حب على الورق
أسوار الليل وسرٌّ مدفون
بقلم فاطمة النجار
تسللت خيوط الظلام إلى أركان الغرفة، متوشحةً صمتًا ثقيلًا لا يقطعه سوى أنين رياحٍ خافتةٍ تعزف لحنًا كئيبًا على أسطح البيوت. جلست سارة، وعيناها زائغتان، تحدقان في فراغٍ لا تدرك منه شيئًا. كانت قد تجاوزت منتصف الليل، لكن النوم كان أبعد ما يكون عن متناولها. لم تعد تدريج سهادها الليلي مجرد اضطرابٍ عابر، بل أصبح وحشًا يتغذى على روحها، يلتهم راحتها ويتركها هشّةً أمام شمس النهار.
في قلبها، كان هناك صراعٌ مريرٌ يحتدم. لم تكن تتوقع أبدًا أن تجد نفسها حبيسةً لرغبةٍ جامحةٍ كهذه، تلك الرغبة التي انبعثت في روحها كشعلةٍ لا تنطفئ، تأمر وتنهى، وتنسف كل ما زرعته في نفسها من إرادةٍ وعزم. كانت تلك الرغبة، يا لغرابة القدر، تتجه نحو ذلك الشيء الذي لطالما حذرت منه، وتجنبته، ورأت فيه رمزًا للانحلال والضعف.
كانت قصة حبها لعلي، التي بدأت كنسيمٍ عليلٍ يلامس شغاف قلبها، تتطور الآن إلى عاصفةٍ عاتيةٍ لا تبقي ولا تذر. كلما تذكرت ابتسامته، أو سمعت صوته في أذنها، أو قرأت كلماته التي يبعثها إليها عبر صفحاتٍ ورقيةٍ تفصل بينهما، شعرت بقلبها يرتعش، وبقوةٍ خفيةٍ تسحبها نحو عالمٍ أصبحت فيه كل حدودها تتلاشى.
لكن هذه القوة، في جوهرها، كانت تحمل شيئًا من الخوف. لم يكن خوفًا من علي، أو من نظرة المجتمع، بل خوفًا من نفسها. خوفًا من هذا الضعف الذي بدأ ينهش إيمانها، ومن هذه الرغبة التي بدأت تتسرب إلى تفكيرها، تلوّث براءتها وتُغريها بالابتعاد عن الصراط المستقيم. كانت كلما حاولت استعادة توازنها، شعرت بأنها تسقط في بئرٍ أعمق.
في تلك الليلة، وبعد ساعاتٍ من التردد، اتخذت قرارًا. قرارٌ هزّ أعماقها، وجعلها تشعر بوطأةِ مسؤوليةٍ ثقيلةٍ تلقى على عاتقها. نهضت من فراشها، خطواتها صامتةٌ، توجّهت نحو صندوقٍ خشبيٍ قديمٍ وضعته في زاويةٍ من غرفتها، صندوقٌ يحوي ذكرياتٍ وأشياءً لا تبوح بها لأحد. فتحته ببطء، أصابعها ترتجف، وقلبها يخفق بعنفٍ كطائرٍ أسير.
من بين أغراضٍ متناثرة، انتشلت ما كانت تبحث عنه. لم يكن ذلك الشيء مجرد مادةٍ، بل كان رمزًا. رمزًا لضعفٍ استسلمت له، ولسرٍّ بدأت تشعر بثقله. حملت ذلك الشيء في يدها، وظلّت تحدق فيه طويلاً، وكأنها تستجدي منه تفسيرًا لما آلت إليه الأمور.
في صباح اليوم التالي، كان علي ينتظرها عند الشرفة المطلة على حديقة المنزل. كانت الشمس قد بدأت ترسل خيوطها الذهبية، ملقيةً بظلالٍ طويلةٍ على الأرض. حضر بابتسامته المعهودة، يحمل بين يديه غصن وردٍ أحمر، لكنه لاحظ شيئًا غريبًا في عينيها. كانت هناك نظرةٌ لم يعهدها فيها من قبل، نظرةٌ تجمع بين الشوق والحزن، وبين الأمل واليأس.
"صباح الخير يا حبيبتي." قال علي بصوتٍ فيه دفءٌ وحنان.
لم تجب سارة على الفور. ألقت بنظرها على الوردة، ثم رفعت رأسها لتنظر إليه. "صباح النور يا علي."
"ما بكِ؟ تبدين متعبةً بعض الشيء." سألها بقلقٍ ظاهر.
تنهدت سارة بعمق. "لا شيء، مجرد ليلةٍ لم أذق فيها طعم النوم."
"أتمنى أن تكوني بخير." قال علي، وشعر بشيءٍ من القلق يخترق قلبه. كان يحبها حبًا جمًا، وكان يرى فيها ما لم يرَ في غيرها. يرى فيها الروح الطاهرة، والعقل الراجح، والقلب النقي. كان يتمنى أن تكون حياتهما القادمة مليئةً بالسعادة والهدوء، بعيدًا عن أي مكدرات.
"علي،" بدأت سارة، وصوتها يرتجف قليلاً، "هل يمكن أن نتحدث؟ أحتاج أن أتحدث إليك في أمرٍ يشغل بالي."
لم يتردد علي. "بالتأكيد يا سارة. أي شيءٍ تطلبينه مني، تجديني له حاضرًا."
جلسا معًا على مقعدٍ خشبيٍ قديمٍ تحت ظل شجرةٍ وارفة. بدأت سارة، بكلماتٍ متقطعة، تحاول أن تشرح له ما يجول في خاطرها. كانت كلماتٌ متناثرة، تحاول أن تبني منها جسرًا يصل إلى فهمه. تحدثت عن ماضيها، عن ضعفٍ استبد بها، عن سرٍّ أثقل كاهلها. لم تذكر التفاصيل، لكنها ألمحت إلى ما يكفي لتثير فضوله وقلقه.
"لقد كنتُ... كنتُ في السابق، يا علي، ضعيفةً أمام بعض المغريات. لم أكن أستطع مقاومة ما يدفعني إلى الابتعاد عن طريقي الصحيح. وهناك شيءٌ، أمرٌ قديم، ما زال يطاردني، ويسيطر عليّ في بعض الأحيان."
شعر علي ببرودةٍ تسري في عروقه. كانت كلمات سارة تحمل معاني غامضة، لكنها كانت كافيةً لتزرع بذور القلق في قلبه. لم يكن يعرف ما هو ذلك الأمر القديم، ولم يكن يعرف مدى تأثيره على سارة.
"ما هو يا سارة؟ أخبريني كل شيء. لا تخافي مني، أنا هنا لأجلِك." قال علي، محاولًا أن يطمئنها.
نظرت إليه سارة بعينين تلمعان بالدموع. "لا أستطيع يا علي. ليس الآن. لكن أريدك أن تعرف، أنني أحاول جاهدةً أن أتجاوز ذلك. وأنني أريد أن أكون إنسانةً أفضل، زوجةً صالحةً لكِ."
ارتعشت يدا علي، ومدّها ليحتضن يدها. كانت باردةً، وكان يرى فيها اضطرابًا لم يعهده. "يا سارة، إنني أحبك. وكل ما أرجوه هو سعادتك وراحتك. مهما كان الأمر، سنواجهه معًا. أنا لن أتخلى عنكِ أبدًا."
في أعماقها، شعرت سارة ببعض الراحة لكلماته، لكن القلق ظلّ يساورها. هل كان علي مستعدًا حقًا لمواجهة ذلك السر؟ وهل كانت هي نفسها قادرةً على كشفه؟ كانت أسوار الليل قد بدأت تتكشف، لكن سرًا مدفونًا ظلّ يلقي بظلاله على مستقبلٍ بدأ يتشكل. كانت المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، وكانت سارة تشعر بأنها تقف على حافة الهاوية، لا تعرف إن كانت ستقفز أم سترتد.