يمر. ألا تشعرين بالقلق؟ ألا ترين أنني... قد أكون...؟"
قاطعتها الأم بحنان، "أنا أثق في قدرة الله، يا ابنتي. ولكن ألا تشعرين أنتِ بالوحدة أحيانًا؟ ألا تبحثين عن...؟"
كلمات الأم قطعت ما كانت زينب تشعر به. لم تكن الوحدة هي ما يشغل بالها تمامًا. بل كان هناك شعور متنامٍ، شعور بالضياع، كأنها في صحراء لا نهاية لها، تبحث عن واحة، عن ظل، عن يد تمسك بيدها وتمنحها الأمان. كان الشاب الذي طرق باب قلبها، الشاب الذي رأته في منزل الشيخ، والذي ترك فيها أثرًا لا يمحى، كان هو محور هذا الشعور.
"أتحدث عن... عن فؤاد يا أمي." قالت زينب، وقد احمر وجهها خجلًا.
تبسمت الأم بحرارة، "فؤاد؟ نعم، شاب مهذب، وخلق كريم. والده رجل صالح. ولكن..."
"ولكن ماذا يا أمي؟" سألت زينب، وكل نبضة من قلبها كانت تترقب رد أمها.
"ولكن يا ابنتي، الحياة ليست مجرد حسن الخلق والنسب. بل هي أيضًا... انسجام. وتوافق. ومدى قدرة الطرفين على فهم بعضهما البعض، وعلى حمل أعباء الحياة معًا. هل أنتِ حقًا... سعيدة بقربه؟ هل تشعرين بالراحة والطمأنينة؟"
نظرت زينب إلى أسفل، وأفكارها تتسارع. هل كانت سعيدة؟ هل كانت مطمئنة؟ كان فؤاد يحمل صفات نبيلة، وكان محترمًا، ولكن... هل كانت حقًا تشعر بتلك الشرارة، بتلك الألفة العميقة التي تتحدث عنها الأمهات؟ كانت تشعر بالتقدير، بالاحترام، وبالإعجاب بصفاته، ولكن هل هذا يكفي؟
"أنا... لا أدري يا أمي. هو رجل صالح. وصالح. ولكن..."
"ولكن ماذا؟" أعادت الأم السؤال، وعيناها فيها ترقب.
"ولكنني أشعر... أشعر بأن هناك شيئًا ناقصًا. كأنني أبحث عن لحن، ولا أجده. أراه حسنًا، ولكنه لا يلامس روحي. لا أعرف كيف أصف ذلك."
تنهدت الأم، "الحياة تتطلب أكثر من حسن المظهر والصلاح الظاهري، يا ابنتي. تتطلب قلبًا ينسجم مع قلب. روحًا تتآلف مع روح. هل أنتِ مستعدة أن تقضي حياتكِ مع رجل تشعرين معه بالوجود، لا بالانتماء؟"
كلمات أمها تركت زينب في حيرة أكبر. كانت دائمًا تبحث عن الكمال، عن السعادة المطلقة. ولكن هل الكمال موجود؟ وهل الحب الحلال، الزواج المبارك، يتطلب هذه الشرارة الخارقة؟ كانت ترى في قصص الأمهات والجدات، حبًا يتسلل بالزمن، يتكون بين جدران بيت واحد، تحت سقف واحد. فهل كان تفكيرها هذا قلقًا زائدًا؟ أم هو صوت القلب يطلب ما هو أعمق؟
"ولكن يا أمي، ما هو البديل؟" سألت زينب، تشعر باليأس يتسلل إلى صوتها. "هل سأظل هكذا؟ وحيدة؟"
"لا يا ابنتي، لن تكوني وحيدة أبدًا. الله معكِ. ولكن لا تتعجلي. ولا تقبلي بما لا يرضي قلبكِ حقًا. فالحياة طويلة، والاختيار مصيري."
في هذه اللحظة، دخل والدهما، الحاج إبراهيم، المجلس. كان وجهه بشوشًا، يحمل آثار تعب يوم طويل، ولكنه كان مشرقًا. "السلام عليكم. ما أخباركن؟"
"وعليكم السلام يا والدي." أجابت زينب. "الحمد لله. خير." قالت الأم.
رأى الحاج إبراهيم في وجهي امرأته وابنته بعض التوتر، فسأل: "هل هناك ما يشغل بالكما؟"
نظرت الأم إلى زينب، ثم قالت: "زينب كانت تتحدث عن موضوع الزواج."
ابتسم الحاج إبراهيم، "بارك الله فيها. هذا هو الوقت المناسب. وهناك خاطب جديد يرغب في التقدم."
تجمدت زينب في مكانها. خاطب جديد؟ هل كان هذا يعني أن فؤاد لم يعد الخيار الوحيد؟ ومن هو هذا الخاطب؟
"من هو يا والدي؟" سألت زينب، تشعر بخفقان متسارع في صدرها.
"شاب من عائلة معروفة هنا، مهندس شاب، من عائلة لها سمعتها الطيبة. اسمه... اسمه عمر."
عمر. اسم بدا غريبًا، ولكنه في نفس الوقت حمل دفئًا لا تعرف سببه. "عمر؟" رددت زينب، وكلمة "عمر" تدور في ذهنها. هل سيكون هو اللحن الذي تبحث عنه؟ هل سيكون هو الظل الذي ستستظل به؟
"نعم يا ابنتي. إنه شاب طيب، ومتدين. وصديق قديم لأحد أقاربي. وقد تحدث عنكِ خيرًا. ورغب في رؤيتكِ."
"رؤيتي؟" سألت زينب، وقلبها يخفق بقوة.
"نعم. إذا أذنتِ. ونحن بالطبع سنستشيركِ. ولكننا وجدنا فيه صفات الخير. وعائلته طيبة."
نظرت زينب إلى أمها، ورأت في عينيها علامات تشجيع. لم تكن مجرد موافقة، بل كان هناك أمل. أمل بأن تجد ابنتها سعادتها، أن تجد من يرعاها، من يحبها، من تشعر معه بالأمان.
"موافقة يا والدي." قالت زينب، وكلمة "موافقة" انطلقت منها وكأنها طائر حر، يحلق في سماء غامضة. لم تكن متأكدة تمامًا مما تفعله، ولكنها كانت تشعر بوجود فرصة جديدة، فرصة قد تحمل لها ما كانت تبحث عنه.
"الحمد لله. سنرتب موعدًا لرؤيته قريبًا. ونسأل الله أن يكتب لنا الخير." قال الحاج إبراهيم، وشعور بالارتياح غمر وجهه.
جلست زينب، تشعر بخليط من الترقب والخوف. فؤاد. عمر. قلبها كان في صراع. هل كانت تنجرف نحو طريق جديد، أم أنها فقط تبحث عن الهروب من حالة لا ترضيها؟ كانت تعرف أن هذا القرار سيكون له تبعاته، وأنها يجب أن تستمع لصوت قلبها، ولكن صوت القلب يبدو متعبًا، ضائعًا بين دروب الحياة المتشعبة.
"عمر..." همست زينب لنفسها، والاسم يتردد في أذنها. هل هو القادم؟ هل هو المنقذ؟ أم هو مجرد فصل جديد في قصة أطول، قصة بحثها عن السعادة، عن الحب الحلال، عن الاستقرار؟
شعرت زينب بأن هناك وهمًا يغلفها. وهم الاختيار. كانت تعلم أن الاختيار يجب أن يكون نابعًا من القلب، من العقل، ومن الاستخارة. ولكن هل كان قلبها مستعدًا للاختيار؟ هل كانت تستطيع التفريق بين إعجاب عابر، وبين شعور عميق يستحق أن يبنى عليه مستقبل؟
أغمضت عينيها، وحاولت أن تتذكر تلك اللحظات التي رأت فيها فؤاد. كان يبدو دائمًا متفهمًا، لطيفًا. ولكن هل كان هناك شيء أعمق؟ شيء يلامس شغاف روحها؟
ثم تذكرت فؤاد في ذلك اليوم، وهو يتحدث عن أحلامه، عن طموحاته. كان يبدو مختلفًا، أكثر حيوية. ولكن هل كان هذا الاختلاف مجرد لحظة عابرة، أم أنه يعكس جانبًا حقيقيًا من شخصيته؟
"ألا تشعرين أنتِ بالوحدة أحيانًا؟ ألا تبحثين عن...؟" كلمات أمها عادت إلى ذهنها. كانت تشعر بالوحدة، ولكنها لم تكن وحدة الفراغ، بل وحدة الشوق. الشوق لرفيق درب، لشريك حياة.
"الشوق." همست زينب. نعم، الشوق هو ما يملأ قلبها. الشوق لمحادثات تمتد إلى الفجر، لضحكات تشاركها، ليد تمسك بيدها في وقت الشدة.
هل يمكن أن تجد هذا الشوق في عمر؟ هل يمكن أن تجده في فؤاد؟ أم أن البحث عن هذا الشوق هو ما سيقودها إلى طريق أبعد، طريق قد لا يكون ممهدًا؟
في تلك الليلة، لم تنم زينب كثيرًا. كانت عيناها تتنقلان بين ظلال الغرفة، وبين أفكارها المتلاحقة. قلق. ترقب. شوق. كل هذه المشاعر كانت تتصارع في داخلها، تدفعها نحو مجهول، نحو احتمال جديد، نحو "عمر".