الفصل 14 / 25

حب على الورق

لقاء الغد وذكريات الماضي

بقلم فاطمة النجار

استيقظت لمياء على خيوط الشمس الذهبية وهي تتسلل عبر ستائر غرفة نومها، ملقيةً بظلالٍ راقصة على جدران حجرتها الهادئة. كان الصباح يحمل وعداً جديداً، وعداً يختلط فيه شعورٌ بالترقب ممزوجٌ بقلقٍ مبهم. لم يكن غريباً أن تشعر بهذا المزيج من المشاعر؛ فبعد لقائها الأخير بعمر، شعرت بأن عالمها قد اهتزّ قليلاً، وأن أسساً كانت تظنها راسخة قد بدأت تتخلخل.

نهضت من فراشها، وتوجهت نحو نافذتها لتراقب شوارع حيّها القديم وهي تستيقظ ببطء. كانت تلك الشوارع تحمل بصمات ذكرياتٍ لا تُحصى، ذكريات طفولتها، وأحلام شبابها، والبسمات التي رسمتها على وجوه أحبائها. تذكرت كيف كانت تجلس هنا ذات مرة، تتأمل النجوم وتتمنى لو أن القدر يمنحها سنداً قوياً، روحاً تتفهم صمتها قبل أن تتحدث، وقلباً يحتضن أحلامها دون قيود.

نزلت إلى المطبخ حيث كانت والدتها، السيدة فاطمة، منهمكةً في إعداد الفطور. كانت رائحة الهيل والقهوة العربية تفوح في المكان، تمنح شعوراً بالألفة والدفء. "صباح الخير يا ابنتي"، قالت السيدة فاطمة بابتسامةٍ دافئة، وهي تضع طبقاً من الفواكه الطازجة أمام لمياء. "صباح النور يا أمي"، أجابت لمياء، وهي تجلس وتنظر إلى وجه والدتها المتغضن بحنان. "تبدين شاردة الذهن اليوم، هل كل شيء على ما يرام؟" سألت السيدة فاطمة، وهي تدرك تماماً أن هناك ما يشغل ابنتها.

ابتسمت لمياء ابتسامةً باهتة. "لا شيء يا أمي، فقط أفكر في يومي." "يومك؟ هل لديك موعدٌ مهم؟" تنهدت لمياء. "نعم، موعدٌ مع الأستاذ عمر." ارتسمت علامات اهتمامٍ واضحة على وجه السيدة فاطمة. لقد سمعت كثيراً عن الأستاذ عمر من ابنتها، وعن عمق معرفته، ورجاحة عقله، وأخلاقه الكريمة. كانت تثق بلمياء، وتعرف أن ابنتها لا تختار صحبتها إلا ممن يتحلون بالصفات النبيلة. "الله يوفقك يا ابنتي. تذكري أن الاختيار في هذه الأمور يحتاج إلى قلبٍ سليم وعقلٍ راجح. لا تدعي المشاعر الطائشة تغلب على حكمتك."

"أنا أعرف يا أمي. ولكن... الأمور ليست بهذه البساطة دائماً." "البساطة في الصدق والوضوح يا لمياء. إذا كان فيه خيرٌ لكِ، فسيرى الله ذلك، وإن لم يكن، فسيصرف عنكِ شره. استخيري الله دائماً، فهو مدبر الأمور."

كانت كلمات والدتها كبلسمٍ على روحها. لطالما كانت والدتها نبع حكمتها، وملاذها في أشد أوقات حيرتها. بعد الإفطار، توجهت لمياء إلى غرفتها، لتجد بجانب سريرها كتاباً صغيراً كانت قد وضعته هناك قبل أن تنام. كان كتاب شعرٍ قديم، اهتمت به لأنها وجدت فيه أبياتاً تلامس روحها. فتحت الكتاب، وبدأت تقرأ بصوتٍ خافت. كانت الكلمات تتراقص أمام عينيها، تحمل معاني الشوق، والأمل، والألم.

في أحد الأبيات، وجدت وصفاً لشعورٍ قريبٍ جداً مما تشعر به تجاه عمر. شعورٌ بالانجذاب العميق، مع حاجزٍ رفيعٍ يفصل بين الرغبة والواقع. تذكرت كلمات جدتها الراحلة، التي كانت دائماً ما تقول لها: "القلوب تتآلف قبل العيون يا لمياء. إذا شعرتِ براحةٍ تجاه شخص، فثقي بقلبك، ولكن لا تنسي عقلك."

كانت جدتها، السيدة آمنة، امرأةً ذات بصيرةٍ نافذة، وحكمةٍ مستمدةٍ من تجارب الحياة. كانت لمياء تشتاق إليها بشدة في مثل هذه الأوقات، تفتقد نصائحها الهادئة، وابتسامتها المطمئنة. كانت الجدة آمنة دائماً ما ترى ما لا يراه الآخرون، وتستطيع أن تميز جوهر الأشخاص بدقةٍ متناهية.

وبينما هي غارقةٌ في ذكريات جدتها، رنّ هاتفها. كان رقماً غير مسجل. ترددت قليلاً قبل أن تجيب. "ألو؟" "مرحباً، هل أتحدث إلى الأستاذة لمياء؟" كان الصوت رجولياً، عميقاً، ولكنه يحمل نبرةً غريبة. "معكِ لمياء. من المتحدث؟" "أنا... شخصٌ يعرفكِ جيداً، ويعرف ما يدور في خاطركِ." ارتعش قلب لمياء. "من أنت؟" "لا يهم من أكون الآن. ما يهم هو أنني على درايةٍ بما تخططين له مع الأستاذ عمر." شعرت لمياء بالخوف يتسلل إلى أوصالها. كيف عرف هذا الشخص؟ ومن يكون؟ "ماذا تقصد؟" سألت بحذر، محاولةً الحفاظ على هدوئها. "أقصد أن هناك أموراً قد لا تكونين على علمٍ بها. أمورٌ تتعلق بماضيه... وبمستقبلكِ." "لا أعرف عما تتحدث."

"بل تعرفين. ولكنكِ تختارين أن تتجاهلي. نصيحتي لكِ، لا تنجرفي وراء سراب. لا تضيعي وقتكِ وجهدكِ في شيءٍ قد ينتهي بخيبة أملٍ كبيرة." "ولماذا تخبرني بهذا؟" "لأنني لا أحب أن أرى شخصاً طيباً مثلَكِ يقع في فخٍ كبير. الحقيقة غالباً ما تكون مؤلمة، ولكنها أرحم من الوهم." "من أنت؟" سألت لمياء مرةً أخرى، وبصوتٍ يعلوه الإصرار. "سأترك لكِ المجال للتفكير. وربما نتقابل مرةً أخرى، عندما تكونين مستعدةً لسماع الحقيقة كاملة." أغلق المتحدث الخط قبل أن تتمكن لمياء من الرد.

جلست لمياء على حافة سريرها، قلبها يخفق بعنف. من كان هذا الرجل؟ وماذا كان يقصد بتلك الكلمات المبهمة؟ هل هناك ماضٍ لعمر لم تكن تعرفه؟ وهل كان لقاؤهما المقبل مجرد سراب كما قال؟ شعرت بأن كل شيءٍ بدأ يتعقد، وأن الخيوط التي كانت تنسجها بحذرٍ بدأت تتشابك بطرقٍ لم تتوقعها. كانت مشاعرها تجاه عمر قد بدأت تتفتح، حاملةً بصيص أملٍ في مستقبلٍ سعيد، ولكن الآن، وبسبب تلك المكالمة المجهولة، شعرت بأن تلك الآمال قد بدأت تتلاشى، لتحل محلها ظلالٌ من الشك والقلق.

نظرت إلى الكتاب المفتوح أمامها. ذكريات الماضي، ولقاء الغد، والمكالمة الغامضة... كلها تتداخل في عقليها، تاركةً إياها في حيرةٍ عميقة، تتساءل أي الطرق عليها أن تسلك، وأي الأبواب عليها أن تفتح، وأي الأسرار عليها أن تكشف. كان الصمت المحيط بها ثقيلاً، يضخّم من وطأة الأسئلة التي تدور في رأسها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%