الفصل 15 / 25

حب على الورق

خيوط الماضي المتشابكة

بقلم فاطمة النجار

تأملت لمياء الهاتف في يدها، وكأنها تحاول أن تستقي منه إجاباتٍ لتساؤلاتها المتزايدة. المكالمة الغامضة تركت أثراً عميقاً في نفسها، زرعت بذور شكٍ بدأت تنمو بسرعةٍ في تربة قلبها. "من هو هذا الشخص؟ وما هي صلته بعمر؟ وما هي الحقيقة التي يتحدث عنها؟" كانت هذه الأسئلة تدور في رأسها بلا توقف، وتمنعها من التركيز على أي شيءٍ آخر.

قررت أن تتجاهل المكالمة في الوقت الحالي، وأن تركز على لقائها القادم مع عمر. ربما كان المتصل مجرد شخصٍ يحاول أن يثير المشاكل، أو أن يفسد عليها فرصةً قد تكون مباركة. ثقتُها بعمر، على الرغم من قصر الفترة التي عرفته فيها، كانت تتنامى يوماً بعد يوم. كانت تراه رجلاً ذا أخلاقٍ كريمة، وعقلٍ راجح، وقلبٍ نبيل.

بعد تناول الغداء، قررت لمياء أن تتجول في حديقة منزلهم. كانت الحديقة ملجأها الهادئ، مكانٌ تستطيع فيه أن تجمع أفكارها، وأن تتنفس هواءً نقياً بعيداً عن ضغوط الحياة. جلست على مقعدٍ خشبي قديم تحت شجرة توتٍ وارفة الظلال، وبدأت تتأمل الزهور الملونة التي تزين المكان.

تذكرت أيام طفولتها في هذه الحديقة، وكيف كانت تلعب مع أشقائها، وتستمع إلى قصص جدتها. كانت جدتها، السيدة آمنة، تحب هذه الحديقة كثيراً، وتعتبرها قطعةً من الجنة على الأرض. كانت تقول لها دائماً: "كل زهرةٍ هنا تحمل قصة، وكل ورقةٍ لها حكمة. علينا أن نتعلم كيف نقرأ لغة الطبيعة، فهي لغةٌ صادقةٌ لا تكذب."

وبينما هي غارقةٌ في ذكرياتها، سمعت صوتاً يناديها. "لمياء؟" التفتت فوجدت والدها، الأستاذ أحمد، واقفاً أمامها بابتسامةٍ هادئة. كان الأستاذ أحمد رجلاً صالحاً، صاحب مبادئ، يعيش حياته في هدوءٍ ورضا. "أهلاً يا أبي"، قالت لمياء، وهي تنهض لتحية والدها. "ماذا تفعلين وحدكِ هنا؟" سأل الأستاذ أحمد، وهو يجلس بجانبها. "أفكر قليلاً يا أبي." "في ماذا تفكر ابنتي الحبيبة؟" تنفست لمياء بعمق. "في أمورٍ كثيرة يا أبي. في المستقبل، وفيما هو قادم." "هل هناك ما يقلقكِ؟" نظرت لمياء إلى عيني والدها الصادقتين. كانت دائماً ما تشعر بالراحة عند الحديث معه. "نعم يا أبي، بعض الأمور بدأت تتشابك. سمعتُ اليوم مكالمةً غامضةً من شخصٍ لا أعرفه، يقول أشياءً عن الأستاذ عمر... أشياءً تثير القلق."

توقف الأستاذ أحمد عن الابتسام لبرهة، ثم قال بصوتٍ هادئ: "يا ابنتي، في هذه الحياة، لا تخلو الأمور من بعض العقبات. والأشخاص الطيبون غالباً ما يكونون هدفاً لحسد الآخرين أو محاولاتهم لإفساد سمعتهم. هل تعرفين من كان المتصل؟" "لا يا أبي. وكان كلامه مبهمًا، ولكنه كان فيه ما يشبه التحذير." "علينا أن نثق بمسار الأمور، ونطلب من الله التوفيق. الأستاذ عمر، من خلال ما رأيته وسمعتُه منكِ، يبدو شاباً صالحاً. ولكن، لا بأس أن نكون حذرين. هل حاولتِ أن تسألي أحداً عن تاريخه، أو عن عائلته؟"

"لم أفعل يا أبي. لم أشأ أن أبدو فضوليةً أو متشككةً. ولكني الآن أشعر أنني بحاجةٍ إلى معرفة المزيد." "هذا طبيعي يا لمياء. من حقكِ أن تعرفي كل شيءٍ عن الشخص الذي قد تشاركينه حياتكِ. ربما عليكِ أن تتحدثي مع الأستاذ عمر نفسه، ولكن بطريقةٍ لبقة، ليس كأنكِ تتلقين معلوماتٍ من شخصٍ آخر، بل كأنكِ تبحثين عن فهمٍ أعمق لشخصيته وتجاربه."

"ولكن ماذا لو كان ما يقوله المتصل صحيحاً؟" "إذا كان صحيحاً، فسوف تظهر الحقائق يوماً ما. وإذا كان كذباً، فسيتبدد كما تتبدد السحب. المهم هو أن تبقي على يقينٍ بالله، وأن تسيري بخطواتٍ واثقةٍ ومدروسة."

ابتسمت لمياء ابتسامةً خفيفة. "شكراً لك يا أبي. كلامك يريحني دائماً." "هذا واجبي يا ابنتي. الآن، هيا بنا إلى الداخل، فقد أعدت والدتكِ بعض الحلوى اللذيذة."

بينما هما عائدان إلى المنزل، مرت لمياء بجوار نافذة غرفة والدتها. رأت والدتها تتحدث في الهاتف، وكان وجهها يحمل تعابير قلقٍ واضحة. لمياء لم تسمع شيئاً من حديث والدتها، ولكن نظرة القلق في عينيها أثارت انتباهها. هل كانت والدتها تتحدث مع أحدهم بشأن عمر أيضاً؟

في تلك الليلة، لم تستطع لمياء النوم بسهولة. كانت المكالمة الغامضة، وحديث والدها، وقلق والدتها، كلها تتصارع في عقلها. شعرت بأنها تقف على مفترق طرق، وأن كل خطوةٍ تخطوها قد تحمل عواقب وخيمة.

في صباح اليوم التالي، ذهبت لمياء للقاء عمر في المقهى المتفق عليه. كانت تشعر ببعض التوتر، ولكنها حاولت أن تخفي ذلك. عند رؤيتها، ابتسم عمر ابتسامةً مشرقة، بدت وكأنها تذيب كل مخاوفها. "صباح الخير يا لمياء"، قال بصوتٍ دافئ، وهو يقف ليفتح لها كرسياً. "صباح النور يا أستاذ عمر"، أجابت لمياء، وهي تجلس، محاولةً أن تعكس هدوءه.

بدأ حديثهما بشكلٍ طبيعي، يتناول أموراً عامة، ثم انتقلا إلى مناقشة بعض الكتب التي قرآها. كان عمر يتحدث بشغف، وعيناه تلمعان بالحيوية. شعرت لمياء بجاذبيةٍ تجاه عقله، وبتقديرٍ لطريقة تفكيره.

"لمياء"، قال عمر فجأة، بعد صمتٍ قصير، "أشعر بأنكِ تحملين شيئاً في قلبكِ. هل كل شيءٍ على ما يرام؟" نظرت لمياء إلى عينيه. كانت صادقةً، وتتطلب الصدق. "حسناً يا أستاذ عمر..." بدأت لمياء، مترددةً قليلاً. "لقد تلقيتُ مكالمةً أمس من شخصٍ لا أعرفه. كان كلامه غريباً، وحاول أن يوحي لي بأن هناك أموراً في ماضيكَ قد تكون مؤثرةً على حاضرنا."

اتسعت عينا عمر قليلاً، وبدت عليه علامات المفاجأة، ثم ربما بعض الأسى. "مكالمة؟" سأل بصوتٍ خافت. "من كان؟ وماذا قال بالضبط؟" "لم يذكر اسمه، ولكن كلامه كان عن أن هناك حقائق قد لا أكون على علمٍ بها. حاول أن يحذرني من المضي قدماً."

صمت عمر لبرهة، ونظر بعيداً، وكأنه يحاول استجماع أفكاره. "لمياء"، قال أخيراً، وهو ينظر إليها بثبات، "أنا أقدر صراحتكِ وثقتكِ بي. وأتفهم أن مثل هذه المكالمة قد تثير قلق أي شخص. سأكون صريحاً معكِ. نعم، هناك أمورٌ في ماضي، ولستُ الوحيد الذي لديه ماضٍ. ولكن، لا شيءٌ يمكن أن يشوه جوهر علاقتنا، أو نيتنا الطيبة تجاه بعضنا البعض."

"ولكن ما هي هذه الأمور؟" سألت لمياء، وقلبها يخفق بشدة. "ليس لدي ما أخفيه عنكِ، لمياء. ولكن، يجب أن يكون ذلك في الوقت المناسب. أريد أن نتحدث عن هذا الأمر، ولكن ليس هنا، وليس الآن، وليس بهذه الطريقة."

نظرت لمياء إليه، تشعر بالارتباك. كانت كلماته تحمل صدقاً، ولكنها لم تزل غامضة. هل كانت هذه هي الحقيقة الكاملة؟ أم مجرد جزءٌ منها؟

"أنا فقط أريد أن أكون مطمئنة"، قالت لمياء بصوتٍ هادئ. "أريد أن أعرف أنني أبني مستقبلي على أساسٍ متين." "وأنا أريد ذلك أيضاً يا لمياء. أعدكِ بأننا سنتحدث عن كل شيء. ولكن، أعطني بعض الوقت."

نهضت لمياء، تشعر بأن الأمور قد تعقدت أكثر مما توقعت. كانت رحلتها مع عمر تبدو وكأنها مليئةٌ بالعقبات غير المتوقعة، وأن الغموض يلف جوانبها، ويجعلها تتساءل عن حقيقة كل ما تراه وتسمعه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%