الفصل 18 / 25

حب على الورق

همسات في ليل الحيرة

بقلم فاطمة النجار

انسدل الليل على مدينة القاهرة بخيوطه الحريرية، مرصعاً سمائه بآلاف النجوم كحبات ألماس نُثرت على مخمل داكن. في شقة الأستاذ عبد الرحمن، كان الهدوء يلف المكان، هدئٌ لا يخلو من ثقل، ثقلٌ يعتمل في صدور ثلاثة أشخاص. ليالي، واقفةٌ بجوار النافذة، تتأمل الأضواء المتلألئة للمدينة، وعيناها تعكس حيرةً عميقة، وعقلها يسابق الريح في مضمارٍ لا نهاية له. والدها، الأستاذ عبد الرحمن، يجلس على أريكته الجلدية العتيقة، يمسح وجهه بتعبٍ ظاهر، وحاجباه معقودان في تساؤلٍ أزلي. وأمها، السيدة فاطمة، تضع كوبين من الشاي الساخن على الطاولة الصغيرة بينهما، وتتلمس كتف ابنتها بنبرةٍ حانية: "يا ابنتي، القلق لن يحل شيئاً. تحدثي إلينا، ما الذي يشغل بالكِ إلى هذا الحد؟"

تنهدت ليالي بعمق، ثم التفتت إليهما. "ماذا أقول؟ كل ما كنتُ أعتقده حقاً، كل ما بنيتُ عليه آمالي، بات يتهاوى أمامي كبيتٍ من رمال."

أومأ الأستاذ عبد الرحمن برأسه بصبر. "نعلم أن هذه الفترة صعبة، يا بنيتي. خطوبةٌ كهذه، وكنتِ متعلقةً بها، ثم يحدث ما حدث. لكن هذا لا يعني نهاية العالم. الحكمة تقتضي أن نرى الأمور بوضوح."

"الوضوح؟" ضحكت ليالي ضحكةً مريرة. "هل تظنان أنني لا أحاول؟ أحاول جاهَدةً أن أفهم. كيف يمكن لشخصٍ مثل أحمد، الذي عرفته، الذي وثقتُ به، أن يفعل ذلك؟ أن يتصرف بهذه الطريقة؟"

"ما الذي حدث بالضبط يا ليالي؟" سألت السيدة فاطمة، وصوتها يرتعش قليلاً. "روايتكِ بدأت مشوشة. هل رأيتِ شيئاً؟ سمعتِ شيئاً؟"

"لم أرَ شيئاً بعيني، أمي، ولكني سمعتُ ما يكفي. سمعتُ حديثه. حديثه مع صديقه." قاطعت ليالي حديثها، وارتعشت شفتيها. "كنتُ في المكتبة، أبحث عن كتابٍ قديم لوالدي، فسمعتُ صوته آتياً من إحدى الغرف الخلفية، غرف الاجتماعات المغلقة. لم أكن أقصد التنصت، ولكن صوته كان عالياً، ممزوجاً بالغضب والاستياء. وكان يتحدث عن... عن صفقة. صفقةٌ كبيرة، تتضمن أموالاً طائلة، وعن كيفية الاحتيال على شركائه. كان يقول إن هذه هي الطريقة الوحيدة لضمان مستقبلٍ آمن له، لضمان أن لا يواجه ما واجهه والده."

انتقل الصمت بين أفراد الأسرة، ثقيلاً وكأنه جبلٌ يطبق على صدورهم. الأستاذ عبد الرحمن اتكأ إلى الخلف، وعيناه شاخصتان في الفراغ. السيدة فاطمة أمسكت بيد ابنتها بيدٍ ترتعش.

"هل سمعتِ أسماء؟" سأل الأستاذ عبد الرحمن بصوتٍ هادئ، يكتم فيه عاصفةً من المشاعر.

"لم أسمع أسماءً محددة، أبي، ولكن كان يتحدث عن "مستثمرين جدد"، وعن "تضخيم الأرباح" بطرقٍ غير شرعية. كان يقول إن لديه خطةً محكمة، وأن لا أحد سيستطيع اكتشاف أمرها. وتفوه بكلماتٍ قاسية عن "ضعف" أولئك الذين يتركون أمورهم للصدف، وعن "ذكائه" الذي سيمكنه من تجاوز كل العقبات. وعندما انتهى، خرج، ولم يرني. لكنني كنتُ أرى وجهه من خلال الزجاج المعتم لباب الغرفة. كان وجهه قاسياً، خالياً من أي رحمة أو تردد. كأنه شخصٌ آخر."

"وهل تحدثتِ إليه؟" سألت السيدة فاطمة، وعيناها تدمعان.

"كيف لي أن أتحدث إليه؟ كيف لي أن أواجهه بهذا؟ بعد أن استمعتُ إلى ما استمعتُ إليه، شعرتُ بأن الأرض قد انسحبت من تحتي. كل الثقة التي منحتها له، كل الأحلام التي نسجناها معاً، باتت سراباً."

"وهل أخبرتِ أحداً؟" سأل الأستاذ عبد الرحمن.

"لم أستطع. كيف أبدأ؟ كيف أصف ما سمعتُ؟ كنتُ خائفةً، مرتعبَةً. خائفةً على نفسي، وعلى سمعة العائلتين. خائفةً من أن أكون قد أسأتُ الفهم، ولكن الصوت كان واضحاً، والنبرة كانت لا تحتمل الشك."

"إذاً، لم يكن كل ذلك مجرد سوء فهم، يا ليالي؟" سأل الأستاذ عبد الرحمن، وقد بدأ صوتُه يأخذ منحىً آخر، منحىً لا يشبه هدوءه المعتاد. "الأمر يتجاوز مجرد خلافٍ بسيط. الأمر يتعلق بنزاهته، بصدقه، بمبادئه."

"أبي، أعرف أنه يتحدث عن مستقبلٍ آمن. أعرف أن والده عانى كثيراً. ولكن هل هذا يبرر...؟"

"لا شيء يبرر الاحتيال يا ابنتي. لا شيء يبرر الغش والخداع. خصوصاً عندما يكون ذلك على حساب الآخرين، على حساب الثقة التي يُفترض أن تكون أساس أي علاقة."

"ولكن، يا أبي، ما فعله هو أنه فعل كل هذا من أجل ماذا؟ من أجل بناء مستقبلٍ لنفسه. أليس هذا ما يسعى إليه كل شاب؟"

"وهل البناء يكون على أنقاض الآخرين؟ هل بناء الذات يكون بسرقة جهد الآخرين؟ هذا ليس بناءً، يا ليالي. هذا هدمٌ لمبادئ الدين والأخلاق. هدمٌ للثقة التي تجمع الناس."

"لكن، يا أبي، إذا كان الأمر كما تقول، إذا كان أحمد بهذه الصفات، فلماذا لم يظهر ذلك من قبل؟ لقد عرفته طويلاً، وبدا دائماً شاباً مستقيماً، خائفاً من الله."

"الناس يا ابنتي، لديهم أقنعة كثيرة. وقد يختبئ الكثيرون خلف أقنعةٍ براقة. ربما تكون الظروف قد دفعته، أو ربما كانت لديه هذه الرغبة المكبوتة منذ زمن. المهم الآن هو ما سمعتِه، وما ستفعلينه بهذا العلم."

"ماذا أفعل؟" سألت ليالي، والدموع تنهمر على خديها. "هل أفسخ الخطوبة؟ هل أبلغ والديه؟ ماذا لو كان الأمر كما أقول، وسيقضي على سمعة عائلته؟ ماذا لو كان مخطئاً، وسأسبب له ولعائلته عاراً لا يُمحى؟"

"أولاً، يجب أن تتأكدي." قال الأستاذ عبد الرحمن بنبرةٍ حاسمة. "إذا كنتِ غير متأكدة تماماً، فالأفضل أن تأخذي حذرك. ولكن إذا كنتِ متيقنةً، فالصمت جريمةٌ لا تقل وزناً عن الجريمة نفسها."

"ولكن كيف أتأكد؟"

"هناك طرق. ربما يمكنكِ البحث في سجلات الشركة، إذا كان ذلك ممكناً. أو ربما يمكنكِ أن تتحدثي إلى أحدٍ تثقين به في مجال الأعمال، ليعطيكِ رأياً. أو ربما... ربما يكون الوقت قد حان لمواجهةٍ مباشرة."

"مواجهة؟"

"نعم، مواجهة. ولكن ليس بمفردكِ. يجب أن أكون معكِ، أو أن يكون معكِ رجلٌ تثقين به. أنتِ لا تستطيعين مواجهة هذا وحدكِ."

"ولكن إذا واجهته، ووجد أنني سمعتُ، فقد يخفي الأمر، وقد يزداد مكره."

"وهذا هو الخطر. لكن في بعض الأحيان، المواجهة هي الحل الوحيد. أن تقولي له ما سمعتِه، وأن تريه أنكِ تعرفين. قد يكون لديه تفسير، قد يكون لديه تراجع. أو قد يؤكد لكِ كل مخاوفكِ."

"أبي، أنا خائفة."

"الخوف طبيعي يا بنيتي. ولكن الشجاعة ليست غياب الخوف، بل هي التصرف رغم وجوده. يجب أن تفكري ملياً، وأن تختاري الطريق الذي يرضي الله، والذي يحفظ كرامتكِ وكرامة عائلتكِ."

جلست ليالي على الأريكة، واضعةً رأسها بين يديها. فكرها كان متشظياً، وقلبها ممزقاً بين حبٍ وُلد على الورق، وبين واقعٍ مريرٍ بدأ يتكشف. هل يمكن لقصة حبهما، التي بدأت بنقاءٍ وصفاء، أن تنتهي بهذه الطريقة؟ هل كانت هذه مجرد بدايةٍ لنهايةٍ أليمة؟ رفعت عينيها إلى والدها، ثم إلى والدتها. في أعينهم، رأت حباً لا مشروطاً، ودعماً لا ينقطع. شعرت ببعض السكينة، ولكن الحيرة ظلت تسيطر على مشاعرها. لقد بلغت نقطة اللاعودة. العالم الذي كانت تعرفه قد اهتز، ولم يعد بالإمكان إصلاحه كما كان.

"أعتقد..." قالت بصوتٍ خافت، "أعتقد أنني بحاجةٍ إلى بعض الوقت. لأفكر. لأجمع شتات نفسي."

"خذي كل الوقت الذي تحتاجينه يا ابنتي." قالت السيدة فاطمة، وهي تحتضنها. "نحن هنا معكِ. مهما كان القرار، فإننا سندعمه."

ألقى الأستاذ عبد الرحمن نظرةً مطولة على ابنته، ثم على زوجته. كان يرى في عيني ابنته صراعاً شديداً، صراعاً بين ما تريده وبين ما يجب أن تفعله. كان يعلم أن القرار سيكون صعباً، ولكنه كان مصمماً على أن يساندها، مهما كلف الأمر.

"علينا أن نكون مستعدين لكل الاحتمالات." قال بهدوء. "فالواقع قد يكون أشد قسوةً مما نتخيل."

وانتهى الفصل، تاركاً ليالي في قلب عاصفةٍ من الشكوك والمخاوف، تترقب فجر يومٍ جديد، يومٍ قد يحمل إجاباتٍ، أو قد يزيد من تعقيد الأمور.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%