حب على الورق
ظلال الماضي وبوح الأسرار
بقلم فاطمة النجار
في صباح اليوم التالي، وبدأت الشمس ترسل خيوطها الذهبية الأولى لتلامس نوافذ القاهرة، استيقظت ليالي على صوت رسالةٍ تصل إلى هاتفها. نظرت إليه بتردد، ثم فتحته. كانت الرسالة من أحمد. "صباح الخير يا حبيبتي. اشتقتُ إليكِ. هل يمكن أن نلتقي اليوم؟ أحتاج أن أتحدث إليكِ في أمرٍ مهم."
تجمدت ليالي للحظة. "أمرٌ مهم." هل كان يقصد ما سمعتْه بالأمس؟ هل أراد أن يعترف؟ أم أنه أراد أن يخطط لكيفية استكمال خدعته؟ شعرت بغثيانٍ خفيف. ألقت نظرةً على والدها الذي كان يتناول فطوره بهدوء، ولكنه كان يراقبها بعينين ثاقبتين. "سأذهب،" قالت بصوتٍ متحشرج، "ولكن يجب أن تكون معي."
نظر الأستاذ عبد الرحمن إليها. "أنا معكِ. ولكن يجب أن تكوني مستعدةً لكل شيء."
"أنا مستعدة، يا أبي." أجابت، وإن كانت روحها ترتجف.
بعد ساعات، وفى أحمد بوعده. وصل إلى منزل الأستاذ عبد الرحمن، يبدو عليه الارتباك ولكن أيضاً شيءٌ من العزم. استقبله الأستاذ عبد الرحمن بترحابٍ بارد، وأجلسه في غرفة المعيشة. جلست ليالي بجواره، ولكنها كانت تشعر وكأنها تجلس بجانب غريب.
"صباح الخير يا ليالي، صباح الخير يا أستاذ عبد الرحمن." قال أحمد، وصوته بدا متوتراً.
"صباح النور." أجاب الأستاذ عبد الرحمن.
"أحمد،" بدأت ليالي، وصوتها يرتجف قليلاً، "ما هو الأمر المهم الذي أردتَ أن تتحدث عنه؟"
نظر إليها أحمد، ثم أخذ نفساً عميقاً. "ليالي، بصراحة، أنا لستُ على ما يرام مؤخراً. هناك ضغوطٌ كثيرة، وضغوطٌ ماليةٌ تحديداً. والدي ترك لي ديوناً كبيرة، والكثير من المشاكل التي لم أكن أتوقعها. و... وكنتُ أفكر في طرقٍ لتدبير الأموال بسرعة."
شعر الأستاذ عبد الرحمن وكأن برداً قد سرى في عروقه. هل هذا اعتراف؟ هل بدأ بالتمهيد؟
"تفكير في طرقٍ لتدبير الأموال؟" سأل الأستاذ عبد الرحمن، وبدأت نبرته تحمل شيئاً من الشك.
"نعم. هناك فرصٌ استثماريةٌ معينة، ولكنها تتطلب رأس مالٍ كبير، وقد تكون... قد تكون محفوفةً بالمخاطر." تلعثم أحمد في كلماته.
"محفوفة بالمخاطر؟" سأل الأستاذ عبد الرحمن، وهو يرمق ليالي بنظرةٍ استجوابية.
"نعم. ولكنني أعتقد أنني أستطيع النجاح. أنا... أنا أمتلك خطة. خطةٌ لزيادة الأرباح بسرعة، ولكنها قد تكون... غير تقليدية."
"غير تقليدية؟" تكررت الكلمة، وهذه المرة بسخريةٍ واضحة في صوت الأستاذ عبد الرحمن. "هل تتحدث عن الاحتيال يا أحمد؟ هل تتحدث عن خداع الشركاء؟"
اتسعت عينا أحمد بصدمة. نظر إلى ليالي، التي كانت تحدق فيه بتحدٍ، ثم عاد ينظر إلى الأستاذ عبد الرحمن. "ماذا... ماذا تقصد؟"
"أعتقد أننا جميعاً نعرف ما تقصده، أليس كذلك يا ليالي؟" سأل الأستاذ عبد الرحمن، وهو يشير إليها.
ارتعش جسد أحمد. "ليالي... هل... هل سمعتِ شيئاً؟"
"نعم، سمعتُ." قالت ليالي بصوتٍ ثابت، ولكن قلبها كان يدق بعنف. "سمعتُك تتحدث مع صديقك بالأمس. كنتَ تتحدث عن صفقةٍ، عن احتيالٍ، عن خطةٍ محكمة لزيادة الأرباح بطرقٍ غير شرعية."
شحب وجه أحمد. عيناه بدأت تتجول بين ليالي والأستاذ عبد الرحمن. كان يبدو كمن وقع في فخٍ لا مفر منه.
"لم يكن ذلك كما يبدو." قال بصوتٍ متقطع. "كنتُ... كنتُ أشرح له طبيعة المخاطر التي يمكن أن تواجه المستثمرين. وكنتُ أعطيه أمثلةً على بعض الممارسات التي قد يلجأ إليها البعض لزيادة الأرباح، ولكني لم أكن أقصد أن أقوم بذلك بنفسي."
"إذاً، ما سمعتُه لم يكن مجرد تخيلات؟" قالت ليالي، والدموع بدأت تتجمع في عينيها.
"ليالي، صدقيني، الأمر معقد. والدي ترك لي مشاكل تفوق قدرتي على التعامل معها. والدي... لقد عانى كثيراً. وكان يسعى دائماً لضمان مستقبلٍ آمن لي. وهذا ما دفعني لأفكر في هذه الأمور. لكنني لم أكن لأقوم بشيءٍ يضر أحداً."
"ولكنك كنتَ تخطط لذلك، أليس كذلك؟" سأل الأستاذ عبد الرحمن، وصوته يحمل قسوةً لم تعهدها ليالي منه من قبل. "كنتَ تخطط لتضخيم الأرباح، لخداع المستثمرين، لتحقيق مكاسبٍ غير مشروعة. أليس هذا هو ما كنتَ تقوله؟"
"ربما... ربما لم أكن واضحاً تماماً في حديثي. ربما استغرقني الغضب والألم. ولكن... ولكن صدقيني، لم أكن لأفعل شيئاً يضر أحداً. خاصةً أنتِ يا ليالي."
"وكيف يمكنني أن أصدقك؟" قالت ليالي، وهي تنظر إليه مباشرةً. "كيف أصدق شخصاً يتحدث عن الاحتيال كأنه يتحدث عن وصفةٍ للطعام؟"
"أعلم أن هذا يبدو سيئاً. ولكن لدي طريقةٌ أخرى. والدي ترك لي بعض الأوراق، بعض العقود التي لم تكن صحيحة تماماً، والتي لو تم الكشف عنها، لسببت له الكثير من المشاكل في الماضي. ولكنه خبأها. وهذه الأوراق، يمكنني من خلالها... يمكنني من خلالها استعادة بعض الأموال التي كانت له، والتي سُرقت منه. أنا أحاول أن أصحح أخطاءه، أن أعيد الحق إلى أصحابه."
"هل هذا ما كنتَ تقوله؟" سأل الأستاذ عبد الرحمن، وهو ينظر إلى ليالي. "هل كان حديثك بالأمس عن تصحيح أخطاء والدك؟"
"لم يكن ذلك واضحاً تماماً، يا أبي." أجابت ليالي، وهي تنظر إلى أحمد. "لقد بدا الأمر وكأنه تخطيطٌ لمستقبلٍ آمن له، بغض النظر عن الآخرين."
"ربما لم يكن حديثي واضحاً، ربما أخطأتُ في التعبير. ولكن هذا هو ما كنتُ أفكر فيه، ما كنتُ أحاول فعله. لدي رغبةٌ قويةٌ في بناء مستقبلٍ جيد، ولكن ليس على حساب الآخرين. ربما تكون طريقتي في التعبير عن ذلك قد تكون خاطئة، ولكن نيتي... نيتي كانت حسنة."
"النية وحدها لا تكفي يا أحمد." قال الأستاذ عبد الرحمن بحزم. "الأفعال هي التي تتحدث. والحق يتجلى في الأفعال."
"أنا مستعدٌ لأن أثبت لكِ يا ليالي، ولأثبت لكَ يا أستاذ عبد الرحمن، أنني بريءٌ من أي تهمةٍ بالاحتيال. لدي الأوراق التي تثبت ذلك. ولو سمحتم لي، سأحضرها لكم."
"نحن لا نشك في براءة والدك بقدر ما نشك في أفعالك يا أحمد." قال الأستاذ عبد الرحمن. "وهذا الأمر خطيرٌ للغاية. أنتَ تتحدث عن أوراقٍ قديمة، وعن ديون، وعن سرقات. هذه قضايا معقدة، وليست مجرد لعبةٍ بين الأصدقاء."
"أنا أعرف ذلك. ولذلك أردتُ أن أتحدث إليكما. أردتُ أن أكون صريحاً معكم. أردتُ أن أرى ما إذا كنتم ستصدقونني."
"الصراحة مطلوبة، ولكنها تأتي بعد الثقة. والثقة تهتز عندما نسمع ما سمعناه." قالت ليالي، وصوتها يرتعش. "كيف يمكنني أن أثق بكَ، وأنتَ تتحدث عن مثل هذه الأمور بهذه الطريقة؟"
"أنا أفهم قلقكِ. ولكن اسمحي لي بأن أوضح لكِ كل شيء. اسمحي لي بأن أريكِ الأوراق، وأن أشرح لكِ كل تفاصيل ما حدث لوالدي، وما أفعله الآن."
"نحن بحاجةٍ إلى وقتٍ للتفكير، يا أحمد." قال الأستاذ عبد الرحمن، وقد استعاد بعضاً من هدوئه. "هذا الأمر يتطلب دراسةً متأنية. لا يمكننا اتخاذ قرارٍ بناءً على كلامٍ فقط."
"بالطبع. أتفهم ذلك. أنا سأكون في انتظار ردكم. أتمنى أن تعطوني فرصةً لإثبات حسن نيتي."
وقف أحمد، وبدا عليه بعض الأمل، ولكنه أيضاً بدا عليه التعب. غادر المنزل، تاركاً ليالي والأستاذ عبد الرحمن في صمتٍ ثقيل.
"ما رأيك يا أبي؟" سألت ليالي، بعد أن اختفى أحمد.
"هذا الرجل... لديه ما يخفيه. ولكن ربما ما يقوله يحمل بعض الحقيقة. قضية والده تبدو معقدة. ولكن لا يمكننا أن نتجاهل ما سمعتِه. الاحتيال هو احتيال، بغض النظر عن الأسباب."
"ولكن إذا كان يحاول تصحيح أخطاء والده، هل هذا يبرر ما فعله؟"
"هذا ما يجب أن نحدده. ولكن ليالي، مهما حدث، فإننا سنقف معكِ. وعليكِ أن تكوني قويةً. فالخيارات أمامنا قد تكون صعبة."
كانت ليالي تشعر وكأنها تدور في دوامة. فكرة أن أحمد ربما كان يحاول تصحيح خطأ، قد خففت من حدة غضبها، ولكنها لم تمحِ الشك تماماً. لقد فتح باباً جديداً للأسئلة، باباً يتطلب الكثير من الشجاعة والفطنة لعبوره.