قلب طاهر الجزء الثاني
صدى الذكريات ورياح التغيير
بقلم مريم الحسن
تسللت خيوط الشمس الأولى عبر ستائر غرفة زينب، لتوقظها على صباح جديد، يحمل معه بقايا ليلة مضطربة. استيقظت وهي تشعر بأن هناك عبئًا ثقيلًا لم يزل عليها. كان عليها أن تتخذ قرارًا. قرارًا بشأن عمر، وقرارًا بشأن ماضيها مع فؤاد.
كانت المكالمة مع والدتها هي خطوتها الأولى. "صباح الخير يا أمي."
"صباح النور يا ابنتي. كيف حالكِ؟"
"أنا بخير، ولكنني... أشعر ببعض الارتباك."
"تحدثي يا ابنتي. ما الذي يشغل بالكِ؟"
"بالنسبة لعمر... هو شاب طيب. ولكنني لم أشعر بتلك الشرارة. بتلك الألفة العميقة التي كنت أبحث عنها."
تنهدت الأم. "هذا طبيعي. الحب يأخذ وقته. والألفة تبنى مع الأيام. ولكن إذا كنتِ تشعرين بأن الأمر لن ينجح، فلا بأس."
"ولكن يا أمي، هل أكون قاسية؟ هل أكون ظالمة؟"
"الصدق مع النفس هو العدل، يا ابنتي. إذا لم تشعري بالارتياح، فلا تضغطي على نفسكِ. ولا تضغطي عليه. ولكن يجب أن تكوني حاسمة."
"وماذا عن فؤاد؟" سألت زينب، وقد بدا صوتها مترددًا.
"فؤاد؟" قالت الأم، وقد بدا عليها بعض الدهشة. "ماذا عنه؟"
"أعلم أنه ابتعد. وأعلم أن الأمور بيننا لم تكن واضحة. ولكنني... أفكر فيه. أفكر في ما كان بيننا. هل كان كل شيء مجرد وهم؟"
"يا ابنتي، فؤاد قد مضى في طريقه. وأنتِ أيضًا مضيتِ. لا يمكن أن تعودي بالزمن إلى الوراء. ولكن إذا كنتِ ترغبين في أن تتأكدي من مشاعركِ، أو أن تفهمي ما حدث، فيمكنكِ التحدث معه. ولكن بحذر. وبدون أن تجرحي نفسكِ، أو تجرحيه."
"أتخافين عليّ يا أمي؟"
"أخاف عليكِ من القرارات المتسرعة، يا ابنتي. ومن الأحلام الوردية التي قد تتبدد. ولكنني أثق بكِ. وبقدرتكِ على الاختيار الصحيح."
بعد المكالمة، شعرت زينب ببعض الارتياح، ولكن القرار لم يصبح أسهل. كانت تجلس في غرفتها، تتصفح صورًا قديمة لها مع عائلتها. صور تبعث على الدفء، على الأمان. كانت تتخيل مستقبلها، تتخيل بيتًا مليئًا بالحب، مليئًا بالدفء.
فجأة، وصلتها رسالة على هاتفها. كان الرقم غريبًا. فتحت الرسالة، وقلبها يخفق.
"زينب، أتمنى أن تكوني بخير. أتمنى أن تجدي ما تبحثين عنه. ربما... ربما كنتُ أنا السبب في بعض حيرتكِ. ولكنني لم أكن أقصد. وأتمنى أن تسامحيني."
"فؤاد."
لم تصدق زينب عينيها. فؤاد. لم تتوقع منه شيئًا. هل كانت هذه مجرد مصادفة؟ أم أنها علامة؟
كانت الرسالة قصيرة، ولكنها حملت الكثير. اعتذار. وتمنيات بالخير. هل كان هذا يعني أنه مستعد لفتح صفحة جديدة؟ أم أنه كان يريد فقط أن يضع حدًا لما كان بينهما؟
شعرت زينب بدوار خفيف. كان عليها أن تتواصل معه. أن تفهم ما وراء هذه الرسالة.
"هل يمكنني أن أطلب منكِ شيئًا يا أمي؟" قالت زينب لوالدتها عبر الهاتف. "هل يمكنني أن أطلب رقم فؤاد؟"
صمتت الأم قليلاً، ثم قالت: "بالتأكيد يا ابنتي. ولكن كوني حذرة. وتذكري ما تحدثنا عنه."
عندما حصلت زينب على الرقم، ترددت قليلاً قبل أن تتصل. كانت تشعر بأنها تدخل منطقة مجهولة. بعد عدة رنات، سمعت صوت فؤاد.
"ألو؟"
"فؤاد؟" قالت زينب، وصوتها كان خافتًا.
"زينب؟" بدا فؤاد متفاجئًا. "هل أنتِ بخير؟"
"أنا بخير، شكرًا لك. أتتني رسالتك."
"نعم. أردت فقط أن... أن أوضح بعض الأمور. وأن أعتذر."
"أتفهم. ولكن... ماذا كان قصدك؟"
"قصدت أنني أدركت أنني قد أخطأت. أخطأت في بعض تصرفاتي، وفي بعض كلماتي. ولم أكن أريد أن أسبب لكِ أي حيرة أو ألم."
"ولكن... ما الذي جعلك تغير رأيك؟"
"لم يتغير رأيي. ولكنني أدركت أنني لم أكن صادقًا مع نفسي، ومعكِ. كنت في مرحلة من التخبط. وكنت أبحث عن شيء، ولم أكن أعرف ما هو."
"وهل وجدته؟"
"لا أدري. ربما... ربما ما كنت أبحث عنه هو... أنتِ. ولكن لم يكن لدي الجرأة الكافية، ولا الحكمة الكافية لأحافظ على ذلك."
شعرت زينب بقلبها يخفق بقوة. كلماته كانت تحمل صدقًا، وشيئًا من الندم.
"فؤاد، لقد كنتُ أيضًا في حيرة. وكنتُ أبحث عن... عن الاستقرار، عن الأمان. وعن رجل يفهمني."
"وأنا... هل كنتُ كذلك؟"
"كنت... كنت تحاول. ولكن ربما لم تكن الظروف مناسبة. أو ربما... لم نكن مستعدين."
"أنا مستعد الآن." قال فؤاد، وصوته كان مليئًا بالأمل. "إذا... إذا أردتِ أن نمنح أنفسنا فرصة أخرى. ولكن هذه المرة، بصدق، وبوضوح. وبدون ضغوط."
نظرت زينب إلى هاتفها، ثم إلى النافذة. كانت الشمس قد ارتفعت، وأضاءت كل شيء. هل كانت هذه فرصة جديدة؟ أم مجرد تكرار لما حدث؟
"لا أدري يا فؤاد." قالت زينب بصراحة. "ما زلتُ في حيرة. وما زلتُ أشعر بأنني يجب أن أكون واضحة مع نفسي."
"أتفهم. وأنا أحترم ذلك. لا أريد أن أضغط عليكِ. ولكن إذا كنتِ بحاجة إلى الحديث، أو إلى التفكير، فأنا موجود."
"شكرًا لك يا فؤاد. سأتصل بكِ لاحقًا."
أنهت زينب المكالمة، وشعرت بأنها قد فتحت بابًا، بابًا كان مغلقًا. ولكن هذا الباب لم يجلب لها السلام، بل زاد من حيرتها.
هل كان فؤاد هو الرجل المناسب؟ أم أن عمر كان الفرصة التي يجب أن تمنحها لنفسها؟
في تلك اللحظة، جاءت رسالة أخرى. هذه المرة، من عمر.
"زينب، أردت فقط أن أطمئن عليكِ. أتمنى أن تكوني قد استمتعتِ بلقائنا. وإذا كان لديكِ أي أسئلة، فلا تترددي."
كان عمر ينتظر ردها. وكان فؤاد ينتظر ردها. وكان قلب زينب يتأرجح بين الأمس والحاضر، بين الاحتمالات المتناقضة.
"ماذا أفعل؟" همست زينب لنفسها. "كيف أختار؟"
كانت تعلم أن الاختيار يجب أن يكون عن قناعة، عن حب صادق، عن استقرار. ولم تكن تعرف ما إذا كانت ستجده في فؤاد، أو في عمر.
شعرت بأنها تائهة في متاهة، وأن كل مخرج يؤدي إلى طريق جديد، ولكنه لا يزال غامضًا.
"اللهم إني أستخيرك."