الفصل 6 / 25

حب على الورق

عاصفةٌ تحت الرماد

بقلم فاطمة النجار

استقرت الشمس فوق الأفق، ملقيةً أشعتها الدافئة على بساتين النخيل المترامية الأطراف. لكن دفء الشمس لم يستطع أن يغطي البرودة التي بدأت تتسرب إلى علاقة نور الدين بفاطمة. كانت نور الدين، الشاب المثالي الذي طالما اتسم بالرزانة والاتزان، يجد نفسه في دوامةٍ من التساؤلات المقلقة. لم تكن فاطمة، خطيبته، كعادتها. كانت كلماتها مقتضبة، وحديثها قليل، وعيناها تحملان شيئًا من الحزن المكتوم.

كان الأمر قد بدأ منذ أسابيع. في البداية، ظن نور الدين أن الأمر مجرد إرهاقٍ أو ضغوطٍ طارئة. لكن مع مرور الأيام، أدرك أن هناك شيئًا أعمق، شيئًا يختبئ خلف تلك الابتسامات الباهتة والنظرات الشاردة. كانت فاطمة، التي اعتاد أن يرى فيها البريق والحيوية، تبدو وكأنها تحمل على كتفيها عبئًا ثقيلًا.

في إحدى الأمسيات، وبعد عشاءٍ صامتٍ تقريبًا، حاول نور الدين أن يفتح معها حديثًا. "فاطمة، عزيزتي، هل أنتِ بخير؟ أرى أنكِ شاردة الذهن دائمًا في الآونة الأخيرة."

نظرت إليه فاطمة، وحاولت أن ترسم على وجهها ابتسامةً خفيفة. "أنا بخير يا نور الدين. لا تقلق عليّ."

"لكنني أقلق. لم تعدي كما كنتِ. هناك شيءٌ ما يزعجكِ، أليس كذلك؟ إذا كان هناك أي شيءٍ، مهما كان صغيرًا، يمكنني المساعدة فيه، فأنا هنا."

تنهدت فاطمة وتجنبت النظر في عينيه. "لا شيء حقًا، مجرد تفكيرٍ زائدٍ في ترتيبات الزواج. تعلم أنني أريد كل شيءٍ أن يكون على أكمل وجه."

لم يقتنع نور الدين. كان يعلم أن فاطمة ليست من النوع الذي يقلق بشأن التفاصيل الصغيرة بهذا القدر. كانت لديها قدرةٌ مذهلةٌ على تنظيم الأمور. كان هناك شيءٌ آخر. شيءٌ لا تود أن تكشفه.

مرت الأيام، وأصبح الصمت بينهما أشبه بجدارٍ عالٍ. كلما حاول نور الدين أن يقترب، شعرت فاطمة وكأنها تتراجع، وتزيد من مسافة الصمت. كان الأمر يؤلم نور الدين بشدة. كان يحب فاطمة حبًا عميقًا، وكان يرى فيها شريكة حياته المستقبلية، الأم التي ستربي أبناءه. كان يتوقع منها أن تشاركه أفراحه وأحزانه، وأن تكون صمام أمانه في هذه الحياة.

ذات يوم، بينما كان نور الدين يتصفح بعض أوراقٍ قديمةٍ تخص والده، وجد رسالةً مطويةً بعناية. كانت الرسالة موجهةً إلى والده، لكنها لم تحمل توقيعًا. كانت اللغة فيها غريبة، تحمل بعض العبارات المبطنة التي لم يفهمها نور الدين في البداية. كلما قرأها مرةً أخرى، شعر بأنها تتحدث عن شيءٍ حساس، شيءٍ يتعلق بالماضي، وبأمورٍ ربما لم تكن واضحةً للجميع.

كانت الرسالة تتحدث عن "دينٍ قديمٍ" وعن "التزامٍ أخلاقيٍ لا يمكن التخلي عنه". وأشارت الرسالة إلى "ثمنٍ ما كان يجب دفعه" وأن "الصمت هو أفضل سبيلٍ لحفظ ما تبقى". شعر نور الدين بالقلق يتزايد. هل كانت هذه الرسالة تتعلق بوالده؟ وهل كانت هناك جوانبٌ من حياة والده لم يعرفها؟

بعد تفكيرٍ طويل، قرر نور الدين أن يتحدث مع والدته. كانت والدته، امرأةً صالحةً وحكيمةً، دائمًا ما تكون مصدر الأمان له. وعندما طرح عليها الأمر، بدأت والدته تتحدث عن والده وعن بعض الأمور التي لم يكن نور الدين يعرفها. كانت هناك قصةٌ عن دينٍ كبيرٍ كان قد تراكم على والده في سنواتٍ من العمل الشاق، دينٌ استطاع والده، بتوفيق الله، أن يسدده تدريجيًا، لكن هناك بعض الالتزامات التي ربما لم تكتمل.

"والدك يا بني، كان رجلًا طيبًا، لكن الحياة لم تكن سهلةً دائمًا. كان عليه أن يتحمل الكثير من الأعباء، وأن يتخذ قراراتٍ صعبةً من أجلنا. ربما هناك بعض الأمور التي لم يستطع أن يكشفها لك، حتى لا تشغل بالك." قالت والدته بصوتٍ فيه حنانٌ ممزوجٌ بالأسى.

لكن نور الدين كان يشعر بأن هناك شيئًا أعمق. كان يعتقد أن الرسالة لم تكن تتحدث فقط عن دينٍ مالي، بل ربما عن شيءٍ يتعلق بسمعة العائلة، أو عن التزامٍ أدبيٍ تجاه شخصٍ ما.

في هذه الأثناء، كانت فاطمة تعيش صراعًا داخليًا مريرًا. كانت قد علمت، بطريقةٍ ما، بوجود هذه الرسالة. لم تكن تريد أن تخبر نور الدين بالحقيقة كاملةً، خوفًا من أن يؤثر ذلك على مستقبلها ومستقبله. كانت تشعر بأنها عالقةٌ بين واجبها تجاه أسرتها، وبين حبها لنور الدين.

ذات مساء، وبينما كان نور الدين يبحث في بعض أوراق والده القديمة، وجد رسالةً أخرى، تبدو مختلفةً هذه المرة. كانت الرسالة موجهةً إليه، مكتوبةً بخطٍ نسائيٍ واضح، وكان قد عرفه جيدًا. كانت خط يد والدته.

"يا بني نور الدين،" بدأت الرسالة، "أعلم أنك تبحث عن إجابات، وأنك تشعر بالقلق. هناك سرٌ يتعلق بوالدك، سرٌ قديمٌ، يتعلق بمديونيةٍ أخلاقيةٍ لا يمكن تجاهلها. إنها قصةٌ طويلةٌ ومعقدة، تتعلق بشخصٍ ساعد والدك كثيرًا في بداياته، وبسبب ظروفٍ قاهرة، لم يتمكن والدك من رد الجميل بالكامل. وهناك وعدٌ قطعه على نفسه، وعدٌ ترك أثره على عائلته."

قرأ نور الدين الرسالة بقلبٍ مرتجف. بدأ يربط بين الرسالة التي وجدها، وبين صمت فاطمة. هل كانت فاطمة تعلم بهذا السر؟ وهل كان لهذا السر علاقةٌ بها؟

في نهاية الرسالة، كتبت والدته: "فاطمة، ابنة السيد محمود، هي حفيدة ذلك الرجل الذي مدّ يد العون لوالدك. وقد تركتُ لها بعض التفاصيل، وهي الآن تحمل على عاتقها مسؤوليةً كبيرةً تجاه هذا الأمر. أرجو منك، يا بني، أن تتفهم الموقف، وأن تكون سندًا لها، مهما كان الثمن."

صُدم نور الدين. كل شيءٍ بدأ يتضح الآن. صمت فاطمة، وقلقها، وشعوره بأن هناك جدارًا بينهما. لم يكن الأمر يتعلق بمسائل زواجٍ عادية، بل كان يتعلق بسرٍ دفينٍ، وديونٍ أخلاقيةٍ تتجاوز حدود الزمان. شعر وكأن عاصفةً قد ضربت سكون حياته، وأنه الآن يقف في قلبها، لا يدري كيف سيخرج منها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%